مشروع إنساني يبني جسور التواصل بين الشعوب، ويحفظ قصص النجاح للأجيال، ويطمح إلى موسوعة عالمية ومؤسسات إعلامية ومعرفية متخصصة

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في عالم تتصاعد فيه أصوات الحروب والصراعات والانقسامات، وتتسع فيه مساحات الخوف وسوء الفهم بين الشعوب، تبرز أهمية الإعلام الذي لا يكتفي بنقل المآسي والخلافات، بل يفسح المجال أيضًا لقصص البناء والتعاون والنجاح، ويجعل من المعرفة الموثقة وسيلة للتعارف، ومن الكلمة المسؤولة جسرًا للتواصل وحفظ الذاكرة الإنسانية.
رسالة إعلامية مستقلة
من هذه الرؤية انطلق موقع «مسلمون حول العالم» في 17 نوفمبر 2019، بمبادرة إعلامية فردية مستقلة، لتقديم تغطية صحفية ومعرفية متخصصة في شؤون المجتمعات المسلمة بالدول غير الإسلامية، والتعريف بمؤسساتها وشخصياتها وتجاربها، وإبراز إسهاماتها في تنمية أوطانها، إلى جانب التحديات التي تواجهها في الحفاظ على هويتها الدينية والثقافية.
ويقوم المشروع على رؤية تعتبر أن مسؤولية الإعلام لا تقتصر على رصد الأزمات والصراعات، وإنما تشمل أيضًا توثيق جهود البناء، والتعريف بالمبادرات التعليمية والاجتماعية والإنسانية، وإبراز التجارب التي تعكس قدرة المجتمعات المسلمة على الإسهام الإيجابي في الحياة الوطنية.
ولا تعني هذه الرؤية تجاهل المعاناة أو التقليل من خطورة الأزمات، بل تقديم صورة أكثر اكتمالًا للواقع، تجمع بين التحديات والجهود المبذولة لمواجهتها، وبين الخسائر وقصص الصمود، دون مبالغة في تصوير الإنجازات أو إغفال المشكلات.
وفي مواجهة الإثارة والتضليل والاستقطاب، يتبنى الموقع منهجًا تحريريًا يعطي الأولوية للقيمة الخبرية، والمصادر المباشرة، ودقة المعلومات، واحترام السياق، والتمييز بين الوقائع والاستنتاجات؛ انطلاقًا من أن أهمية الخبر لا تُقاس بحجم الضجيج الذي يثيره، بل بما يضيفه من معرفة موثوقة وفهم أعمق للواقع.
جسور التواصل وحفظ الذاكرة
وتحتل العلاقات الإنسانية والتواصل بين الشعوب موقعًا أساسيًا في رسالة «مسلمون حول العالم»، من خلال التعريف بالمجتمعات المسلمة باعتبارها جزءًا من النسيج الوطني والاجتماعي للدول التي تعيش فيها، وإبراز تجارب التعايش والتعاون والمشاركة في التعليم والعلوم والاقتصاد والخدمات الاجتماعية.
ويسعى الموقع إلى تقديم نماذج توضح أن الاعتزاز بالهوية الإسلامية لا يتعارض مع المواطنة الصالحة، وأن المحافظة على الخصوصية الدينية والثقافية يمكن أن تقترن بالإسهام الفاعل في تقدم الوطن وخدمة جميع مواطنيه.
ولا يقتصر التواصل الذي يستهدفه المشروع على العلاقات بين المسلمين وغير المسلمين، بل يشمل أيضًا تعزيز التعارف بين المجتمعات المسلمة المنتشرة في مختلف القارات، والتعريف المتبادل بمؤسساتها وخبراتها وتجاربها، بما يتيح الاطلاع على المبادرات الناجحة والاستفادة من دروسها في مجتمعات تواجه تحديات متشابهة.
ومن هنا تبرز أهمية التوثيق باعتباره امتدادًا للعمل الصحفي؛ فالأخبار التي تُنشر اليوم عن مؤسسة تعليمية، أو مبادرة اجتماعية، أو شخصية قدمت إسهامًا نافعًا، يمكن أن تتحول بمرور الزمن إلى رصيد معرفي يحفظ جانبًا من تاريخ المجتمعات المسلمة وحياتها المؤسسية والثقافية.
وبذلك لا تقتصر قيمة التغطية على نقل الحدث في لحظته، وإنما تمتد إلى حفظ التجارب وإتاحتها للأجيال المقبلة، وتعزيز معرفة المسلمين بعضهم ببعض، وتعريف الشعوب الأخرى بتنوع حياتهم وإسهاماتهم بعيدًا عن الصور النمطية والتعميم.
من المبادرة إلى المشروع العالمي
وفي إطار تطوير هذه الرسالة، يطرح «مسلمون حول العالم» مبادرة لتخصيص 17 نوفمبر من كل عام يومًا عالميًا للاحتفاء بالمجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية، بالتزامن مع ذكرى انطلاق الموقع.
وتستهدف المبادرة الاحتفاء برواد هذه المجتمعات الذين قدموا إسهامات بارزة في المجالات غير الدينية، ولا سيما العلوم والتعليم والطب والبحث والابتكار والعمل الإنساني والاجتماعي، وأسهموا في خدمة أوطانهم ومجتمعاتهم بما يعود بالنفع على المواطنين جميعًا، مسلمين وغير مسلمين.
وترتبط المبادرة بمشروع «موسوعة رواد المجتمعات المسلمة حول العالم»، الذي يهدف إلى توثيق سير هذه الشخصيات وتجاربها وإنجازاتها، وتحويل قصص النجاح من أخبار متفرقة إلى ذاكرة معرفية منظمة يمكن الرجوع إليها والاستفادة منها.
وتندرج هذه المبادرات ضمن رؤية مستقبلية أوسع لتطوير الموقع إلى مشروع إعلامي ومعرفي عالمي، تشمل طموحاته إنشاء منصة إعلامية عالمية، وموسوعة للمجتمعات المسلمة، ومركز للدراسات، ووكالة أنباء، وقناة فضائية، وأكاديمية إعلامية متخصصة في التدريب الصحفي.
ولا تمثل هذه المشروعات مؤسسات قائمة أو إنجازات مكتملة، بل طموحات مستقبلية يسعى المشروع إلى تحقيقها تدريجيًا، وفق الإمكانات المتاحة وفرص التعاون والشراكات التي تحافظ على استقلال رسالته.
وتكتسب هذه الرؤية خصوصيتها من انطلاق الموقع بمبادرة فردية محدودة الموارد، مع تطلعه إلى تطوير عمل مؤسسي أكثر قدرة على الاستمرار والتوسع، دون اعتبار الجهد الفردي بديلًا دائمًا عن التعاون والتخصص وبناء المؤسسات.
وفي جوهر هذه الطموحات، تظل رسالة «مسلمون حول العالم» مرتبطة بقيمة الكلمة المسؤولة، وقدرتها على التعريف بالإنسان وحفظ إنجازاته، وبناء جسور المعرفة والمحبة بين المجتمعات المسلمة وأوطانها والأمة الإسلامية وشعوب العالم.
فالشمعة لا تملك أن تطفئ حرائق العالم، لكنها تستطيع أن تمنح ما حولها نورًا؛ وكذلك الكلمة الصادقة لا تنهي الحروب والصراعات وحدها، لكنها تستطيع أن تفتح نافذة للمعرفة، وتحفظ تجربة نافعة من النسيان، وتبني جسرًا جديدًا للتفاهم بين البشر.
المصدر: رؤية ورسالة موقع «مسلمون حول العالم» ومبادراته المستقبلية .
