المناقشات تتناول المسؤولية الأسرية واستعادة الممتلكات الدينية والتشاور مع السلطات

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مدينة تاريخية تتجاور فيها المساجد والكنائس، وتتوارث أجيالها تقاليد التعايش بين المسلمين والمسيحيين، تتجسد خصوصية التجربة الألبانية في احترام التنوع الديني، بوصفه إرثًا حضاريًا يفتح آفاقًا للتعاون في مواجهة التحديات الاجتماعية.
منتدى وطني في بيرات
وفي هذا السياق، نظّم مجلس الأديان في ألبانيا، يوم 31 أكتوبر 2026، المنتدى المشترك بين الأديان في مدينة بيرات التاريخية، ضمن المشاورات الوطنية حول رؤى التقاليد الدينية والازدهار المشترك، بمشاركة قيادات وممثلين عن المؤسسات الدينية، ونواب في البرلمان، ومسؤولين محليين ومثقفين، وأعضاء المجلس التنفيذي ولجنتَي المرأة والشباب، وفقًا لما نشره المجلس على صفحته الرسمية بتاريخ 31 أكتوبر 2026.
وركز المنتدى على حماية إرث التعايش الديني في ألبانيا، وبحث سبل تحويل الحوار بين المؤسسات الدينية إلى مبادرات عملية لدعم الأسر والشباب، ومواجهة خطاب الكراهية، وتعزيز الثقة والتعاون بين أبناء المجتمع.
وتكتسب استضافة المنتدى في بيرات أهمية خاصة؛ فهي من أعرق المدن الألبانية، وتتميز بتراث معماري وديني يجسد قرونًا من التعايش بين المسلمين والمسيحيين. وقد أُدرج مركزها التاريخي ضمن قائمة التراث العالمي لليونسكو عام 2008، في إطار موقع «المركزان التاريخيان لبيرات وجيروكاسترا»، لتظل المدينة شاهدًا على التنوع الثقافي والديني في ألبانيا ومنطقة البلقان.
احترام الاختلاف
وأكد رئيس مجلس الأديان في ألبانيا والزعيم العالمي للطائفة البكتاشية، بابا إدموند إبراهيمـاي، أن التقاليد الدينية تفتح آفاقًا للتفاهم عندما تقوم على الرحمة والعدل والمحبة والمسؤولية تجاه الآخرين.
وشدد على أن الحوار بين الأديان لا يتطلب تطابق المعتقدات، بل احترام الاختلاف والتعاون من أجل الصالح العام، موضحًا أن الازدهار المشترك يرتبط بصون كرامة الإنسان وتعزيز الأمل والمشاركة وإتاحة الفرصة للجميع للإسهام في المجتمع.
ومن جانبه، دعا الأستاذ المشارك الدكتور جنتي كرويا، الأمين العام لمجلس الأديان في ألبانيا ورئيس منظمة «أديان من أجل السلام – أوروبا»، إلى اتخاذ خطوات عملية قابلة للتنفيذ لمساندة الأسر التي تواجه صعوبات والشباب، ومواجهة خطاب الكراهية وتعزيز الثقة بين المواطنين.
وأوضح كرويا أن الازدهار المشترك لا يقتصر على الحياة الدينية، بل يشمل العلاقات الإنسانية والرفاه الاجتماعي والعناية بالطبيعة واحترام مقدسات الآخرين، مؤكدًا أهمية توسيع مشاركة النساء والشباب في التعاون بين المؤسسات الدينية الألبانية.
وأشار خلال كلمته إلى أن المنتدى يأتي في سياق استمرار جهود الحوار بين الأديان، مستذكرًا المنتدى الإقليمي وبرنامج تدريب المدربين اللذين استضافتهما العاصمة تيرانا في يوليو 2026، بمشاركة ممثلين من 7 دول أوروبية.
كما أعرب عن تقديره للمؤسسات الدينية في بيرات على حسن الاستقبال، ولمنظمة «أديان من أجل السلام الدولية» والشبكة الأوروبية لمجالس الأديان على التعاون.
تعايش يتجاوز التسامح
وأكد مطران بيرات، أستي، أن تقاليد التعايش الديني في المدينة تمثل أخوة تتجاوز حدود التسامح، مشددًا على مسؤولية الأجيال المتعاقبة عن حماية هذا الإرث وتطويره من خلال التعارف والاحترام المتبادل وتجاوز الصور النمطية.
وأشار إلى أن المحافظة على هذه العلاقات مسؤولية مشتركة بين أبناء المؤسسات الدينية، معتبرًا أن العمل المؤسسي المشترك يقدم نموذجًا عمليًا للتعايش في المجتمع الألباني.
كما استعرض راعي الكنيسة الكاثوليكية في بيرات، الأب باولو ماراسكو، نماذج من العلاقات اليومية بين المسلمين والمسيحيين الأرثوذكس والكاثوليك، شملت الصداقات الشخصية وتبادل الزيارات خلال المناسبات الدينية، والدعم الذي تلقاه أبناء الكنيسة الكاثوليكية في المدينة من المسلمين والمسيحيين الأرثوذكس.
ونقل ماراسكو كذلك تحيات الأب فلافيو كافاليني، المسؤول الرسولي عن جنوب ألبانيا، مؤكدًا من خلال تجربته الشخصية أهمية العلاقات الإنسانية المباشرة في ترسيخ التعايش بين أتباع الأديان.
قضايا مجتمعية
وشهد المنتدى مداخلات لرئيس بلدية كوتشوفا، كريشنيك حيدري، والنواب فاضل ناصوفي، وخديجة كونومي، وزيا إسماعيلي، إلى جانب كاسيون هاسيميتاي، رئيس فرع الحزب الديمقراطي في بيرات.
وتناولت المناقشات تعزيز دور الأسرة والمسؤولية الوالدية، واستعادة ممتلكات المؤسسات الدينية، وتوسيع التشاور بين السلطات العامة والمجتمعات الدينية بشأن القضايا التي تهم المواطنين.
ودعا رئيس بلدية كوتشوفا إلى مزيد من التعاون الميداني بين السلطات المحلية والمؤسسات الدينية، معربًا عن استعداده لتنظيم لقاءات توعوية وحوارات مشتركة مع ممثلي الأديان، خصوصًا تلك الموجهة إلى الشباب.
واختُتم المنتدى بالتأكيد على أن المحافظة على تجربة التعايش الديني في ألبانيا تتطلب مواصلة العمل من خلال التعليم والعلاقات الإنسانية والأنشطة المشتركة، مع الاستفادة من الاستعداد الذي أبداه المسؤولون المحليون لتطوير مبادرات مجتمعية تخدم الأسر والشباب.
وبذلك يفتح المنتدى المجال أمام تعاون محلي أكثر ارتباطًا باحتياجات المواطنين، مستندًا إلى الإرث التاريخي لمدينة بيرات وتجربة المؤسسات الدينية الألبانية في بناء علاقات قائمة على الاحترام المتبادل والعمل من أجل الصالح العام.
المصدر: مجلس الأديان في ألبانيا (KNFSH)، نشره بتاريخ 31 أكتوبر 2026 على صفحته الرسمية.