مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

الشعب الألباني في دول غرب البلقان.. جذور تاريخية راسخة وحضور متنامٍ لجالياته المسلمة حول العالم

من الحضارة الإيليرية إلى التوزع بين دول غرب البلقان.. الشعب الألباني يحافظ على روابطه القومية واللغوية رغم الحدود السياسية الجديدة

الجاليات الألبانية المسلمة المهاجرة في أوروبا وأمريكا وأستراليا تعزز حضورها الديني والتعليمي والاجتماعي عبر المساجد والمراكز والمؤسسات المشتركة.. وتوثق تعاونها مع المشيخات الإسلامية في دول غرب البلقان للحفاظ على الهوية القومية والإسلامية للأجيال الجديدة

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

يحمل الشعب الألباني، أحد الشعوب القديمة والأصيلة في غرب البلقان، إرثًا تاريخيًا عميقًا ترتبط جذوره بالحضارة الإيليرية التي عرفتها المنطقة قبل نحو ألفي عام، وشهدت قيام كيانات سياسية امتدت في أجزاء واسعة من غرب البلقان.

وعلى امتداد القرون، حافظ الألبان على لغتهم وخصوصيتهم القومية والثقافية والدينية، رغم التحولات التاريخية والسياسية التي شهدتها المنطقة.

ومع تعاقب موجات الهجرة، ثم انفتاح الحدود الأوروبية وتيسير حركة السفر وإلغاء التأشيرات أمام مواطني عدد من دول غرب البلقان، اتسع حضور الألبان في المجتمعات الأوروبية وغيرها من دول العالم، وسط تقديرات تقريبية تشير إلى أن نسبة الألبان المقيمين خارج مناطق وجودهم التاريخية قد تقترب من 40% من إجمالي أبناء الشعب الألباني حول العالم.

وفي ظل هذا الانتشار، برزت الجاليات الألبانية المسلمة بوصفها مكوّنًا فاعلًا في المجتمعات التي استقرت فيها؛ فلم يقتصر حضورها على العمل والاستقرار والاندماج، بل اتجهت إلى تأسيس الجمعيات والمساجد والمراكز الإسلامية والثقافية والمؤسسات التعليمية، وترسيخ وجودها المؤسسي، والمحافظة على هويتها القومية والإسلامية، وتعليم اللغة الألبانية والقيم الدينية للأبناء والناشئة.

كما أخذت هذه الجاليات تؤدي دورًا متناميًا في الحياة الدينية والتعليمية والثقافية والاجتماعية في بلدان إقامتها، من خلال المؤسسات التي أسستها والأنشطة التي تنظمها، بما يعزز حضورها الإيجابي في المجتمعات الجديدة، ويتيح لأبنائها الجمع بين الاندماج المجتمعي والمحافظة على هويتهم القومية والإسلامية.

وفي الوقت نفسه، توثقت العلاقات بين الجاليات الألبانية المسلمة والمشيخات الإسلامية في غرب البلقان، ولا سيما في ألبانيا وكوسوفا ومقدونيا الشمالية، من خلال تعاون متبادل يشمل البرامج الدينية والتعليمية، ودعم المشروعات والأنشطة، وإيفاد الأئمة والدعاة، بما يعزز التواصل المؤسسي بين الجاليات المهاجرة وبلدانها الأصلية.

ويأتي هذا التقرير التمهيدي من «مسلمون حول العالم» للتعريف بواقع الجاليات الألبانية المسلمة حول العالم، وجذورها التاريخية والقومية، ومؤسساتها وأنشطتها، وأدوارها الدينية والتعليمية والثقافية والاجتماعية، وصلاتها بالمشيخات الإسلامية في غرب البلقان.

ويمثل التقرير مدخلًا لتغطية صحفية موسعة تعتزم «مسلمون حول العالم» تقديمها خلال الفترة المقبلة، للتعريف بالجاليات الألبانية المسلمة في مختلف الدول، ورصد أنشطة جمعياتها واتحاداتها ومساجدها ومراكزها الإسلامية ومؤسساتها التعليمية، وإبراز دورها وأثرها في المجتمعات التي استقرت فيها، وجهودها في الحفاظ على الهوية القومية والإسلامية للأجيال الجديدة.

الشعب الألباني في غرب البلقان..

وحدة تاريخية وتوزع جغرافي

يعيش الشعب الألباني في غرب البلقان في خمس مناطق رئيسية، هي جمهورية ألبانيا، الدولة الأم للشعب الألباني، وجمهورية كوسوفا، والمناطق الغربية والشمالية من جمهورية مقدونيا الشمالية، وإقليم أولتشيني في جنوب جمهورية الجبل الأسود، وإقليم بريشيفا في جنوب جمهورية صربيا. ويُضاف إلى هذه المناطق إقليم تشاميرية في شمال اليونان، الذي تعرض سكانه الألبان للتهجير خلال النصف الأول من القرن العشرين.

وتعود جذور هذا التوزع الجغرافي إلى التحولات السياسية التي شهدتها منطقة غرب البلقان في مطلع القرن العشرين؛ إذ كان الشعب الألباني يعيش خلال الحقبة العثمانية في أربع ولايات تابعة للدولة العثمانية، قبل أن تتوحد في دولة ألبانية واحدة عام 1912. غير أن مؤتمر لندن عام 1913، الذي عقدته القوى العظمى، أسفر عن تقسيم الأراضي الألبانية، وضم أكثر من نصفها إلى صربيا واليونان آنذاك.

وأدت هذه التحولات إلى توزع الشعب الألباني بين عدة دول في غرب البلقان، مع استمرار الروابط التاريخية والقومية واللغوية والثقافية التي تجمع أبناءه، رغم الحدود السياسية التي تفصل بين مناطق وجودهم التاريخية.

الجاليات الألبانية المسلمة في المهجر..

وحدة شعب فرّقته الحدود السياسية

أعادت الهجرة ترسيخ وحدة الشعب الألباني خارج حدوده الجغرافية في غرب البلقان؛ إذ اجتمع الألبان القادمون من جمهورية ألبانيا، الدولة الأم، وكوسوفا، ومقدونيا الشمالية، والجبل الأسود، وغيرها من مناطق الوجود الألباني، في دول غرب أوروبا وأمريكا وأستراليا، وشكّلوا جاليات مترابطة تجمعها الهوية القومية والإسلامية، واللغة الألبانية والتاريخ المشترك، بعيدًا عن الحدود السياسية التي تفصل بين مناطقهم الأصلية.

وتجلّت هذه الوحدة بصورة عملية في تأسيس الجمعيات والاتحادات الألبانية المسلمة، والمراكز الإسلامية والثقافية، والمساجد والمؤسسات التعليمية، التي يتعاون في إدارتها وتنظيم أنشطتها أبناء الشعب الألباني من مختلف دول غرب البلقان، دون تمييز بحسب دولة المنشأ. كما أسست هذه الجاليات مدارس وبرامج تعليمية وتربوية لأبنائها، بهدف الحفاظ على هويتهم القومية والإسلامية، وفي مقدمتها اللغة الألبانية والقيم الإسلامية، وتعزيز ارتباط الأجيال الجديدة بجذورها التاريخية والثقافية والدينية.

وهكذا، لم تكن الهجرة مجرد انتقال للألبان إلى مجتمعات جديدة، بل أصبحت عاملًا في إعادة ترسيخ وحدتهم القومية والإسلامية، حيث يجتمع الألباني القادم من ألبانيا مع الألباني القادم من كوسوفا أو مقدونيا الشمالية أو الجبل الأسود، باعتبارهم أبناء شعب واحد، تجمعهم مؤسسات مشتركة ورسالة موحدة في الحفاظ على هويتهم القومية والإسلامية، ونقل لغتهم وثقافتهم وقيمهم الدينية إلى الأجيال القادمة.

الجاليات الألبانية والمشيخات الإسلامية..

تعاون متبادل يتجاوز الحدود

ترتبط الجاليات الألبانية المسلمة المهاجرة بعلاقات وثيقة ومتنامية مع المشيخات الإسلامية في دول غرب البلقان، ولا سيما في جمهورية ألبانيا وجمهورية كوسوفا وجمهورية مقدونيا الشمالية، في إطار تعاون مؤسسي يعزز الروابط الدينية والقومية بين أبناء الشعب الألباني في مناطق وجودهم التاريخية والمجتمعات التي استقروا فيها حول العالم.

ويتجسد هذا التعاون في اتجاهين متكاملين؛ إذ تسهم الجاليات الألبانية المسلمة في دعم أنشطة المشيخات الإسلامية ومشروعاتها وبرامجها في دول غرب البلقان، بينما تقدم المشيخات الإسلامية الألبانية دعمًا رسميًا ومعنويًا ودينيًا للجاليات المهاجرة، من خلال البرامج المشتركة، وإيفاد الأئمة والدعاة، والمشاركة في الأنشطة والفعاليات والمشروعات التي تنظمها مؤسسات الجاليات.

وتعكس هذه العلاقة المتبادلة استمرار الارتباط بين المؤسسات الإسلامية الألبانية داخل غرب البلقان وخارجه، ودورها في تعزيز التعليم الديني، والمحافظة على اللغة الألبانية والقيم الإسلامية، وتوثيق الصلات بين الأجيال الجديدة وجذورها القومية والدينية، بما يجعل الجاليات الألبانية المسلمة شريكًا فاعلًا في دعم المؤسسات الإسلامية في بلدانها الأصلية، وفي الوقت نفسه مستفيدة من خبراتها ورعايتها الدينية والمؤسسية.

التخطي إلى شريط الأدوات