د.مجدي سعيد يعرّف بالباحث الميداني د.هشام صدقي الإبراشي ضمن «نقاط مضيئة»
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في غرب إفريقيا، حيث تمتد القرى بين الغابات والسهول، وتتعدد القبائل واللغات والموروثات الدينية، لا تكفي الكتب وحدها لفهم طبيعة المجتمعات ومعتقداتها؛ فثمة معرفة أخرى تتشكل من الاقتراب من الناس، وزيارة الأماكن، والاستماع إلى الروايات، وملاحظة العادات والطقوس في بيئاتها الأصلية.
ومن هذا العالم المتنوع تأتي دراسة تجمع بين المعرفة المكتوبة والمشاهدة الميدانية
لتفتح نافذة واسعة على جانب من تاريخ الأديان والمجتمعات الإفريقية.
الدكتور مجدي يعرّف بالباحث الميداني الدكتور هشام ضمن «نقاط مضيئة»

وضمن سلسلته المتواصلة «نقاط مضيئة»، يواصل الدكتور مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المقيم في لندن، تقديم نماذج إنسانية وعلمية يرى فيها تجارب جديرة بالتعريف والاهتمام، لما تحمله من دلالات تتجاوز التجربة الفردية إلى مجالات المعرفة والعمل الميداني وخدمة قضايا المجتمع.
وفي هذا السياق، تعرّف الدكتور مجدي سعيد إلى الدكتور هشام صدقي الإبراشي، الذي عرض عليه تجربته في التطواف بسبع عشرة دولة إفريقية، وزيارة القرى والقبائل، ولا سيما في منطقة غرب إفريقيا، في تجربة ميدانية امتدت إلى بيئات ومجتمعات متعددة.
وبحسب تعريف مجدي سعيد، أسفرت هذه الرحلة عن إعداد دراسة موسوعية بعنوان «الأديان الوثنية في غرب إفريقيا وفقه دعوتها: دراسة وصفية ميدانية»، تتناول واقع تلك المجتمعات من خلال المعايشة والبحث المباشر، وفق خطة ميدانية شملت 250 تجمعًا وثنيًا، كما يرد في تعريف العمل.
ويقدّم مجدي سعيد هذه التجربة بوصفها نموذجًا للباحث الميداني الذي ينتقل بالمعرفة من نطاق القراءة والوصف النظري إلى المعايشة المباشرة وجمع المادة من البيئات محل الدراسة، داعيًا المهتمين بالأديان الإفريقية والعمل الدعوي ودراسة المجتمعات والثقافات الإفريقية إلى التعرف على هذا الجهد والاستفادة من مادته العلمية والميدانية.
هشام صدقي الإبراشي يقدم دراسة ميدانية موسوعية عن غرب إفريقيا
يقدم كتاب«الأديان الوثنية في غرب إفريقيا وفقه دعوتها: دراسة وصفية ميدانية»، وفق الخطة المنشورة له، مشروعًا يجمع بين التاريخ والجغرافيا ودراسة الأديان والعمل الميداني وفقه الدعوة، مع انتقال واضح من التعريف بالمجتمعات ومعتقداتها إلى محاولة فهم واقعها وطرق التواصل معها.
تكشف خطة الكتاب عن مشروع واسع لا يقتصر على دراسة المعتقدات الوثنية من الناحية النظرية، وإنما يجمع بين أربعة مسارات رئيسية: التعريف بغرب إفريقيا، والدراسة الوصفية للأديان الوثنية، والدراسة الميدانية، ثم فقه دعوة الوثنيين في غرب إفريقيا.
ويبدأ الكتاب بمدخل مفاهيمي يتناول مصطلح الوثنية ومعانيه في اللغة والاصطلاح، وحضوره في القرآن والسنة، وموقعه في كتب علماء الملل والنحل، إلى جانب المصطلحات الغربية المرتبطة بالوثنية، مثل الفيتيش والإحيائية والطوطمية والأرواحية وعبادة الطبيعة والدين التقليدي.
غرب إفريقيا.. جغرافيا وتاريخ وتنوع قبلي
يفرد الكتاب بابه الأول للتعريف بغرب إفريقيا، فيتناول موقع المنطقة وأسماءها، وأبرز القبائل فيها، ومن بينها الفلاني والهوسا والماندينج والإيغبو والولوف والفون واليوربا والموسي والأشانتي والميندي، إضافة إلى أشهر اللغات المستخدمة في المنطقة.
كما يتتبع تاريخ الإسلام والوثنية في غرب إفريقيا، بدءًا من مراحل انتشار الإسلام وعوامله، مرورًا بالممالك الإسلامية الكبرى مثل غانة ومالي وصنغاي وصكتو وبرنو ـ كانم، وصولًا إلى الممالك الوثنية التي قامت في المنطقة.
ولا يغفل الكتاب المرحلة الاستعمارية، فيتناول الاكتشاف البرتغالي للمنطقة، ومؤتمر برلين وتقسيم إفريقيا، والنفوذ الفرنسي والإنجليزي والألماني والبرتغالي، وآثار الاستعمار على السكان والمسلمين، إلى جانب حركات المقاومة والجهاد ضد الاستعمار الأوروبي.
دراسة تفصيلية لبنية المعتقدات والطقوس
يخصص الباب الثاني للدراسة الوصفية للأديان الوثنية في غرب إفريقيا، ويتناول أركانها وتصوّراتها ومعبوداتها وطقوسها. وتتوزع الدراسة على موضوعات واسعة تشمل الإلهيات والآلهة الكبرى، وعبادة الجن والأرواح والأسلاف ومظاهر الطبيعة والحيوانات، إلى جانب الكهنة والعرافين والجماعات السرية، ثم الغيبيات المتعلقة بأصل الكون والإنسان والموت والآخرة والروح والتناسخ.
كما يبحث الكتاب في الطقوس والأعياد والاحتفالات، وطقوس الولادة والبلوغ والختان والزواج والجنائز والحصاد وتنصيب الملوك، فضلًا عن القرابين والمعابد والغابات المقدسة والمحرمات، ثم يتناول السحر وأشكاله وحضوره في الحياة الاجتماعية والسياسية والحروب.
من الدراسة النظرية إلى النزول للميدان
من أبرز ما يميز العمل تخصيص باب كامل للدراسة الميدانية، لاكتشاف واقع الأديان الوثنية في عدد من دول غرب إفريقيا. وتتناول الدراسة الميدانية 250 تجمعًا وثنيًا في ثلاث عشرة دولة، هي: نيجيريا، ومالي، وليبيريا، وغينيا كوناكري، وغانا، وسيراليون، وساحل العاج، وتوغو، وغينيا بيساو، وبوركينا فاسو، وبنين، والسنغال، والنيجر.
ويمتد البحث كذلك إلى حضور الأديان الوثنية الغرب إفريقية في الأمريكتين، مع نماذج من الولايات المتحدة وهايتي وكوبا والبرازيل وسورينام، وما ارتبط بها من أشكال دينية وثقافية.
فقه الدعوة.. الجانب العملي في التجربة
لا يتوقف المشروع عند وصف المعتقدات وتوثيقها، وإنما يخصص بابه الرابع لما يسميه «فقه دعوة الوثنيين في غرب إفريقيا». ويتناول هذا القسم مقاصد الدعوة وآثارها، ثم يستعرض أساليب دعوة الوثنيين من خلال آيات القرآن الكريم، وحجاج الأنبياء لأقوامهم، وبعض مواقف السيرة النبوية، قبل الانتقال إلى مسائل مستخلصة من تجربة الباحث الميدانية.
وفي الجانب التطبيقي، تبحث الدراسة في خطوات التواصل مع القرى الراغبة في الإسلام، وأهمية الاستعانة بدعاة محليين، وفهم الثقافة والعقيدة قبل طرح الدعوة، وملاءمة الخطاب لمستوى المخاطبين، وفتح باب الأسئلة، ثم ما يتصل بتعليم من يدخلون الإسلام وبناء المساجد والمصليات والبرامج التعليمية لهم.
توصيات للمؤسسات والدعاة
تختتم الدراسة الميدانية بمجموعة من التوصيات والإرشادات الموجهة إلى المؤسسات الدعوية والدعاة العاملين في غرب إفريقيا، ومن بينها الدعوة إلى إنشاء مؤسسات متخصصة، والاهتمام بالتعليم، وتأهيل الدعاة العرب والمحليين، وتنظيم الرحلات الدعوية، وإنشاء المراكز والوسائل الإعلامية المناسبة، والاستفادة من وسائل التواصل الحديثة في التنسيق مع الدعاة المحليين.
كما تقدم إرشادات خاصة للداعية، تركز على امتلاك العلم والحكمة، واختيار المكان والزمان المناسبين، وتهذيب الخطاب بما يلائم البيئة الإفريقية، والتخصص في المجال الدعوي، إلى جانب مجموعة من القواعد المستفادة من ممارسة الدعوة ومن قراءة تجارب الأنبياء والقرآن الكريم.
المصدر:
ـ منشور الدكتور مجدي سعيد في سلسلة «نقاط مضيئة».
ـ منشور الدكتور هشام صدقي الإبراشي حول كتابه، وتوضح مادة الكتاب المنشورة خطة الدراسة وأبوابها وفصولها ومباحثها وملحقاتها.



