مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

فترة الانفتاح بروسيا كشفت تحديات كبيرة أمامنا

حوار مع د. نضال الحيح، نائب مفتي منطقة “حوض الفولكا” للعلاقات الخارجية

( 37 ) حوار حوض الفولجا بوسط روسيا ـ الأول ـ 2018م

“فترة الانفتاح والحريات وضعت أمامنا تحديات كبيرة وأهم معالمها ضعف الكوادر وقدرتهم على استيعاب هذه الجموع، وكذلك غياب البنية التحتية المسلمين بسبب طول فترة الحكم الشيوعي”..

أدار الحوار: هاني صلاح/

بهذه الكلمات، لفت د. نضال عوض الله الحيح، نائب مفتي منطقة “حوض الفولكا” للعلاقات الخارجية، والتي تقع في وسط روسيا، النظر إلى أكبر التداعيات السلبية للحقبة الشيوعية التي عاش خلالها مسلمو روسيا على مدار أكثر من سبعة عقود، وأبرز معالمها ضعف الكوادر وغياب البنية التحتية للمسلمين ممثلة في المساجد والمدارس والمؤسسات التي لا غنى لأي مجتمع مسلم عن خدماتها ودورها..

جاء ذلك في حوار حول واقع (الإسلام والمسلمين في منطقة حوض الفولجا بوسط روسيا)، وهو الأول عن هذه المنطقة، والتي كان قد دخلها الإسلام قبل أكثر من ألف عام، والسابع والثلاثون ضمن سلسلة حوارات تهدف للتعريف بواقع الإسلام والمسلمين في العالم.

أجري الحوار على الفيسبوك، ونشر في موقع (مهارات الدعوة) بتاريخ: 10فبراير2018م، وإلى الحوار..

المشاركة الأولى.. من: هاني صلاح ـ منسق الحوار ـ وتتضمن ثلاثة أسئلة تعريفية بالحوار (أرقام: 1/2/3):

المحور الأول: التعريف بمنطقة حوض الفولجا وأهميتها

1 ـ نود من سيادتكم نبذة تعريفية مختصرة عن منطقة حوض الفولجا في روسيا، وأهميتها، وعدد سكانها، وأهم مدنها بشكل عام.

ـ منطقة حوض الفولكا تضم العديد من المدن وتشمل جميع المناطق على طول نهر الفولجا؛ إلا أن التقسيم الإداري عمل على تقسيم المنطقة انطلاقا من توزيع جغرافي لا يرتبط كثيراً مع نهر الفولجا. ولتوضيح ذلك نشير للتقسيمين حسب التوزيع الجغرافي أو التوزيع الإداري، كالتالي:

أولاً: حسب التوزيع الجغرافي: تقسم مناطق نهر الفولجا إلى ثلاثة أقسام:

1 ـ المنطقة العليا (الشمالية): وتضم مدنا تابعة للدائرة المركزية المرتبطة بموسكو مثل مدينة “تفير”، و”يراما”، و”سلافيل”..

2 ـ المنطقة الوسطى: وتشمل مدن “قازان”، و”سمارا”، و”اليانوفسك”، وغيرها..

3 ـ المنطقة السفلى (الجنوبية): وتشمل مدن “سراتوف”، و”فولغاغراد”، و”استراخان”..

ووفق هذا التقسيم الجغرافي فإن عدد السكان يقارب 9 ملايين نسمة.

ثانياً: وفق التقسيم الإداري الرسمي: فإن منطقة حوض الفولجا تضم كلا من:

جمهورية “تتارستان”، وعاصمتها “قازان”. ومدينة “أوليانفسك”، ومدينة “نجني نوفغراد”، و”سمارا”، و”سراتوف”، و”أوليانفسك”، وجمهورية “مردوفيا”، ومدينة “بنزا”، وجمهورية “بشكريا”، وغيرها.

ووفق هذا التقسيم الإداري لمنطقة حوض الفولكا، فهي مساحة جغرافية واسعة. وبحسب الإحصائيات الرسمية في عام 2012 م، فإن عدد سكان منطقة حوض الفولكا (الإدارية) يصل لنحو (29) مليون نسمة، وهو ما نسبته تقريباً 20% من سكان روسيا. وتبلغ نسبة المسلمين فيها (وفق التقسيم الإداري) لحوالي 19% على أقل تقدير.

بينما المساحة الإجمالية للمنطقة تقارب مليون كلم مربع، وهو ما يعادل 6% من مساحة روسيا الإجمالية.

المحور الثاني: التعريف بالإسلام والمسلمين في حوض الفولجا

2 ـ لو تعطوننا إطلالة سريعة مختصرة عن واقع الإسلام والمسلمين في منطقة حوض الفولجا..
ـ الإدارة الدينية لمسلمي حوض الفولكا تأسست في المؤتمر العام لمسلمي المنطقة في العام 1994م، حيث شارك في المؤتمر ممثلو 6 مدن، و3 جمهوريات، وقرروا تأسيس إدارة دينية مركزية تجمع مسلمي المنطقة تحت هذا المسمى.

المدن التي شاركت في المؤتمر التأسيسي هي: سراتوف، فولغاغراد، استراخان، سمارا، بنزا، وأوليانفسك. بينما الجمهوريات التي شاركت فهي: جمهورية مردوفيا، كالميكيا، تشوفاشيا. وتم انتخاب الشيخ “مقدس عباس بيبارس”، رئيساً لها وأصبح مركزها مدينة سراتوف. (يبلغ عدد سكان سراتوف فقط نحو ٢.٥ مليون نسمة، ويقدر عدد المسلمين بها حوالي 250 الف نسمة).

ومع تغير وتبدل الأحوال أصبحت الإدارات الدينية المحلية مستقلة، وخرج العديد منها من الإدارة المركزية؛ فأصبحت الإدارة الدينية لمسلمي حوض الفولكا حالياً تضم داخلها مدن سراتوف، وبنزا، وأوليانفسك، وجمهورية مردوفيا.

وتبلغ نسبة المسلمين في هذه المناطق ما يقارب 12% (من إجمالي تعداد سكان منطقة حوض الفولجا)، وهو ما يقارب 800 ألف نسمة أغلبهم من القومية التتارية والكازاخية.

ومنطقة حوض الفولجا دخلها الإسلام بصفة رسمية عبر البوابة الجنوبية من بحر قزوين، وهو ما كان يعرف ببحر الخزر، حيث أبحرت سفينة الخلافة العباسية بوفد رسمي إلى مملكة البلغار التي تقع إلى الجزء الشمالي من نهر الفولجا، وحاليا منطقة البلغار ضمن تراب جمهورية تتارستان.

هذه الرحلة أرخ لها الرحالة أحمد بن فضلان؛ حيث كان ضمن هذا الوفد، وذلك في العام 922م، أي قبل ما يزيد على الألف عام. حيث حضر وفد الخلافة العباسية بناء على طلب الخان الأعظم لمملكة البلغار لإعلان الإسلام ديانة رسمية للمنطقة، ومنذ ذلك التاريخ ارتبط مصير هذا الأرض بالإسلام.

خلال الرحلة النهرية لوفد الخلافة العباسية توقفوا في مدينة أويك (أوكيك)، وقد ذكر ابن فضلان معلومات عن وجود المساجد في المنطقة كما يشير إلى دخول الإسلام قبل وصول الوفد الرسمي بسنوات.

هذه المدينة اندثرت تحت مياه نهر الفولجا، وأقيم على أطرافها مدينة سراتوف الحالية في العام 1552م.

المحور الثالث: التعريف بضيف الحوار

3 ـ دكتور نضال.. نرجو التكرم بتعريف أنفسكم لجمهورنا الكريم..

ـ د. نضال عوض الله الحيح.

ـ مواليد بلدة “صوريف”، في محافظة “الخليل”، في فلسطين عام 1973م.

ـ بعد إنهاء المرحلة الثانوية في عام 1992م، غادرت للدراسة في روسيا، وأنهيت دراسة الطب العام سنة 1999م، ومن ثم التخصص في الجراحة العامة.

ـ الآن أعمل نائب مفتي منطقة “حوض الفولكا” في العلاقات الخارجية. ومدرس مادة العقيدة الإسلامية في المعهد الإسلامي “مدرسة الشيخ سعيد الاسلامية”.

ـ عضو في اتحاد المنظمات الإسلامية في روسيا. وعضو في مجلس علماء روسيا.

ـ كذلك أدرس علوم الشريعة وأصول الدين في المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية في فرنسا.

المشاركة الثانية.. من: شادي الأيوبي، صحفي لبناني مقيم في اليونان، وتتضمن سؤالين (4/5):

4 ـ أود السؤال عن واقع قطاع التعليم الإسلامي في منطقة حوض الفولجا.. وما أبرز مشكلاته؟

ـ التعليم الإسلامي في منطقة حوض الفولكا بدأ مع افتتاح المساجد بما يسمى بمدرسة الأحد. وهي دروس بسيطة كانت تقدم للراغبين في تعلم قراءة القرآن وأسس الإسلام .

ومع تقدم الوسائل وافتتاح العديد من المساجد التي بلغ عددها في منطقة سراتوف (41) مسجدا ولله الحمد، ومع إقبال أعداد كبيرة على المساجد مع رغبة كبيرة للتعلم؛ قمنا في الإدارة الدينية بتأسيس معهد إسلامي في عام 2005م، وتم البدء في التدريس به مع استمرار أعمال تأسيسه. ومن خلال الخبرة المتراكمة تم إعداد منهاج تعليمي متكامل، وتسجيل المعهد الإسلامي بصفة رسمية في وزارة التعليم العالي، وبالفعل حصلنا على الترخيص الحكومي في عام 2007 م .

المعهد الإسلامي أسميناه “مدرسة الشيخ سعيد الإسلامية”، ويوجد به قسم للدراسة بالانتساب والدراسة بالفترة المسائية. ويدرس فيها حالياً (110) طلاب وطالبات. ومدة الدراسة به أربع سنوات يتخرج منه الأئمة والخطباء ومن يتقنون قراءة القرآن وتعاليم الإسلام الأساسية. وقد تخرج منه خلال هذه الفترة 80 طالبا وطالبة، ومنهم الكثير ممن أصبحوا أئمة، وتم توجيههم إلى مناطق مختلفة لنشر العلم والثقافة الإسلامية.

كذلك تم افتتاح مركز “زيد بن ثابت” لتحفيظ القرآن الكريم. وقد تم استحداث منهج يتلاءم مع الأطفال من عمر سنتين، وتخرج إلى الآن خمسة أشخاص من حفاظ كتاب الله. كما تم افتتاح المكتب، وهي مدرسة الأحد للأطفال في المركز الإسلامي، ويرتاده ما يزيد على 160 طفلا، وذلك ضمن منهاج مخصص لذلك.

كما تم تفعيل دور المساجد في القرى والبلدات ضمن منظومة مدارس الأحد من خلال وضع منهاج لمدة سنة كاملة، وتدريب الأئمة على مهارات التدريس للأطفال. ولهذا الغرض تم وضع برنامج سنوي لدورات مكثفة للأئمة للارتقاء بمستوى كفاءتهم، وتدريبهم على مهارات التعليم والخطابة والدعوة، كما تم إعداد كتاب للخطبة موزع على سنة كاملة لتسهيل الأمر على الخطباء.

هذه بعض الجهود للنهوض بالعملية التعليمية في منطقتنا، وللأسف فإن المعهد الإسلامي هو الوحيد في منطقة شاسعة، ولا يستطيع تغطية جميع الراغبين، وكذلك نعاني من قلة الإمكانيات، وعدم توفر مبنى مستقل، وعدم وجود أوقاف توفر دخل يضمن استقرار واستمرار العملية التعليمية.

كما أن الكتب والمناهج مكلفة، ولذا لا نتمكن من توفيرها لجميع الطلبة، والمدرسون في المعهد الإسلامي هم من خريجي الجامعات الإسلامية، مثل الأزهر الشريف، والجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، والأردن، وسوريا، وغيرها.

5 ـ ماذا عن جهودكم مع الأجيال الناشئة للحفاظ على هويتها الإسلامية.. خاصةً مع الشباب والمراهقين.. هل ممكن توضيح الأعمال والأنشطة والمشروعات التي تصب في تحقيق هذا الهدف وتقومون بها على أرض الواقع؟

ـ بشأن التربية الإسلامية للأطفال، فمن المعلوم أن الأطفال هم المستقبل ورافد العمل الإسلامي؛ لذا فنحن نولي هذا الأمر جل وقتنا ومقدراتنا.

ومن المشاريع المهمة لدينا المخيمات الصيفية، وهي لم تنقطع ولله الحمد منذ عشرين عاماً، حيث نعتبرها محضناً أساسياً للتربية والحفاظ على الهوية الإسلامية. وبفضل الله أصبح لدينا مكان مخصص للمخيمات الصيفية ملك خاص بعد جهود كبيرة، وهو يستوعب (235) طفلا في كل فترة. كما استطعنا تنظيم مخيم لأبناء المسلمين في عموم روسيا، من خلال التنسيق مع مجلس شورى مفتي روسيا.

والتجربة رائدة ومبشرة بالخير، وتشمل الأولاد والبنات كلا على حدة. فنقوم بتنظيم فترة لمدة (21) يوما للأولاد، ثم أخرى للبنات، وبهذا يعيش الطفل جوا إسلاميا متكاملا لا يتواصل مع المحيط الخارجي أثناءه، وهو يترك عنده أثرا تربويا عميقا؛ حيث يتعلم خلال هذه الفترة القرآن الكريم، وأسس الإسلام، والأخلاق، وكل هذا مع الترفيه واللعب وتعلم مهارات الحياة المتنوعة.

كذلك نقوم بنشاطات شبابية كثيرة، منها: رياضية، وترفيهية، وثقافية، وقمنا بتأسيس جمعية شبابية تحت اسم “فزروجدينا”. وتتم متابعة الأطفال والشباب في مراحل تعليمهم الأساسية وتعليمهم الإسلام داخل المساجد، ويتم تقديم المشورة والدعم لهم، وتوجد تجارب طيبة في هذا الإطار.

كذلك نقوم بتنظيم حملات تشجيع للأطفال ممن يصومون شهر رمضان، ويحضرون صلاة التراويح، ويتم تنظيم الاحتفالات بالأعياد الإسلامية في الأماكن العامة لتعزيز روح الانتماء لديهم، وللتغلب على الانهزام النفسي أمام المجتمع. ونسعى لاستثمار كافة المناسبة الإسلامية وإشراك الأطفال في مسابقات متنوعة بهدف تعميق الوجدان الإسلامي لديهم.

ومؤخرا بدأنا بتجربة جديدة، وهي بث برنامج متلفز للأطفال يحمل النفس الإسلامي، ويبث عبر قناة اليوتيوب nurtv .

كما نحرص على الاهتمام بالتفوق الرياضي لبعض المتميزين ومتابعتهم إلى منصة التتويج وتعميق الانتماء الإسلامي لديهم، ولدينا تجارب طيبة، ومن هؤلاء من وصل إلى بطولات دولية.

وبشكل عام، فالساحة مفتوحة، لكن ما زال الجهد قليلا بسبب قلة الموارد، وضعف البنية التحتية للمسلمين؛ حيث لا يوجد نوادٍ رياضية أو ترفيهية لاستعياب أعداد أكبر.

المشاركة الثالثة.. من: حبيب عثمان، عميد كلية الإرشاد للإمامة والدعوة في جنوب الفلبين، وتتضمن سؤالين (6/7):

6 ـ نود أن نتعرف على المحن التى مرت بالمسلمين في روسيا عامة في أعقاب الثورة البلشفية. وما أهم التغييرات التى لوحظت إبان سقوط الشيوعية أو عهد بوتين على وجه الخصوص؟

ـ عند قيام الثورة البلشفية في عام (1917م)، انقسم المسلمون بين مؤيد مشارك في الثورة ومعارض لها. والثورة جاءت انطلاقاً من نظرية العدالة الاجتماعية ومحاربة الطبقية في المجتمع القيصري الروسي، ولذا وجدت الكثير من أتباعها، وممن انبهر بها وساعدها؛ لأن المطالب كانت عادلة ومنصفة للطبقة الكادحة، وذلك كان جزء كبير من المسلمين مع الثورة، ويحملون أعلاما مكتوبا عليها بالحرف العربي واللغة التتارية، وهذه الأعلام موجودة اليوم في متحف الكرملن في قازان عاصمة جمهورية تتارستان. وكانت تطبع منشورات باللغة التتارية وبالحرف العربي تشجع على الثورة، وتدعو للمساواة والعدالة الاجتماعية؛ ولكن سرعان ما تغير الأمر وتبدل.

فقد تحولت النظرية البلشفية من مجرد فكرة العدالة الاجتماعية وإنصاف العمال إلى أيديولوجية تبنت الفكر الإلحادي ومعاداة الدين؛ بل ومطاردة المتدينين، خاصة في فترة حكم ستالين؛ فقد أصبح الأمر جلياً وواضحاً. وبدأت مرحلة المعاناة ليس فقط للمسلمين، وإنما شملت المسيحيين بصورة أكبر. فالثورة في الأصل كانت على الكنيسة بالدرجة الأولى؛ لأن الكنيسة كانت تعطي القيصر غطاء كاملا، وتعتبره ممثل الرب على الأرض، وبدأ اضطهاد الكنيسة فورا مع بداية الثورة، وهدمت الكنائس وأعدم الرهبان وتم التمثيل بهم.

بينما اضطهاد المسلمين بدأ متأخرا عن المسيحيين بنحو ١٥ سنة من الثورة. وفي وسط الثلاثينيات من القرن الماضي تغير الأمر وأصبح الإسلام مضطهدا، وبدأت الحملة على المساجد والعلماء؛ حيث تم قتل الكثير من العلماء المسلمين ونفيهم إلى سيبيريا ليواجهوا مصيرهم، خاصة بعد الحرب العالمية الثانية، وهي ما تسمى بالحرب الوطنية ضد النازية الألمانية؛ حيث تم ترحيل قوميات بأكملها من شعوب القوقاز بتهمة الخيانة. وتم تحميلهم في قطارات إلى سيبيريا وصحراء كازاخستان ليموت الكثير منهم برداً وجوعا. كذلك تم مصادرة وإغلاق المساجد وهدم المآذن والمساجد؛ فمن أصل أربعة عشر ألف مسجد تبقى ما يقل عن مائتي مسجد فقط، وكانت كلها مغلقة.

وخلال فترة حكم جوربتشوف في الثمانينيات من القرن الماضي أصبح هناك مجالاً للحريات الدينية، ولكن طول الفترة التي حورب الدين فيها خلق نوعاً من الضغط المجتمعي على كل متدين. فكان ينظر إليه بنوع من الاستهزاء والازدراء. ورغم هذه الأجواء فإنه كانت توجد تجمعات للمسلمين وحجرات للتعليم ولكن بطريقة سرية للغاية ومعظم التجمعات كانت تأخذ طابعا قوميا وعادات وتقاليد أكثر منها طابع ديني.

طبعا في المدارس التي كانت في مناطق تواجد المسلمين كان المدرسون يحرصون على تغير عقول الأطفال ومحاربة كافة أنواع الالتزام بالدين حتى في شهر رمضان كانوا يطلبون منهم شرب الماء في الفصل الدراسي أمام أعين المدرسين ليتأكدوا من أنهم لا يصومون. ولكن ضمن أجواء المنع هذه كانت مدرسة إسلامية واحدة مفتوحة، ولم تغلق وهي مدرسة “مير عرب” في أوزبكستان، وكان يلتحق بها بعض الطلاب ولكن كانت تحت السيطرة من قبل السلطات.

بعد انهيار الاتحاد السوفيتي وجد المسلمون أنفسهم أمام تحدي الهوية الدينية؛ فشهدت تلك المرحلة عودة كبيرة للاسلام، وبدأ المسلمون يسترجعون المباني التي كانت للمسلمين، وبدأت مرحلة جديدة الغالب فيها طابع الفوضى؛ حيث اتسمت بغياب الكوادر المؤهلة، وغياب الرؤية الواضحة لحركة المجتمع، ومع دخول كبير للهيئات الخيرية الإسلامية والعربية زادت هذه الفوضى. والعنوان الأكبر لهذه الفترة هو ضياع الفرصة الذهبية من المسلمين.

وبعد أن بدأت حرب الشيشان التي كانت حرب انفصاليين، وأخذت طابع حرب دينية، وهي لم تكن يوما كذلك انعكست آثارها السلبية على المسلمين بشكل عام، وأصبح المسلمون في عداء مع المجتمع، رغم أنه لم يكن كذلك. هنا ظهرت الأصوات التي تخوف الناس من الإسلام و المسلمين.

وفي عهد الرئيس فلاديمير بوتين استقر الوضع، وأخذ المسلمون فرصتهم فكانت المرة الأولى التي يحصل فيها الإسلام على اعتراف رسمي كمكون أساسي في المجتمع. ومن هنا بدأت المؤسسات الإسلامية تتطور وفتحت مجالات كثيرة أمام المسلمين، ولكن لضعف القدرات المادية لم يتمكنوا من تحقيق الكثير من المتاح.

بعد هذا التطور في الوسط الإسلامي ظهرت قوى معادية للإسلام تحمل خلفيات متنوعة منها ديني وإيديولوجي وثقافي وعنصري وهكذا. لذلك بدأت مرحلة اتسمت بالتضييق على الإسلام و المسلمين منها منع بعض الكتب الإسلامية ومنع الحجاب في المدارس وغيرها، وهذه كلها تأخذ من جانب محاربة الإرهاب والتمايز الديني في دولة علمانية.

وبحسب وجهة نظري فإن ما جرى ويجري لا يعتبر محاربة للدين الإسلامي والمسلمين، وإنما جاء كردة فعل لما جرى في القوقاز، وما تبعه من انتشار أفكار متطرفة دخيلة على مسلمي روسيا، وتم استغلال هذا الوضع من قبل بعض المعاديين للإسلام لتحقيق إنجازات لهم.

والأمر يخضع للتدافع ؛لأن السلطات تبحث عن حل لمثل هذه المخاطر، وجربوا أكثر من طريقة. لكن الصفة العامة في روسيا هي توفر الحرية الدينية الكاملة ولا يوجد تدخل من قبل الدولة في شؤون المسلمين، كما أن بناء المساجد لم يتوقف إلا في بعض المناطق وهذا المنع لا يعبر عن سياسة الدولة.

وقد تم تشكيل صندوق حكومي لدعم الثقافة الإسلامية وهو جانب من مساهمة الحكومة في دعم المشروعات التي تخدم المسلمين رغم قلة إمكانياته. فقد استطاع المسلمون تأسيس جامعات ومعاهد إسلامية معترف بها؛ بل وشاركت الحكومة الروسية في تأسيس أكاديمية إسلامية في منطقة بلغار التاريخية، وانتشرت المنتجات الحلال، ويقام في موسكو معرض كبير للحلال.

كل هذه المؤشرات تعطي الأمل، وتفسح المجال أمام تطور العمل الإسلامي.

7 ـ أيضا هل بإمكان فضيلتكم إلقاء الضوء على دور المؤسسة الدينية سواء على المستوى الرسمى أو غيرها فى محاربة ظاهرة الإسلاموفوبيا؟ وما الدور الذى قام به اتحاد المنظمات الإسلامية فى روسيا في القضاء على ظاهرة التطرف الديني فى روسيا؟

ـ من المعلوم أن ظاهرة الإسلاموفوبيا أصبحت منتشرة في الكثير من المجتمعات غير المسلمة بواسطة الإعلام، وما يبثه من صور مرعبة وجرائم تربطه بالإسلام والمسلمين .

وهنا يأتي دور المسلم والمؤسسات الدينية في استشعار هذا الخطر، وتتبع هذه الظاهرة ومحاولة التصدي لها بالفعل وليس بالكلام. ونحن أرتأينا أن لا نقف مدافعين بالكلام والحجج والبراهين ونفي التهمة لأننا بكل صراحة لا نستطيع ولا نملك آلة إعلامية منافسة؛ لذا فقد عمدنا إلى الاندماج في المجتمع بكل تفاصيله ومعايشة الناس همومهم ومشاكلهم، وقمنا بعدة حملات لكسر الحاجز بيننا وبين المجتمع، ومنها:

أطلقنا مؤتمرا علميا لمدة ست سنوات يعنى بالأسرة والحفاظ عليها، ويقدم الحلول المناسبة وذلك بالشراكة مع كل أطياف المجتمع وخاصة الوسط الأكاديمي والإعلامي. ومنها حملات التبرع بالدم لصالح الأطفال المصابين بمرض السرطان وتنظيم زيارات لهم مع تقديم الهدايا والفقرات الترفيهية. ومنها المشاركة في الاحتفالات الرسمية وخاصة عيد النصر وتقديم الورود للمحاربين القدامى والتحدث إليهم، ونحرص خلال المشاركة على إبراز الوجه الإسلامي؛ فالشباب يرتدون القبعات الإسلامية، والفتيات يرتدين الحجاب، وبكل سرور ولباقة نتواصل مع أفراد المجتمع مع الاحتفاظ بالصورة الإسلامية الودودة. ومنها حملات زيارة بيوت الأيتام والمشردين وكبار السن وتقديم خدمات لهم وغيرها الكثير.

كل هذه الحملات منحتنا شراكات قوية مع الوزارات والمؤسسات الحكومية ومؤسسات المجتمع المدني. لذا نستطيع القول بأننا نجحنا في منطقة سراتوف بدرجة كبيرة في تقليص هذه الظاهرة، والذي يؤكد ذلك أننا عندما أجرينا مقابلات تلفزيونية في الشارع العام مع شرائح مختلفة من المارة؛ لم نسمع منهم أية تخوفات من المسلمين رغم الضخ الإعلامي المخيف. وهذه المقابلات منشورة على شبكة اليوتيوب في قناة “نور تي في”.

أما فيما يتعلق بالأفكار المتطرفة فهي وللأسف ظاهرة منتشرة في أوساط الشباب وخاصة ممن يعتنقون الإسلام حديثاً أو ممن يهتدون من قريب، وكأنهم يحملون على المجتمع والناس. ونحن دائماً نطالب الجميع بالفكر الوسطي، وندعو إلى التعايش؛ ولذا فإننا نفتح المجال أمام الشباب ليتحدثوا بما يجول في خواطرهم، وتقريباً ننظم ندوة شهرية في المركز الإسلامي لهذا الغرض.

كما أننا نرصد بكل عناية الشباب في المساجد والأفكار التي تطرح، ونحرص على أن نكون سباقين لمناقشتها وتفنيدها. واذا ما حدث أي خلاف في أي مسجد أو مكان في محافظة سراتوف نتوجه على الفور إلى المكان ونواجه الشباب بالحجة والبيان.

المشاركة الرابعة.. من: د. وليد أبوالوفا، ـ رئيس مجلس الشوري لاتحاد الدارسين المسلمين باليابان، وتتضمن خمسة أسئلة:
8 ـ نرجو من فضيلتكم إعطاء نبذة عن أهم المراحل التاريخية التي مر بها المسلمون في منطقة حوض فولكا.

ـ المراحل التي مر بها مسلمون حوض الفولكا:

كما ذكرنا لكم، فإن هذه المنطقة دخلها الإسلام بصفة رسمية في العهد العباسي، وتحديداً في عهد الخليفة المقتدر بالله عام 922م. ومنذ تلك اللحظة أصبحت هذه الأرض إسلامية رغم أن الإسلام سبق دخوله قبل هذا التاريخ لبعض الشواهد التي ذكرها أحمد بن فضل، الذي كان من ضمن وفد الخلافة الإسلامية.

وقد مرت على هذه الأرض عدة مراحل وعدة سلطات. وانتهى بها الأمر إلى ظهور إمارة قازان، وإمارة استراخان، وكانتا إسلاميتين بالحكم والأرض. وعندما سقطت إمارة استراخان، ومن ثم إمارة قازان في عام 1552م، على يد القيصر الروسي “إيفان الرهيب”، تغير الحال، وأصبح المسلمون مطاردين وتعرضوا لحملات التنصير القسري. وأصبح وجود المسلمين غير مرغوب فيه، وكانت المساجد ممنوعة الصلاة فيها، وقتل العلماء وهرب الناس فراراً بدينهم إلى الغابات والوديان البعيدة.

وفي القرن الثامن عشر الميلادي، إبان حكم القيصرة “يكيتيرينا الثانية”، (من اصل ألماني)، أعطت المسلمين نوع من الحرية وبنيت المساجد وأصبح الإسلام دين مقبول الوجود. وتطور وضع المسلمين مع هذه الحريات؛ ففتحت المدارس الإسلامية، وأنشئت الأوقاف، ومن دلائل ذلك أن مدينة سراتوف شيد فيها ما يقارب 11مسجداً.

واستمر الحال إلى أن قامت الثورة البلشفية، التي هدمت المساجد وصادرت الأوقاف وحاربت الدين والتدين. ولم يبق في مدينة سراتوف أي مسجد . والمبنى الوحيد الذي بقي قائماً تم هدم منارته، واستعاده المسلمون بعد انهيار الاتحاد السوفيتي، وبني مكانه المركز الإسلامي الحالي.

لكن رغم المنع والتضييق قام مجموعة من كبار السن بشراء منزل مستقل في العام 1969م، وتحويله إلى مسجد بصورة سرية. وكانوا يجتمعون فيه ويؤدون الصلوات ويحيون المناسبات على أساس قومي. حتى أن الناس كانوا يعتقدون بأن المكان هو حمام بخار تتاري.

وفي العام 1985م، وهي فترة الحريات إبان حكم جوربتشوف، أصبح المبنى مسجداً بصورة علنية، وكان أول إمام له الشيخ عبد الله التتاري، وهو من كبار السن الذين تعملوا من أجدادهم قراءة القرآن وحافظوا عليه.

وفي عام 1987م تم تعيين الشيخ “مقدس بيبارس”، إمام للمسجد، وكان شاباً متخرجاً حديثاً من بخارى. وبدأ عهد جديد من العمل والنشاط، ودبت الحياة في نفوس المسلمين.

ومع انهيار الاتحاد السوفيتي، أصبحت أعداد المسلمين في تزايد، وظهرت الحاجة لبناء المساجد، وبدأت مرحلة البناء، وتم تشييد العديد من المساجد في القرى والبلدات واستعادة العديد منها وترميمه. وتبلغ عدد المساجد حالياً في منطقة سراتوف 41 مسجدا، وفي روسيا بشكل عام ما يقارب 9 آلاف مسجد.

أود الإشارة إلى أن فترة الانفتاح والحريات وضعت أمامنا تحديا كبيرا وأهم معالمه ضعف الكوادر وقدرتهم على استيعاب هذه الجموع، وكذلك غياب البنية التحتية المسلمين بسبب طول فترة الحكم الشيوعي.

9 ـ ما أهم مظاهر الإلحاد والشيوعية التي تأثر بها المسلمون في هذه المنطقة؟

ـ من أهم مظاهر الإلحاد غياب الوعي الديني الحقيقي؛ فتجد المسلم ينتمي بهويته إلى الإسلام ولكنه يخالف الإسلام في كل شيء. المنظومة التربوية الشيوعية كانت قوية جداً من ناحية التأثير النفسي وصناعة الرأي العام. لذا فقد أصبح الرأي العام بمثابة إله يعبد، من أجله يفعل أو لا يفعل.

ومن الآثار السلبية تدمير الجسور التاريخية وتجفيف الجذور الدينية. فقد أصبح عندنا جيل انفصل عن جذوره التاريخية ولذا تخلى عن العادات والتقاليد وانتمى إلى فكرة الدولة الواحدة والشعب الواحد والإيديولوجية الشمولية.

بعد انهيار المنظومة الشيوعية أصبح الناس كالأيتام كل يبحث له عن انتماء. وماذا عساه يفعل من فقد الانتماء لدينه فأصبح الانتماء شكلياً ومشوهاً.

وعلماً منا بهذه الآثار؛ فإننا نسعى لتعزيز روح الانتماء وصناعة رأي عام قوي يشجع على الدين والالتزام به من خلال عدة برامج ونشاطات ومنها ما هو موجه للجيل الحالي ومنها ما هو موجه للجيل الجديد، والله الموفق.

10 ـ ما نظرتكم للأجيال الجديدة من المسلمين؟ وما أهم البرامج التي تبذل للحفاظ على هويتهم؟

ـ الجيل الجديد هو الأمل والمستقبل وهو يحظى بالجزء الأكبر من اهتمامنا ونشاطاتنا. ومن أهم الجوانب التي نركز عليها الجانب التربوي والتعليمي ومنظمة الأخلاق ومفاهيم الحلال والحرام. نحن نسعى لخلق جيل لم يتذوق الحرام ويبتعد عنه ويميز الحلال من الحرام ويعتز بانتمائه لدينه وهذا تحدٍّ كبير.

لا شك أن العمل مع الجيل الجديد يحتاج دائما للتجديد وهو ما نحاول فعله من نشاطات. بداية من المخيم الصيفي للأطفال الذي يأخذ منا جهدا كبيرا ومرورا بالفصول الدراسية في المراكز الإسلامية والمسابقات الدينية والثقافية والرياضية فلا يكاد يمر أسبوع إلا ويوجد نشاط للأطفال.

وقد عمدنا إلى تطوير مناهج تلائم الأطفال الصغار ممن هم في أعمار السنة والسنتين في مركز تحفيظ القرآن. كذلك متابعة الأطفال والتواصل مع الآباء والأمهات ومحاولة تقديم المساعدة لهم.

فمثلا أحد الأطفال في عمر 14 سنة يعيش في أسرة فقيرة في قرية مجاورة وهو يتيم وقرر أن يعمل ليساعد والدته ويخفف عليها من الأعباء. جاء إلى المركز وطرح أفكاره فتم التعامل معه على مستوى من الجدية وأطلقت حملة لمساعدته في مشروع تربية المواشي ليقوم بنفسه ويعين عائلته وهذا ما تم بالفعل ونجح مشروعه ولله الحمد.

الكثير من هذه التجارب نسعى لنشرها وسط الجيل الجديد ليكون قادرا على تحمل المسؤولية بعون الله.

11 ـ ما دور المرأة في المشاركة في العمل الإسلامي؟

ـ لا شك أن المرأة أكثر من نصف المجتمع في روسيا. وهي أكثر نشاطاً وعطاء. وهذه حقيقة لا يمكن إغفالها. لذا فأنها انعكست بشكل مباشر على النشاطات الإسلامية وأصبح دورها بارزا ولا يمكن تغافله.

منذ اللحظة الأولى والمرأة في الصدارة والمقدمة؛ بل لا أكون مبالغاً إذا قلت بأن المرأة كانت سببا رئيسياً في تقدم هذا العمل وريادته؛ لهذا تم تأسيس جمعية نسائية محلية اسمها “ردنيك” ما ترجمته “النبع”، وذلك في عام 2007 م، وأصبحت الجمعية عضو مؤسس في اتحاد المسلمات في روسيا .

النشاط النسائي سار بالتساوي مع النشاط الإسلامي بشكل عام ولكنه برز في الجانب الاجتماعي، وحقق اختراقا حقيقيا للعديد من الحواجز. فالمسلمة بحجابها أصبحت منبع خير وعطاء في المجتمع ولا تسبب أية مشكلة أو حرج لأحد.

لا تكاد تجد نشاطا إلا وللمرأة دور فيه. فالمعهد الإسلامي يدرس فيه عدد كبير من الفتيات ويوجد مدرسات معنا. مجموعات الأطفال أكثر المدرسين من النساء. حتى انه أصبح هناك منتدى للنساء المسلمات يعمل بشكل مستمر وينظم لهن دورات وزيارات ومسابقات ونشاطات ترفيهية وألعاب رياضية بصورة منفصلة عن الرجال.

لذا استطيع القول بأن المرأة تحظى باهتمام كبير وتلعب دورا محوريا في نهضة المسلمين في روسيا بشكل عام وفي منطقتنا بشكل خاص.

12 ـ هل يسمح للمؤسسات الإسلامية والدعوية بالعمل بحرية؟ وهل يسمح بالمشاركة السياسية للمسلمين؟

ـ المؤسسات الدينية والاجتماعية المسجلة رسمياً تعمل بكل حرية في إطار القانون. والدستور الروسي يضمن هذه الحرية في المعتقد والتزام بالشعائر الدينية دون أية معوقات.

ولكن منذ أكثر من سنة تقريبا أقر مجلس الدوما حزمة من القوانين مما عرف بقانون “ياروفيا”، وهو يقيد من هذه الحرية وينقسم إلى قسمين: قسم موجه نحو المؤسسات الدينية. وقسم موجه نحو حرية التعبير في الإنترنت ووسائل التواصل. ويهدف القانون إلى مكافحة الإرهاب ونشر الأفكار المتطرفة.

ففي القسم الذي يخص الدين أصبح من المحظور على أتباع أي دين دعوة أتباع دين آخر إلى دينهم، وعملهم يقتصر على أتباع دينهم. وهذا يعتبر تقييدا للعمل الدعوي. ولكن لغاية الآن هذا القانون غير مفعل على أرض الواقع. ومجال الحريات ما زال واسعاً ولكن إلى حدود معينة طبعاً.

والعمل الديني يقتصر على المؤسسات الدينية الرسمية وهناك العديد من المصليات في أماكن الخدمة العسكرية والسجون والمطارات وهذا يعكس جانب من الحريات الدينية بالإضافة إلى انتشار مطاعم الحلال في معظم الأماكن.

بخصوص المشاركة السياسية للمسلمين فإن الدولة الروسية علمانية وتفصل الدين عن الدولة ولذلك لا يسمح لأي حزب سياسي يقوم على أساس ديني بالتسجيل والمشاركة في الحياة السياسة.

أما على مستوى الأشخاص كمواطنين فالدولة لا تعمل تفرقة على أساس الدين وتنظر إلى الجميع على حد سواء؛ فالجميع يملك الحق في المشاركة السياسية ويوجد نواب مسلمون في مجلس النواب من الوزراء وفي الأحزاب السياسية المختلفة. والانتماء الإسلامي لا يعتبر عائقا أمام ممارسة السياسة ولكن ما هو محظور أن يكون العمل السياسي من منطلق ديني.

المشاركة الخامسة.. من: “واوى سلام”، مدرس بمعهد عباد الرحمن بجنوب الفلبين، وناشط اجتماعي وسيأسى، من خريج جامعة الأزهر، وتتضمن سؤالين أسئلة (أرقام:13/14):

13 ـ كثير من البلدان الإسلامية ابتليت بأناس لا يعرفون الخطأ في حقهم، وأن مخالفتهم في الرأي ضلال أو كفر؛ فهل هذه الظاهرة توجد أيضا في الاتحاد السوفيتي؟ وما مدى توغلها في منطقتكم؟ وماذا ترون من حقيقة هذا النتاج الفكري؟ وما علاقته بالتطرف الديني؟ وما هي رؤيتكم لمستقبل هذه الظاهرة؟

ـ هذه الظاهرة لا شك أنها موجودة في كل المجتمعات، وهكذا طبائع البشر. ولكن الخطر عندما تكون هذه الشخصيات في موقع القرار ولها جمهور لا يستخدم عقله.

إذا قصد الأخ السائل الاتحاد السوفيتي؛ فالأمثلة كثيرة والحزب الشيوعي هو الذي كان يسيطر على الوضع بشكل كامل وهو معصوم عن الخطأ ولهذا السبب خلف وراءه مجتمع سلبي يعتمد على السلطة والحزب. وعندما انهار الاتحاد السوفيتي أصبح الناس كالأيتام.

أما اذا قصد الأخ السائل مسلمي روسيا ومدى تفشي هذه الظاهرة؛ فأستطيع القول بأن هذه الشخصيات موجودة ولكنها ليست في موقع القرار ولا يوجد لها جمهور يسير خلفها ولله الحمد، هذا على المستوى العام في روسيا.

أما على المستوى المحلي؛ ففي كل منطقة توجد بعض هذه الشخصيات ولكن أثرها محدود وهم غالباً لا يقدمون شيئا ويتقنون فن الكلام والنقد فقط ونحن نتعامل مع هذه الشخصيات من مبدأ إن كنت تنتقد العمل فتقدم بما هو أفضل بمعنى أننا نعطيهم المسؤولية ونكلفهم بالأعمال وسرعان ما يقفون عاجزين وينتهي الأمر.

طبعا هذه الظاهرة ناتجة عن طبيعة البشر مع قلة الإيمان وتقديس النفس وبالمزيد من العمل والجهد والاجتهاد في العبادات يمكن التغلب على هذا المرض النفسي والله أعلم.

14 ـ هل صحيح أن المؤتمر الإسلامي العالمي حول أهل السنة بروسيا مؤخرا تم بتوجيه من بوتين؟ وما رؤيتكم في أفكار تؤدى إلى إقصاء السواد الكثيرة من حظيرة أهل السنة والجماعة؟ وما الدور الذى يلعبه اتحادكم في قضاء الفتن التي أثيرت حول القضايا العقدية الملتهبة؟

ـ بخصوص مؤتمر أهل السنة والجماعة الذي عقد في مدينة غروزني في جمهورية الشيشان؛ لا أعتقد أن الرئيس الروسي “فلاديمير بوتين”، يقف خلفه أو له أية علاقة بذلك ولا حتى الأجهزة الأمنية.

والحقيقة أن هذا المؤتمر جاء لمعالجة قضية محلية في منطقة شمال القوقاز، وهي كما تعلم ظاهرة الوهابية التي أصبحت من وجهة نظرهم مشكلة تعكر جو الأمن والاستقرار وكانت امتداداً لحرب طويلة في المنطقة.

فبعد النجاحات الأمنية للحكومة الشيشانية تشكلت لديهم قناعة بأنهم قادرون على مواجهة الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة؛ لذلك دعوا إلى مؤتمر لإصدار فتاوى تستثني الوهابية من أهل السنة والجماعة لتكون نقطة ارتكاز للقوى الأمنية في محاربة المجموعات المسلحة في الغابات ومواجهة أية جهة تدعو إلى أفكار مشابهة.

ولكن ما حصل في المؤتمر يتحمل مسؤوليته الكبرى العلماء من الأزهر الشريف وكافة الدول المشاركة والذين وسعوا دائرة المستهدفين ووقعوا على هذه الفتوى دون تقدير للموقف. علماً بأن معظم مفتيي روسيا لم يحضروا المؤتمر، ولم يقبلوا هذه الفتوى، والوفد المشارك من منطقة حوض الفولجا انسحب من المؤتمر دون التوقيع على الفتوى.

ورغم الضغط من مفتي الشيشان؛ فلم يستجب أحد؛ بل على العكس تم كتابة رد بالحجج والبراهين على بطلان هذه الفتوى. كما أن معظم المشاركين قد تبرأوا من مخرجات المؤتمر وليس له أثر على أرض الواقع أصلاً.

المشاركة السادسة.. من: م.”طارق سرحان”، رئيس قسم الثقافة الإسلامية بالمركز الإسلامي في العاصمة الأوكرانية كييف، وتتضمن سؤالين:

15 ـ تلقى الكتب الإسلامية ودور النشر في مجمل مناطق روسيا هجمة شرسة من قبل بعض المحاكم التي تلقي بالاتهامات، وتصدر الأحكام المتشددة على الكثير من الكتب والإصدارات الدينية للمسلمين، حتى تلك الكتب التي عرفت بالروحانية البحتة دون أي توجهات فكرية مثل كتاب حصن المسلم، أو كتب تربوية معتدلة مثل كتاب شخصية المسلم لمحمد علي الهاشمي، وكل هذا بحجة محاربة كتب التعصب. ولا يغيب عن ذهن عاقل أن هكذا أحكام متعسفة، أو مصادرة لكتب الاعتدال ونشر ثقافة الوسطية والتدين بسماته العصرية، والذي ينشر مبادئ التوازن والتعايش والتسامح، يصدر التعصب الديني ولا يعالج…

فما دور المؤسسات الدينية في مواجهة هذا التحدي، للحفاظ على شخصية المسلم في المثقف دون التصادم مع التعسفية القضائية؟

ـ بخصوص قائمة الكتب الإسلامية المحظورة في روسيا فقد يخيل للوهلة الأولى أن الأمر يتعلق بالتضييق على المسلمين. ولكن بعد دراسة الأمر بتعمق؛ تتضح الصورة أكثر. ولا شك بأن منع الكتب الإسلامية باللغة الروسية على قلتها شيء يحزننا و يدعونا للاجتهاد في إصلاح هذا الأمر. وحتى نكون منصفين فلا بد بالنظر إلى المسألة في الإطار العام في روسيا.

إذا نظرنا إلى قائمة الكتب المحظورة في عموم روسيا؛ نجد فيها ما يزيد على ألف ومائتي كتاب من مختلف الألوان الفكرية والدينية وعدد الكتب الإسلامية لا يتجاوز المائة كتاب من هذه القائمة؛ بمعني أن نسبة الكتب الإسلامية المحظورة لا تتعدى 10%.

وفي نظري فإن السبب يرجع إلى طبيعة النظام القضائي في روسيا. فلو تأملنا الحالات التي تعرضت فيها الكتب الإسلامية إلى المنع نجد أغلبها حصل في ظروف أمنية خاصة عند مداهمة شقة لأحد المتهمين بالتطرف والإرهاب وكل ما وجدوا عنده من كتب تم تقديمها إلى المحكمة ليصدر قرار بمنعها ونظراً لأن نظام القضاء فيدرالي فإن الحكم يعمم على كافة تراب روسيا مهما كان مستوى المحكمة التي أصدرت الحكم.

طبعا لا يمكن هنا أن نغفل التعسف الذي يجري من طرف المحكمة خلال النظر في هذه القضايا فهناك الكثير من المخالفات التي تقع وأقلها عدم الاستعانة بأشخاص مختصين في الإسلام للنظر في محتوى هذه الكتب.

تقريبا بهذه الصورة تم إدراج معظم الكتب في قائمة الكتب المحظورة. أما قضية إبطال قرار المحكمة الصادر فهو أمر معقد ويحتاج إلى وقت كثير وإمكانيات كبيرة، والأهم من ذلك أن صاحب الكتاب أو من ينوب عنه بتوكيل رسمي يحق له الطعن في قرار المحكمة، وهذا يضع صعوبات أكبر في طريق تحرير هذه الكتب.

ونحن في الإدارة الدينية لمسلمي حوض الفولكا ننشط في هذا المجال وقد كانت لنا تجارب ونجحت والله الحمد. و يوجد فريق من المحامين ممن يعكف على هذه القضايا و يقومون بمتابعتها وأشهرها قضية حظر كتاب ترجمة معاني القرآن الكريم للشيخ إلمير كولييف، وتم إبطال القرار بجهود متظافرة من ثلاثة من المحامين. وكذلك حكم لمحكمة في مدينة بنزا بخصوص كتاب لمفتي محافظة سراتوف الشيخ مقدس بيبارس تم إبطال هذا القرار وغيرها من الكتب وأصبحت تجربة إيجابية موجودة.

ولكن هذه الأمور القضائية تتطلب وقتا وتكاليف كثيرة، كما أن إعادة طباعة الكتب المحظورة بحلة جديدة يحل هذه المشكلة ولأنه توجد جزئية في الموضوع يجب أخذها بعين الاعتبار وهي أن قرار الحظر يخص كتابا بعينه وسنة طباعته وشكله حال إصدار القرار ولو وجد نفس الكتاب و لكن طبعة أخرى فلا يعتبر هذا مخالفا للقانون ولكن الكثير يجهلون هذه الجزئية. وأعتقد أن هذا المجال حيوي جداً بالنسبة للمسلمين ومجال للتحرك وتقديم الجهد والوقت وهو من جانب يفعل من الكفاءة لدى المحامين المسلمين.

ولكن يجب أخذ بالأمر في إطاره الصحيح فليس هناك هجمة مبرمجة من قبل السلطة لمنع الكتب الإسلامية، ويأتي هذا المنع في إطار مكافحة الأفكار المتطرفة والتي تدعو إلى العنف والتمييز وحصة الكتب الإسلامية من المنع ليست كبيرة مقارنة بغيرها من الكتب والتي تحض على الكراهية للمسلمين للعلم. ونسأل الله أن يثبتنا على دينه القويم.

16 ـ إن تمويع المصطلحات، وتركها دونما تعريف، ثم تعميم استخدامها دونما تحديد لها ولكنهتها، غدت ظاهرة سماها العديدين بحرب المصطلحات، وتزاد هذه الظاهرة خطورة، عندما تتعلق بمصطلحات ذات خلفيات سياسية، فكرية أو حركية…

مثل مصطلح التعصب الديني، أو مصطلح الوهابية، أو الديموقراطية أو الحرية أو المواطنة، وغيرها كثير…

ومن المعروف أن أكثر من يتضرر من ترك هذه المصطلحات دون تحديد هم المسلمون، ليس بسبب المتربصين والمكيدين بالمسلمين وحسب، بل بسبب المسلمين أنفسهم، خاصة نتيجة النزاع الناتج عن تعدد الإدارات والمؤسسات الدينية، ووقوعهم في التنافس في ما بينهم، الذي يكون في كثير من الحالات تنافساً غير شريف!!

فما هي الجهود التي قدمت من قبل المؤسسات الإسلامية، وإداراتها الدينية، لتحديد هذه المسطلحات وغيرها، وصياغتها على شكل ميثاق يتفق عليه المسلمون بين بعضهم البعض، وتعترف به الحكومة من جانب آخر حتى يصبح أرضية تفاهم بين المسلمين أنفسهم، وبين مختلف فئات المجتمع المحيط لهم؟

ـ لا شك أن وضوح المصطلحات المعاصرة أصبحت قضية نادرة الوجود ليس فقط في روسيا وإنما في العالم أجمع. فالضبابية في فهم المصطلحات يعطي مبرر للأجهزة الأمنية والقوى السياسية لاستخدامها في غير موضعها ولتحقيق أهداف خاصة بها.

ومسلمو روسيا حقيقة يعانون من كثير من المصطلحات التي ظهرت مؤخرا ومنها الإسلام التقليدي والإسلام القومي وغيرها ولا تكاد تجد تعريفا واضحا لذلك. لذا فإن الإدارات الدينية المختلفة تجدها غير متفقة على تعريف واحد للكثير من المصطلحات وكل جهة تفهمها وتفسرها كما تشاء.

وإمكانية إيجاد أرضية موحدة لتعريف هذه المصطلحات على مستوى عموم مسلمي روسيا تكاد تكون مستحيلة للأسف في هذه الأوقات لأسباب تشرذم المسلمين وتباعدهم الجغرافي وانتمائهم العرقي. رغم انه كانت هناك محاولات عديد لتوحيد الإدارات الدينية ولكنها باءت بالفشل. لذلك تبقى الحالة الرمادية هي السائدة في هذه الفترة للأسف.

كما أن هذه الحالة ليست مقتصرة على المصطلحات الإسلامية وإنما على عموم المصطلحات. فمثلا مؤخرا برزت قضية فهم مصطلح علمانية الدولة. فقد تم منع الحجاب في بعض المدارس والجامعات بحجة أن نظام الدولة علماني ولا يقبل بوجود مظاهر الدين في المؤسسات الرسمية وهذا كان احد التفاسير الخاطئة لهذا المصطلح. اخذ الأمر قسطا كبيرا من البحث و الجدل و وصل الأمر إلى القضاء. وذلك لان الدستور يضمن لكل شخص حرية اعتناق الدين و ممارسة الشعائر بحرية كاملة.

فأرى أن هذا الأمر سيبقى بين مد وجزر إلى أن يحين الوقت، ويستطيع المسلمون تحديد وتوضيح هذه المصطلحات.