مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

كوسوفا الحديثة وتحديات الهوية

هل يتنازل حكام كوسوفا عن الهوية الإسلامية للألبان مقابل الاندماج في الاتحاد الأوروبي؟

في خضم جدال واسع ومتواصل حول هوية الشعب الألباني.. صدر في كوسوفا خلال شهر يونيو 2016م، أحدث كتب المفكر الأكاديمي “د.فتحي مهديو”(1)، بعنوان “ديانات الألبان هى الإسلام والمسيحية”(2)، ليضع النقاط فوق الحروف ويعيد تصحيح مفاهيم طرحت بشكل مغلوط في الحوارات والنقاشات الدائرة في وسائل الإعلام أو صدرت في تصريحات السياسيين الألبان.

بقلم/ هاني صلاح **

وعلى الرغم من أن هذا الجدال حول هوية الشعب الألباني يتركز تحديداً في وسائل الإعلام وتصريحات السياسيين بالدولتين الألبانيتين في منطقة غرب البلقان وهما ألبانيا وكوسوفا؛ إلا أنه يمس بقية الشعب الألباني الذي يعيش كأقليات بدول الجوار في كل من اليونان ومقدونيا وصربيا والجبل الأسود بعد دخول أراضيهم ضمن الحدود السياسية لهذه الدول منذ معاهدة لندن في عام 1913م؛ والتي  قسمت ألبانيا بعد عام واحد فقط من إعلانها الاستقلال عن تركيا في عام 1912م، مما أخرج أكثر من نصف الشعب الألباني خارج دولته الأم (ألبانيا) منذ هذا التاريخ.

وفي هذا التقرير سنلقي الضوء على “صراع الهوية” في النموذج الكوسوفي والدائر بين الطبقة الحاكمة والتيارات العلمانية المسيطرة على مقاليد الحكم في البلاد وبين شرائح واسعة من الشعب الألباني في كوسوفا والتي ترى أن هويتها هى الإسلام مع تمسكها بقوميتها الألبانية.

“الفاتيكان” بوابة الاندماج

فقد عكست آخر التصريحات السياسية بشأن الهوية الألبانية مساحة الخلاف بين رؤية الطبقة الحاكمة في كوسوفا وبين تطلعات شرائح واسعة من الشعب الألباني المسلم في الدولة الوليدة حديثاً والتي أعلنت استقلالها بدعم غربي قبل نحو ثماني سنوات في 17 فبراير 2008م.

فقد صرح “هاشيم ثاتشي”، رئيس كوسوفا، في مقالة له نشرها في البوابة النمساوية (Euractiv)، ونشرتها عنها الصحيفة الالكترونية الألبانية (انسايديري ـ Insajderi)، بتاريخ 2 يونيو 2016م، قال فيها، بأنه: لضمان نجاح مساعي دولة كوسوفا في الانضمام للاتحاد الأوروبي؛ يجب على الكوسوفيين بأن يصبحوا “كاثوليكيين أكثر من بابا الفاتيكان نفسه”.

ومع دعوته للتقرب للديانة الكاثولية؛ أكد “ثاتشي” ـالرئيس السابق للحزب الديمقراطي الكوسوفي أكبر الأحزاب الكوسوفيةـ، في مقالته بأن: كوسوفا دولة علمانية وليست دولة إسلامية”(3).

وكان من نتيجة هذا التصريح أنه أشعل الجدال الدائم في الأوساط الإعلامية والسياسية والشعبية حول هوية الألبان، وفي ذات الوقت هناك جدال آخر متعلق بالهوية يتمثل في الخلاف حول تحديد عدد الأديان التي يعتنقها الشعب الألباني.

يأتي كل هذا في ظل محاولات أخرى متواصلة من مذاهب وأيدلوجيات معاصرة لنيل إعتراف رسمي دستوري بها يضعها في مصاف الأديان السماوية المتعارف عليها منذ قرون، وهو ما يعني في حالة نجاحها تخفيض ـوبشكل مستمرـ لنسبة المسلمين الألبان في كوسوفا، مما يعني تراجع في مساحات الحقوق والحريات الدستورية المتعلقة بهم بعد تحولهم من أكثرية كبيرة إلى أقلية ـ على الورق ـ وتزداد انخفاضاً مع مرور الوقت.

بينما نرى ازدياد مساحات الحقوق والحريات للأديان التقليدية الأخرى في كوسوفا، والأخطر للمذاهب المعاصرة والأيدولوجيات الجديدة حال نجاحها في تمرير مشروعات قوانين متعلق بالحريات الدينية مقدمة للبرلمان تطالب بالاعتراف الدستوري الرسمي بها.

هذا التصريح المثير للجدل بشكل غير مسبوق من هاشيم ثاتشي؛ جاء قبل أسبوعين فقط من زيارته للفاتيكان في 16 يونيو 2016م، لمقابلة البابا “فرانسيس”، حيث أكد له بأن ما يحمله الفاتيكان من “قيم التسامح والسلام” هو تماماً ما تحمله دولة كوسوفا الحديثة والتي أعتبرها “ثاتشي” نموذجاً في التعايش بين الأعراق وأتباع الديانات في منطقة البلقان.

وفي ختام لقائه مع البابا والذي استمر لنحو نصف ساعة أفصح رئيس كوسوفا عن هدف كافة تصريحاته وزيارته والتي كان مقابلها دعوته لبابا الفاتيكان إلى تعديل موقفهم “السياسي” برفض الاعتراف بكوسوفا، ومحاولته الحصول منه على هذا الاعتراف قناعةً منه بأن سيكون أحد العوامل التي تساعد كوسوفا على الدخول إلى منظومة الاتحاد الأوروبي(4).

وحتى اليوم ومنذ إعلانها الاستقلال من جانب واحد عن صربيا في 17 فبراير 2008م، لم تحصل دولة كوسوفا بعد على إعتراف دولي أممي من منظمة الأمم المتحدة على الرغم من اعتراف غالبية دول الاتحاد الأوروبي وتخطي عدد مائة دولة اعترفت بها حتى الآن.

رفع واقع أم فرضه؟

اشكالية تحديد الهوية لدى ألبان كوسوفا في حقيقة الأمر لا تتعلق برفع واقع لمعرفة رغبة الشعب الألباني في البقاء على الإسلام أو العودة للجذور المسيحية كما طالبهم بابا الفاتيكان قبل أكثر من عشر سنوات، أو التحول لأديان أخرى أو حتى عقائد جديدة تمثلها أيدولويات حديثة تتطلع للاعتراف بها كما هو معترف بالأديان السماوية.

ولكن لب القضية يتمثل في الاستثماري السياسي لقضية الهوية لتحقيق تطلعات لدى الطبقة الحاكمة في نيل رضا الغرب والانضمام للاتحاد الأوروبي ومحاولة إقناع هذه الطبقة الحاكمة ـ التي تحمل توجهات علمانية ـ للشعب الألباني بأن الدين الإسلامي هو العائق الرئيسي أمام الانضمام للأسرة الأوروبية؛ متناسية ومتجاهلة أن كافة التصريحات الصادرة عن دول الاتحاد الأوروبي تطرقت لملفات الفساد الحكومي والإداري في كوسوفا معتبرة أنه أكبر عائق أمام انضمام كوسوفا للمنظومة الأوروبية وليس الهوية على الأقل بحسب البيانات الرسمية الأوروبية.

وفي هذا السياق.. تأتي محاولة الدكتور “فتحي مهديو” كأحد الرموز الإسلامية الأكاديمية في كوسوفا في ضبط المصطلحات والمفاهيم التي تتداولها بشكل مغلوط وسائل الإعلام أو التي يقوم بتوظيفها بشكل خطأ القائمين على السلطة التشريعية في البرلمان الكوسوفي فما يتعلق بقوانين الحريات الدينية والاعتراف بالأديان الحالية في كسوفا مع ترك الباب للاعتراف مستقبلاً بـ”أديان” جديدة معاصرة!

وفي هذا الاطار.. ولفهم الجدال/الصراع حول الهوية الألبانية نلقي الضور بشكل مختصر على ثلاث محاور رئيسية متعلقة بهذه القضية، وهى:

1 ـ علمانية الدولة.. محايدة أم معادية؟

2 ـ الخلط بين الدين والأيدولوجية.

3 ـ الاشكالية في الفساد أم الإسلام؟

1 ـ علمانية الدولة.. محايدة أم معادية؟

لا يفتر السياسيون في كوسوفا عن القول بأن الدولة علمانية وليست إسلامية، ومن أجل هذا صودرت كثير من الحقوق والحريات الدينية المتعلقة بالأكثرية الألبانية المسلمة في كوسوفا والتي بلغت نسبتها 96% من تعداد الشعب البالغ نحو 1.8 مليون نسمة، بينما ارتفعت نسبة الكاثوليك (ألبان) إلى 2.2%، في مقابل تراجع نسبة الأرثوذكس (صرب) إلى 1.5%، وذلك وفقاً لآخر عملية إحصاء سكاني تمت في عام 2011م(5).

ويعلل هؤلاء بأن كوسوفا دولة أوروبية مثلها مثل دول الغرب تنتهج النهج العلماني في إدارة الحكم، متغافلين عن أن “علمانية الغرب” محادية بشكل كبير أو نوعاً ما تجاه الأديان ولا تتدخل في الحريات الدينية لشعوبها.

بينما نجد في كوسوفا وتحت شعار “علمانية الدولة” يمنع الحجاب في المدارس، ويتم رفض تدريس مادة الدين في المدارس الحكومية ـ كما كانت قبل عقود ـ أيضاً يرفض إعطاء تصاريح لبناء مساجد في داخل المدن بينما تعطى للكنائس.

كل هذه التصرفات/التطبيقات لمفهوم العلمانية من قبل الطبقة الحاكمة ذات التوجه العلماني ـ التوجه الشيوعي سابقاً ـ يؤكد بأن العلمانية التي تحكم الدولة الحديثة في كوسوفا إنما هى معادية، وكأنها استمرار للدور الشيوعي السابق خلال حقبة يوغوسلافيا السابقة الاشتراكية (الشيوعية) والتي ضيقت إلى حد كبير على المسلمين في كوسوفا تحديداً ولكنه هذه المرة بثوب جديد (العلمانية).

وكان الأجدى بحكام كوسوفا الجدد انتهاج علمانية الغرب “المحايدة” طالما أن هدفهم اللحاق بركب الاتحاد الأوروبي وحمل القيم الأوروبية المتعلقة بحقوق الانسان والحريات.

2 ـ الخلط بين الدين والأيدولوجية

وهذه هى النقطة الهامة والمحورية والتي تبين إلى أي مدى ممكن أن تصل إليه الهوية الألبانية الإسلامية في نهاية المطاف، وقد تطرق لها الدكتور “فتحي مهديو” في كتابه الأخير المشار إليه في بداية هذا التقرير.

فقط انتقد خلال مشاركته في لجنة إعداد مشروع قانون الحريات الدينية بعدم التفرقة بين الأديان السماوية والتي أرسل بها رسل وأنزل عليهم كتب، وبين الأيدولوجيات المعاصرة والتي تدعي بأنها أديان جديدة.

ففي الحوار الذي أجرته معه صحيفة (تى شيشي – tesheshi) الألبانية الكوسوفية بتاريخ 13يونيو2016م، وفي سياق رده على سؤال حول خشيته من حدوث فتنة طائفية أو حرب دينية في كوسوفا؛ أكد بأنه حالياً لا يخشى من ذلك، ولكن إن لم تحل الاشكاليات الحالية المتعلقة بالحريات والحقوق الدينية خاصة فيما يتعلق بالمسلمين ـ غيرهم يتمتع حالياً بحقوق تفتقدها الأكثرية المسلمة ـ فإنه يخشى بالفعل من حدوث ذلك مستقبلاً(6).

ومما يؤكد هذا البنود التي وردت في قانون الحريات الدينية. وبالعودة للمادة الرابعة منه نجد أن البرلمان الكوسوفي قد اعترف بخمسة أديان هم: (الإسلام – اليهودية – الكاثوليك ـ الأرثوذكس – البروتسانت).. إلا أن الأخطر من هذا هو ترك الباب مفتوحاً في مادته السادسة للاعتراف بأديان أخرى حال توافق خمسين شخصاً على ذلك وقاموا باعداد لائحة لا تتعارض مع دستور الدولة(7).

والأخطر من كل ما مضى أنه جعل الأديان في مصاف المؤسسات لابد لها من تشكيل مؤسسي وإعداد لائحة لا تتعارض مع الدستور وحال مخالفتها في أي وقت يمكن إلغاء هذه المؤسسة “الدين” بحكم هذا القانون. وإن كان هذا لا يتوقع حالياً أن يحدث مع الإسلام ولكنه يفتح الباب لكافة الاحتمالات في المستقبل.

3 ـ الاشكالية في الفساد أم الإسلام؟

هذا المحور يعكس مصداقية الأطراف السياسية الحاكمة التي تشغل أذهان شعوبها بأن الإسلام هو العقبة أمام انضمام كوسوفا للاتحاد الأوروبي..

فكوسوفا مثل بقية دول البلقان إن لم تكن في مقدمة هذه الدول جميعاً محل انتقاد من المنظمات الدولية والمؤسسات المختصة في دوائر الاتحاد الأوروبي بأنه تكتظ بالفساد المالي والاداري والحكومي، وأن هذا مثل دائماً أكبر عائق أمام هذه الدول في تسريع عمليات انضمامها للاتحاد الأوروبي وذلك وفقاً لكافة التقارير الصادرة عن هذه الجهات على مدار السنوات الماضية.

لذا يطرح السؤال نفسه: إذا لم يصدر تصريح رسمي من دوائر صنع القرار في منظومة الاتحاد الأوروبي بان الإسلام هو العقبة الرئيسية أمام بعض دول البلقان ومن بينها كوسوفا في الانضماو إليه..

فما مغزى ترديد  السياسيين في وسائل الإعلام المحلية والأوروبية بأن الهوية الإسلامية هى ما تعوق عمليات الانضمام لأوروبا وأن كوسوفا ليست بدولة إسلامية وإنما شعب كوسوفي يعيش في ظل نظام علماني؟

وهذا كله يعكس حقيقة الأزمة التي تعيشها النخبة الحاكمة المسيطرة على مقاليد حكم البلاد من تورطها في الفساد وعجزها عن إيجاد الحلول المناسبة لوقف هذا الفساد والذي اثمر عن ارتفاع معدلات البطالة واضطرار الالاف من ألبان كوسوفا للهجرة لخارج البلاد بحثاً عن حياة أفضل كانوا يتوقعونها في بلادهم قبل ثماني سنوات حينما أعلنت استقلالها عن صربيا بعد نحو 97 عاماً من الاحتلال.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

** المجتمع ـ يونيو 2016م

هوامش:

1 ـ صاحب أول ترجمة لمعاني القرآن الكريم صدرت في عام 1985م، وصدرت منها الطبعة الثانية في عام 1999م، ثم الطبعة الثالثة خلال العام الجاري 2016م.

2 ـ كتاب “ديانات الألبان هى الإسلام والمسيحية”، “د.فتحي مهديو”

“Feja e shqiptarit është musliman e të krishterë”, akademik Feti Mehdiut

3 ـ الصحيفة الالكترونية الألبانية (انسايديري ـ Insajderi)، بتاريخ 2 يونيو 2016م.

Thaçi: Kosova nuk është myslimane, kosovarët duhet të jenë “më katolikë se Papa” – Insajderi –  2 Qershor, 2016

http://www.insajderi.com/thaci-kosova-nuk-eshte-myslimane-kosovaret-duhet-te-jene-katolike-se-papa/

4 ـ الصحيفة الالكترونية الألبانية (انسايديري ـ Insajderi)، بتاريخ 16 يونيو 2016م.

Presidenti i kërkon Papa Françeskut njohjen e Kosovës nga VatikaniInsajderi

http://www.insajderi.com/presidenti-kerkon-papa-franceskut-njohjen-e-kosoves-nga-vatikani/

5 ـ آخر إحصائية للسكان في كوسوفا كانت في عام 2011، وفقاً للتقرير المنشور في عام 2012 موضحاً نتائج الاحصاء السكاني:

http://www.gazetatema.net/web/2012/02/09/regjistrimi-i-popullsise-96-e-kosovareve-jane-myslimane/

بينما رابط التقرير على الموقع الالكتروني لجهاز الإحصاء الكوسوفي:

https://ask.rks-gov.net/sq/rekos2011

6 ـ  الحوار بعنوان: الأكاديمي فتحي مهديو: أخبركم ما هى أديان الألبان.

Akademik Feti Mehdiu:ju tregoj se cila është feja e shqiptarit

Date: 13 June, 2016 – Nga Shkëlzen Rrecaj

http://tesheshi.com/akademik-feti-mehdiu-ju-tregoj-se-cila-eshte-feja-e-shqiptarit/

7 ـ قانون الحريات الدينية

http://www.kryeministri-ks.net/repository/docs/Projektligji_per_ndryshimin_dhe_plotesimin_e_Ligjit_nr__02L-31_per_lirine_fetare_ne_Kosove.pdf