مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

ماليزيا.. الروهينجا يواجهون أزمة استقرار قانوني رغم فرارهم من الاضطهاد في ميانمار

أكثر من 126 ألف روهينجي مسجلون لدى مفوضية اللاجئين دون ضمانات للإقامة والعمل

قيود على التعليم والعلاج وإخلاءات للمساكن.. ونظام تسجيل جديد لا يمنح الجنسية أو الإقامة الدائمة

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

هربوا من وطن لم يجدوا فيه الأمان، بحثًا عن حياة تحفظ كرامتهم ومستقبل أبنائهم، لكن رحلة اللجوء لم تنتهِ بالوصول إلى بلد جديد؛ إذ وجدوا أنفسهم أمام واقع آخر من القيود القانونية والصعوبات المعيشية، تتداخل فيه مخاوف الإقامة والعمل والسكن مع تحديات التعليم والعلاج، ليبقى الاستقرار حلمًا مؤجلًا تتوارث الأسر من جيل إلى آخر.

الوضع القانوني أصل المأزق

ففي ماليزيا، يعيش عشرات الآلاف من مسلمي الروهينجا في ظروف قانونية ومعيشية معقدة، رغم تسجيلهم لدى المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، في ظل غياب إطار قانوني يمنحهم وضعًا مستقرًا للإقامة والعمل، وفقًا لما نشرته وكالة أنباء أراكان في إنفوجراف تناول أوضاع الروهينجا في البلاد.

وبحسب البيانات التي عرضتها الوكالة، بلغ عدد الروهينجا المسجلين لدى المفوضية في ماليزيا 126,144 شخصًا حتى نهاية فبراير 2026، من بين نحو 215,600 لاجئ وطالب لجوء مسجلين لدى المفوضية من جنسيات مختلفة.

وبذلك يشكل الروهينجا أكثر من نصف المسجلين، ويتركز معظم اللاجئين في المناطق الحضرية، ولا سيما سيلانغور وجوهور وبينانغ.

وتكمن المشكلة الأساسية في أن التسجيل لدى المفوضية لا يمنح صاحبه تلقائيًا وضعًا قانونيًا للإقامة أو العمل؛ إذ لا تعد ماليزيا طرفًا في اتفاقية عام 1951 الخاصة بوضع اللاجئين، ولا يتضمن قانونها إطارًا عامًا مستقلًا يمنح اللاجئين وضعًا قانونيًا خاصًا.

وتثبت بطاقة المفوضية تسجيل حاملها لديها، لكنها لا تمثل تصريحًا رسميًا بالإقامة أو العمل، ويظل حاملوها خاضعين لقوانين الهجرة الماليزية.

وهكذا يجد الروهينجا أنفسهم أمام مفارقة صعبة: فهم معروفون لدى المؤسسة الدولية المعنية بحماية اللاجئين، لكن هذا التسجيل لا يكفي لضمان استقرارهم القانوني داخل البلد الذي لجؤوا إليه.

العمل.. البحث عن الرزق

تنعكس هذه المشكلة مباشرة على قدرة الأسر الروهينجية على توفير احتياجاتها اليومية؛ إذ لا يتمتع اللاجئون بحق عام في العمل الرسمي، ما يدفع كثيرين منهم إلى الاعتماد على فرص عمل غير نظامية.

ويجعل غياب التصاريح الرسمية الحصول على دخل مستقر أكثر صعوبة، ويحد من قدرة العاملين على الاستفادة من الضمانات المرتبطة بالعمل القانوني.

وفي تجربة مرتبطة بنظام التسجيل الوطني، حصل 78 من الروهينجا على وضع لاجئ، وأصبح 25 منهم مؤهلين للعمل، بحسب المعلومات الواردة في الإنفوجراف.

غير أن هذه الأعداد المحدودة لا تعني وجود حق عام في العمل لجميع الروهينجا المسجلين، وإنما تعكس نطاقًا محددًا من الإجراءات التي لا تزال بعيدة عن معالجة أوضاع عشرات الآلاف.

التعليم.. مستقبل مهدد

لا تتوقف آثار الوضع القانوني عند الجيل الذي اضطر إلى مغادرة أراكان؛ بل تمتد إلى الأطفال الذين يكبرون في ماليزيا ويواجهون صعوبات في الحصول على التعليم النظامي.

فوفقًا للإنفوجراف، لا يستطيع أطفال الروهينجا الالتحاق بالمدارس الحكومية، ويعتمدون بدلًا من ذلك على مدارس ومراكز تعليمية مجتمعية.

وتؤدي هذه المراكز دورًا مهمًا في توفير فرص التعلم، لكنها تعمل في بيئة تواجه تحديات تتعلق بالاستمرار والاستقرار.

وخلال عام 2026، أُغلقت تسع مدارس للروهينجا على الأقل، وفق المعلومات التي عرضتها وكالة أنباء أراكان.

ويثير ذلك مخاوف بشأن استمرار تعليم الأطفال الذين يعتمدون على هذه المؤسسات، ولا سيما أن فقدان فرص التعلم لا يقتصر أثره على الحاضر، وإنما يمتد إلى مستقبلهم وقدرتهم على اكتساب المهارات والاندماج في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

الرعاية الصحية.. تكاليف إضافية

وفي القطاع الصحي، يستطيع اللاجئون المسجلون لدى المفوضية الحصول على خصم بنسبة 50% من الرسوم المفروضة على الأجانب في المرافق الصحية الحكومية.

لكن هذا التخفيض لا يعني مجانية العلاج، ولا يلغي الأعباء المالية التي تواجهها الأسر محدودة الدخل.

وتشير المعلومات المنشورة إلى أن رسوم التسجيل عند التنويم تبلغ 50 رينغيت ماليزيًا، بما يعادل نحو 12 دولارًا، بينما تتراوح الوديعة المطلوبة عند التنويم بين ما يعادل 171 و343 دولارًا.

وتقدم المفوضية وشركاؤها مساعدات طبية محدودة للحالات الأكثر احتياجًا، وفق التمويل المتاح.

وتصبح هذه التكاليف أكثر صعوبة بالنسبة إلى الأسر التي لا يتمتع أفرادها بفرص عمل رسمية مستقرة، إذ تتداخل مشكلة الدخل مع القدرة على الحصول على العلاج عند الحاجة.

السكن.. استقرار هش

يمثل السكن وجهًا آخر من أوجه الأزمة، حيث تواجه بعض الأسر الروهينجية خطر الإخلاء وفقدان مساكنها المؤقتة.

ففي ولاية بينانغ، غادر أكثر من 100 روهينجي تجمعًا سكنيًا مؤقتًا خلال يوليو 2026، وتوجه بعضهم إلى كوالالمبور لطلب المساعدة من المفوضية.

وفي ولاية سيلانغور، شهدت مساكن الروهينجا خلال الفترة من 2016 إلى 2026 إجراءات إنفاذ متكررة، شملت إنذارات وغرامات وتفتيشًا وهدم منشآت.

أما في ولاية كلانتان، فقد هُدمت أربعة منازل أُقيمت على أراضٍ حكومية دون ترخيص، وقالت السلطات إن بعضها كان مؤجرًا لأفراد من الروهينجا.

وتوضح هذه الوقائع أن البحث عن مأوى لا ينتهي بمجرد العثور على مسكن، خصوصًا عندما ترتبط الإقامة بظروف قانونية واقتصادية غير مستقرة.

نظام التسجيل.. حدود الحل

في يناير 2026، أطلقت الحكومة الماليزية وثيقة لتسجيل اللاجئين، ضمن توجه لتطوير نظام وطني يشمل تسجيل البيانات والتحقق من الهوية والبيانات الحيوية والفحص الأمني.

وتعتزم ماليزيا توسيع نطاق التسجيل ليشمل حاملي وثائق المفوضية وطالبي اللجوء.

غير أن هذا التطور لا يعني منح الجنسية أو الإقامة الدائمة، كما أنه لا يوفر بحد ذاته حلًا شاملًا للمشكلات القانونية والمعيشية التي يواجهها الروهينجا.

وفي يوليو 2026، طلبت الحكومة من المفوضية تعليق تسجيل اللاجئين الجدد مؤقتًا، في سياق الإجراءات المرتبطة بالنظام الوطني.

وبذلك يبقى السؤال الأساسي متعلقًا بما يمكن أن يترتب على التسجيل من حقوق وضمانات فعلية، وليس بمجرد إصدار وثيقة جديدة.

فبالنسبة إلى الأسر الروهينجية، لا ينفصل الاستقرار القانوني عن القدرة على العمل وتعليم الأطفال والحصول على العلاج والسكن الآمن.

وبعد سنوات من الفرار من الاضطهاد والنزوح، تكشف أوضاع الروهينجا في ماليزيا أن الوصول إلى بلد آخر لا يعني بالضرورة انتهاء أزمة اللجوء؛ إذ يمكن أن تستمر آثارها في تفاصيل الحياة اليومية، حتى بعيدًا عن موطن النزاع.

ويبقى التحدي الأهم هو الانتقال من تسجيل اللاجئين وإدارة وجودهم إلى توفير ضمانات قانونية ومعيشية تسمح لهم بحياة أكثر أمنًا واستقرارًا، دون أن يُفهم ذلك بديلًا عن حقهم في العودة الآمنة إلى وطنهم عندما تتوافر شروطها.

المصدر: وكالة أنباء أراكان ـ إنفوجراف «الروهينجا في ماليزيا.. حياة بلا وضع قانوني مستقر».

التخطي إلى شريط الأدوات