من ترميم القباب والمئذنة إلى استقبال مئات السياح.. إحياء التراث الإسلامي العثماني يعيد تقديم أحد وجوه بلغاريا التاريخية والحضارية للأجيال الجديدة

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في قلب بلوفديف «فيليبه»، لا يقف «جامع الجمعة» منفردًا عن تاريخ المدينة؛ فعلى مقربة منه يمتد الملعب الروماني القديم، وبين شوارع المنطقة التاريخية تتجاور شواهد تركتها عصور وحضارات متعاقبة، بينما ترتفع قباب الجامع ومئذنته حاملة إلى الحاضر فصلًا من التاريخ الإسلامي العثماني للبلقان.
هنا لا تبدو العراقة مجرد تاريخ مضى؛ فالمسجد الذي تعود قصة وجوده في هذا الموقع إلى أكثر من ستة قرون ما زال مفتوحًا للصلاة، ويستقبل مئات السياح، فيما أعادت أعمال الترميم إظهار ملامحه المعمارية والفنية، ليجمع المكان بين التراث والعبادة والسياحة في مشهد واحد.
مسجد في الموقع قبل فتح القسطنطينية بنحو 9 عقود
فقد بدأت قصة المسجد في هذا الموقع عقب دخول العثمانيين بلوفديف في الفترة 1363–1364، في عهد السلطان مراد الأول، أي قبل فتح القسطنطينية على يد السلطان محمد الثاني «الفاتح» عام 1453 بنحو تسعة عقود.
لكن التمييز بين تاريخ الموقع والبناء القائم اليوم مهم؛ فالمصادر السياحية البلغارية تشير إلى أن المسجد الأول هُدم في عهد السلطان مراد الثاني، بين عامي 1421 و1451، وشُيّد مكانه المسجد الحالي الذي عُرف باسم «أولو جامع الجمعة»، أي «جامع الجمعة الكبير»، وكذلك باسم «مرادية».
وقال مفتي منطقة فيليبه، أكرم خوجيف، لوكالة الأناضول إن تاريخ الجامع يعود إلى عام 1363، وإنه يمثل أحد النماذج المهمة للعمارة العثمانية المبكرة في بلغاريا.
وبذلك يحمل المكان أثر مرحلتين مبكرتين من التاريخ العثماني في البلقان: بداية الوجود الإسلامي في الموقع في عهد مراد الأول، ثم تشييد البناء الذي بقي إلى اليوم في عهد مراد الثاني.
9 قباب تضع الجامع بين أقدم وأكبر مساجد البلقان العثمانية
وتصف المصادر السياحية البلغارية «جامع الجمعة» بأنه واحد من أقدم المباني الدينية العثمانية في البلقان، كما تضعه بين المساجد الكبيرة الباقية من تلك المرحلة.
وتكشف عمارته عن مرحلة مبكرة من تطور بناء المساجد العثمانية؛ فبدلًا من القبة الواحدة التي اشتهرت بها نماذج لاحقة، ينتمي المسجد إلى طراز المساجد متعددة القباب، إذ تغطي قاعة الصلاة تسع قباب مكسوة بالرصاص.
ويجمع البناء بين الحجر والطوب، وتكشف طريقة تشييد جدرانه عن تأثيرات من تقنيات العمارة البيزنطية والبلغارية القديمة، بينما تتزين مساحاته الداخلية بزخارف نباتية من الأغصان والأزهار والأكاليل تتخللها كتابات قرآنية.
وتقدر أبعاد المسجد بنحو 30 مترًا في 40 مترًا وفق ما نقله مفتي المنطقة، ويتسع لنحو 1500 مصلٍ في الوقت نفسه.
وإلى يسار المحراب تبرز المقصورة السلطانية، التي يصفها خوجيف بأنها من العناصر المعمارية النادرة في المساجد العثمانية، لتضيف إلى القباب والزخارف ملمحًا آخر من خصوصية البناء.
المسجد بوابة إلى مدينة عثمانية كاملة
ولا تنحصر دلالة «جامع الجمعة» في المبنى نفسه؛ فالمسجد يقود إلى قراءة فصل أوسع من تاريخ فيليبه، التي تطورت خلال العصر العثماني حول منظومة من أماكن العبادة والتجارة والخدمات والعمران.
وتشير المصادر السياحية للمدينة إلى أن عهد السلطان مراد الثاني شهد ترسيخ جانب مهم من ملامحها العمرانية؛ فإلى جانب «أولو جامع الجمعة» ظهر «جامع الإمارة»، وأقيم جسر على نهر ماريتسا، وتشكل شارع «أوزون بازار» التجاري، ثم ظهرت حوله الخانات والسوق المغطى والحمامات.
وبقيت من ذلك المشهد شواهد يستطيع زائر بلوفديف رؤيتها اليوم، من بينها «جامع الجمعة» و«جامع الإمارة» والحمام المزدوج «تشيفتي» وبرج الساعة، لتصبح آثار المرحلة العثمانية جزءًا من المسار التاريخي والسياحي للمدينة.
وهنا تتسع قصة الجامع: فهو ليس أثرًا منفردًا بقي مصادفة، وإنما شاهد على مرحلة تركت بصمتها في العبادة والعمران والتجارة والحياة الاجتماعية للمدينة.
بلغاريا تحتفظ برصيد واسع من التراث الإسلامي العثماني
ويمثل «جامع الجمعة» واحدًا من رصيد كبير من المعالم الإسلامية العثمانية التي بقيت في بلغاريا، ويشمل هذا التراث مساجد ومدارس وحمامات وجسورًا وأسواقًا ومباني تاريخية موزعة في عدد من المدن.
وتكشف هذه المعالم عن امتداد الحضور الإسلامي العثماني في البلاد على مدى قرون، فيما أصبحت الأبنية الباقية اليوم جزءًا من المشهد التراثي لبلغاريا إلى جانب آثار تعود إلى مراحل وحضارات أخرى.
وتكتسب المحافظة عليها لذلك قيمة مزدوجة؛ فهي تحفظ جانبًا من تاريخ المسلمين في البلاد، وفي الوقت نفسه تصون جزءًا من التنوع المعماري والثقافي الذي تشكلت منه مدن بلغارية عديدة.
ترميم 2006–2008 أعاد القباب والمئذنة إلى الواجهة
ولم يصل المسجد إلى الحاضر من دون عمليات متعاقبة من الصيانة والترميم؛ إذ توثق المصادر السياحية أعمال تجديد جرت عامي 1785 و1818.
أما عملية الترميم الحديثة الواسعة، فامتدت بين عامي 2006 و2008 بدعم من بلدية إسطنبول الكبرى، وشملت تدعيم الجدران والأعمدة، وتجديد كسوة السقف والقباب، وإعادة الجزء العلوي من المئذنة الذي تضرر في زلزال عام 1928، إلى جانب أعمال داخلية وترميم الزخارف.
وهنا يظهر أحد وجوه النهضة المعاصرة المرتبطة بالتراث الإسلامي العثماني في البلقان؛ فبدل أن تبقى هذه المعالم شواهد صامتة معرضة للتدهور، تتيح عمليات الترميم إعادة اكتشاف قيمتها المعمارية والفنية وإبقائها حاضرة أمام الأجيال الجديدة.
وفي بلغاريا، بما تحتضنه من مساجد ومدارس وحمامات وجسور ومبانٍ عثمانية، تتجاوز قيمة هذه المشروعات إصلاح الحجر؛ إذ تعيد إلى المشهد أجزاء من تاريخ عمراني وحضاري طويل وتفتح أمامها أيضًا بابًا جديدًا للحضور السياحي والثقافي.
الملعب الروماني والجامع العثماني.. قرون من التاريخ في مساحة واحدة
ويمنح موقع «جامع الجمعة» هذه القيمة التاريخية بعدًا سياحيًا استثنائيًا؛ فهو يقع في قلب منطقة المشاة وسط بلوفديف، إلى جوار الملعب الروماني القديم مباشرة، وغرب المدينة القديمة.
وفي مساحة محدودة يستطيع الزائر الانتقال بين شاهد من العصر الروماني ومسجد عثماني ترجع قصة موقعه إلى القرن الرابع عشر، ثم مواصلة السير نحو شوارع المدينة القديمة ومعالمها الأخرى.
ولا يحتاج هذا المشهد إلى شرح طويل ليقدم صورة عن بلوفديف؛ فتعاقب الحضارات يمكن رؤيته في المكان نفسه، ويظهر التراث الإسلامي العثماني داخله بوصفه أحد مكونات تاريخ المدينة، لا معلمًا منفصلًا عنه.
«جامع الجمعة».. المسجد أصبح عنوانًا لوسط بلوفديف
ولم يبق تأثير الجامع محصورًا في العمارة والسياحة؛ فقد أصبح على امتداد الزمن جزءًا من ذاكرة المكان والحياة اليومية لسكان المدينة.
ويقول مفتي منطقة فيليبه إن السكان يستخدمون تعبير «جمعة ياتا»، بمعنى «عند جامع الجمعة»، للإشارة إلى وسط المدينة، في دلالة على تحول المسجد نفسه إلى نقطة لقاء وعلامة مكانية يعرفها السكان.
وهكذا تجاوز الجامع حدود وظيفته بوصفه مبنى تاريخيًا أو دينيًا، وأصبح اسمه مرتبطًا بالمكان الذي يقوم فيه وبحركة الناس من حوله.
مئات السياح يدخلون مسجدًا ما زالت الصلاة تقام فيه
وتزداد خصوصية التجربة السياحية لأن الزائر لا يدخل مبنى فقد وظيفته وتحول إلى متحف؛ فـ«جامع الجمعة» ما زال مسجدًا عاملًا يرتاده المسلمون خلال الأسبوع وفي المناسبات الدينية. وتؤكد بوابة السياحة الرسمية للمدينة استمرار استخدامه للعبادة حتى اليوم.
وبحسب خوجيف، يؤدي فيه صلاة الجمعة أسبوعيًا نحو 500 إلى 600 مصلٍ، كما يشهد إقبالًا كبيرًا في صلاتي العيد، في الوقت الذي يزوره فيه مئات السياح يوميًا.
وتضم فيليبه ثلاثة مساجد مفتوحة للعبادة هي «جامع الجمعة» و«جامع الإمارة» و«جامع طاش كوبري» أو «الجسر الحجري»، بينما يتقدم «جامع الجمعة» هذه المعالم بما يحمله موقعه من عمق تاريخي ومكانة معمارية.
من القباب التاريخية إلى حلقات تعليم القرآن
ويستمر حضور المسجد في حياة المسلمين خارج أوقات الصلاة؛ إذ تنظم خلال الصيف دورات للأطفال لتعليم القرآن الكريم، بينما تقام في الشتاء برامج للوعظ والتثقيف الديني.
وتشارك الأسر في تعليم أبنائها، لتنتقل العلاقة بالمسجد من جيل إلى آخر، ويجتمع داخل المكان التاريخي المصلون والأطفال والزوار القادمون لاكتشاف عمارته وتاريخه.
وهنا تكتمل دلالة الترميم؛ فالحفاظ على المعلم لا يقاس فقط ببقاء القباب والمئذنة والزخارف، وإنما أيضًا ببقاء الحياة داخله.
وبعد أكثر من ستة قرون من بداية قصة المسجد في هذا الموقع، تبدو رحلة «جامع الجمعة» مثالًا واضحًا على التقاء عراقة التراث بنهضة الحاضر: موقع إسلامي يعود إلى عهد مراد الأول، وبناء عثماني مبكر بقي من عهد مراد الثاني، وقباب ومئذنة أعاد الترميم إبراز جمالها، ومسجد لا تزال الصلاة والقرآن حاضرين فيه، ومعلم يستقبل مئات السياح ليعرفهم بوجه أصيل من تاريخ بلغاريا والبلقان.
وهكذا لا تعيد مشروعات الترميم بناء الحجر وحده؛ بل تمنح التراث الإسلامي العثماني فرصة جديدة لأن يُقرأ ويُرى ويُكتشف، وأن يبقى جزءًا حيًا من ذاكرة المكان وحاضره ومستقبله.
ـ مصادر المعلومات: وكالة الأناضول ، بوابة السياحة الرسمية لمدينة فيليبه «Visit Plovdiv» ، و موقع «Visit Bulgaria» .
ـ مصادر الصور: وكالة الأناضول ، و موقع «Visit Bulgaria» .

