مسلمون حول العالم.. أول مشروع إعلامي وموقع إلكتروني
ينتهج التغطية المنهجية لشؤون المجتمعات المسلمة
التي تعيش في الدول غير الإسلامية حول العالم

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
من موقع إلكتروني بدأ بإمكانات فردية وذاتية محدودة، إلى مشروع إعلامي يسعى إلى بناء منظومة متكاملة للإعلام والبحث والتوثيق والمعرفة؛ تتشكل اليوم ملامح مرحلة جديدة في مسيرة «مسلمون حول العالم»، تقوم على الانتقال من تجربة فردية راكمت الخبرة والمحتوى والمنهج، إلى رؤية مؤسسية يمكن أن تتوسع مستقبلًا عبر الشراكات والتعاون مع المؤسسات الإسلامية الرسمية والدولية.
نجح «مسلمون حول العالم» خلال السنوات الماضية في ترسيخ حضوره بوصفه منصة إعلامية متخصصة في شؤون المجتمعات المسلمة خارج العالم الإسلامي، مستندًا إلى تغطيات ميدانية، وتقارير صحفية، وحوارات، ومواد توثيقية وتحليلات معمقة ترصد واقع هذه المجتمعات، وتتناول مؤسساتها وقضاياها وتحدياتها وإنجازاتها، مع الالتزام بالمعايير الصحفية والمهنية.
وقد أسهم هذا النهج في بناء رصيد واسع من المواد والخبرات والمعارف، جعل المشروع مساحة مهمة للباحثين والمهتمين وكل من يبحث عن محتوى متخصص يوثق واقع المجتمعات المسلمة حول العالم، ويقدم صورة أكثر دقة وتوازنًا عن حضورها وتاريخها ومسيرتها داخل البلدان التي تعيش فيها.
ومنذ انطلاق الموقع قبل سبع سنوات، اعتمد «مسلمون حول العالم» بصورة أساسية على الجهد الشخصي والعمل الفردي، في تجربة هدفت أولًا إلى بناء الأساس: تحديد المنهج، وتوسيع نطاق التغطية، وتراكم المعرفة، وتوثيق المعلومات، والتعرف إلى المؤسسات والشخصيات والمبادرات والملفات المرتبطة بالمجتمعات المسلمة في مختلف دول العالم.
وقد حققت هذه المرحلة هدفها الأساسي؛ إذ أصبحت هناك تجربة متراكمة ومنهج واضح وأرشيف واسع يمكن البناء عليه. لكن الانتقال من المبادرة الفردية إلى مرحلة الاحتراف والتوسع العالمي يحتاج إلى إمكانات أكبر، وفريق عمل متكامل، وشراكات مؤسسية، وتخصصات متعددة تجمع بين الإعلام والبحث والترجمة والتوثيق والتقنية.
ومن هنا تبدأ خريطة الطريق المستقبلية لمشروع «مسلمون حول العالم».
أولًا.. تطوير الموقع وإطلاق النسخة الإنجليزية
تتمثل الخطوة الأولى في تطوير الموقع الإلكتروني «مسلمون حول العالم» ليصبح منصة إعلامية عالمية متكاملة باللغتين العربية والإنجليزية، قادرة على الوصول إلى جمهور أوسع، وتقديم المحتوى المتخصص للمجتمعات المسلمة حول العالم بلغتين تفتحان المجال أمام انتشار أوسع للمعلومات والتقارير والدراسات.
ويتطلب ذلك بناء فريق عمل متخصص يضم الصحفيين والباحثين والمحررين والمترجمين، إلى جانب المتخصصين في المجالات المرتبطة بالتغطية الإعلامية والبحثية للمجتمعات المسلمة.
كما تستهدف هذه المرحلة تطوير البنية التقنية للموقع، وتنظيم أرشيفه، وتسهيل الوصول إلى مواده، وتوسيع شبكة المراسلين والباحثين والمتخصصين في مختلف دول العالم، بما يساعد على الانتقال من تجربة إعلامية فردية إلى مؤسسة إعلامية احترافية قادرة على إنتاج محتوى عالمي المستوى.
ولا تقتصر أهمية هذه الخطوة على إطلاق لغة جديدة للموقع، وإنما تتمثل في بناء قاعدة إعلامية أكثر اتساعًا يمكن أن تكون الأساس الذي تنطلق منه المراحل التالية من المشروع.
ثانيًا.. إطلاق مركز بحثي للدراسات
بعد تأسيس المنصة الإعلامية وتطويرها، تتمثل الخطوة التالية في إطلاق مركز بحثي متخصص في دراسة المجتمعات المسلمة حول العالم.
ويكون المركز مساحة علمية تجمع ما تم توثيقه ورصده ودراسته خلال السنوات السابقة، وتواصل البحث في واقع المجتمعات المسلمة وتطوراتها، مع استقطاب الباحثين والأكاديميين والخبراء والكتّاب المتخصصين في هذا المجال.
ويمكن للمركز أن يعمل على إعداد وإصدار الدراسات والأبحاث والتقارير المتخصصة، وبناء قواعد بيانات معرفية، وتوثيق التحولات التي تشهدها المجتمعات المسلمة، فضلًا عن تنظيم المؤتمرات والندوات واللقاءات العلمية التي تناقش القضايا الجديدة والمستجدات المتعلقة بهذه المجتمعات.
وبذلك ينتقل المشروع من مجرد منصة إعلامية إلى مساحة بحثية ومعرفية متخصصة، تجمع بين الخبرة الصحفية والبحث العلمي والتوثيق المنهجي.
ثالثًا.. إطلاق قناة فضائية متخصصة
وفي مرحلة لاحقة، تستهدف الرؤية إطلاق قناة فضائية متخصصة في شؤون المجتمعات المسلمة حول العالم، تكون امتدادًا طبيعيًا للمشروع الإعلامي والبحثي.
وتقدم القناة الأخبار والتقارير والحوارات والبرامج الوثائقية والمواد البحثية، وتفتح نافذة إعلامية واسعة للتعريف بالمجتمعات المسلمة وتاريخها وواقعها ومؤسساتها وتحدياتها وإسهاماتها في المجتمعات التي تعيش فيها.
كما يمكن أن تستفيد القناة من الرصيد الصحفي والبحثي الذي راكمه «مسلمون حول العالم»، بحيث تتحول التقارير المكتوبة والدراسات والمواد التوثيقية إلى إنتاج مرئي ومسموع يخاطب شرائح أوسع من الجمهور.
وبذلك تصبح القناة ذراعًا إعلامية جديدة للمشروع، لا مشروعًا منفصلًا عنه، وإنما امتدادًا للمنهج الذي بدأ من الموقع الإلكتروني.
رابعًا.. إطلاق منصة تواصل اجتماعي موثوقة
وتتضمن الرؤية كذلك إنشاء منصة تواصل اجتماعي ذات طبيعة خاصة، تكون مفتوحة للمشاركة العامة، ولكن وفق نموذج مختلف يقوم على توثيق المعلومات ومصدرها، والتمييز الواضح بين المحتوى الموثق والمحتوى غير الموثق.
وتقوم الفكرة المبدئية على إتاحة مساحة للنشر الرسمي للمعلومات والأخبار والبيانات المتعلقة بالمجتمعات المسلمة أمام المؤسسات الرسمية المعتمدة حول العالم، وفق ضوابط مهنية وأخلاقية واضحة يجري إعدادها ودراستها بصورة مستقلة.
والهدف من هذه المنصة هو المساهمة في بناء بيئة معلوماتية أكثر موثوقية؛ بحيث يستطيع الباحث أو الصحفي أو المهتم، عند البحث عن أحوال مجتمع مسلم في أي دولة من دول العالم، الوصول إلى معلومات واضحة المصدر، والتمييز بين البيانات الرسمية والتقارير والمعلومات المنشورة من مصادر أخرى.
ويمكن أن تمثل هذه المنصة، إذا توافرت لها الإمكانات والشراكات المناسبة، خطوة مهمة في مواجهة الفوضى المعلوماتية والمصادر المجهولة التي تجعل التحقق من الأخبار والمعلومات المتعلقة بالمجتمعات المسلمة أمرًا بالغ الصعوبة.
خامسًا.. إطلاق برنامج ذكاء اصطناعي متخصص
أما الخطوة المتقدمة في هذه الرؤية فتتمثل في تطوير برنامج ذكاء اصطناعي خاص يخدم العاملين والكتّاب والباحثين المشاركين في المشروع بمراحله المختلفة.
ويُبنى هذا البرنامج وفق قواعد تحريرية ومعرفية ومهنية وأخلاقية دقيقة، مع الاستفادة من الرصيد المتراكم للمشروع في المصطلحات المتخصصة، وأسماء المؤسسات، والقواعد التحريرية، والمعايير التي تحكم الكتابة عن المجتمعات المسلمة حول العالم.
ولا تكون وظيفة البرنامج إنتاج النصوص بصورة آلية فحسب، وإنما يمكن أن يتحول إلى أداة تدريب ومساعدة للصحفيين والباحثين والكتاب، تساعدهم على تطوير أساليب الكتابة، والتحقق من المصطلحات، وتنظيم المعلومات، والالتزام بالقواعد المهنية والأخلاقية، ورفع مستوى الدقة والوضوح والموثوقية في المواد التي ينتجونها.
كما يمكن أن يساعد البرنامج في بناء قاعدة معرفية متخصصة تراعي خصوصية المجتمعات المسلمة وتاريخها ومؤسساتها وأسماء مدنها وشخصياتها ومصطلحاتها، بما يقلل من الأخطاء التي قد تنتج عن التعامل العام مع هذا النوع من المحتوى.
والغاية النهائية هي بناء منظومة معرفية تساعد كل من يدخل هذا المجال على اكتساب الأدوات اللازمة للكتابة والبحث بمستوى احترافي، مع الاستفادة من تقنيات الذكاء الاصطناعي بوصفها أداة مساعدة للإنسان، لا بديلًا عن العقل والبحث والتحقق والتدقيق والمسؤولية المهنية.
رؤية تبدأ ولا تنتهي
ولا تتوقف خريطة الطريق عند هذه المراحل الخمس، وإنما يمكن أن يتوسع المشروع مستقبلًا إلى مؤتمرات وملتقيات، وشبكات بحثية وإعلامية، وبرامج تدريبية، ومشروعات توثيقية، ومبادرات معرفية، وموسوعات متخصصة، وقواعد بيانات، وغيرها من المشروعات التي يمكن أن تخدم الهدف الأساسي للمشروع.
وهذه الرؤية ليست إعلانًا عن مشروعات جاهزة للتنفيذ الفوري، ولا ادعاءً بإمكان تحقيق جميع مراحلها في الوقت الراهن، وإنما هي محاولة لوضع تصور واضح لما يمكن أن يصبح عليه مشروع «مسلمون حول العالم» إذا انتقل من المبادرة الفردية إلى الشراكة المؤسسية.
فالمبادرة الفردية كانت نقطة البداية، لكنها لا ينبغي أن تكون بالضرورة نقطة النهاية.
لقد بدأت التجربة بموقع إلكتروني، وبإمكانات فردية وذاتية، واستمرت سبع سنوات في بناء المحتوى والخبرة والمنهج، وتوسيع نطاق المعرفة بالمجتمعات المسلمة حول العالم.
واليوم تبدأ مرحلة جديدة من التفكير؛ مرحلة رسم الخريطة وتحديد الاتجاه والأهداف، ووضع تصور للمستقبل قبل أن تتوافر بالضرورة كل الإمكانات اللازمة لتحقيقه.
وقد لا تتحقق جميع هذه الخطوات الآن، وقد تحتاج إلى سنوات من العمل، وإمكانات مالية وبشرية وتقنية، وشراكات مع مؤسسات وجهات متخصصة، وربما إلى مؤسسات تتبنى أجزاء من هذه الرؤية وتساعد على تحويلها من تصور مكتوب إلى مشروعات قائمة.
لكن توثيق الرؤية منذ البداية يفتح الباب أمام المستقبل.
فحين تأتي الفرصة، أو يظهر الشريك، أو تتوافر الإمكانات، تكون الخريطة موجودة، والأهداف محددة، والخطوات مرسومة، والخبرة المتراكمة جاهزة للبناء عليها.
كما أن المشروع، منذ بدايته، لا ينظر إلى المؤسسات الإسلامية الرسمية والدولية باعتبارها مجرد جهات يمكن التعاون معها عند الحاجة، وإنما يرى في الشراكة معها فرصة طبيعية لتوسيع العمل وتبادل الخبرات والمعلومات، مع الحفاظ على استقلالية المشروع ومنهجه المهني.
وهكذا يصبح «مسلمون حول العالم» أكثر من موقع إلكتروني، وأكثر من أرشيف للتقارير؛ يصبح مشروعًا يمكن أن تتكامل فيه الصحافة مع البحث العلمي، والتوثيق مع الإعلام، والمعرفة مع التقنية، والذكاء الاصطناعي مع الخبرة الإنسانية.
إنها خريطة طريق لمشروع بدأ بخطوة، ثم راكم الخبرة والمحتوى والمنهج، ويتطلع إلى بناء منظومة إعلامية ومعرفية متخصصة في المجتمعات المسلمة حول العالم.
قد تبدأ الخريطة بموقع، وقد تتطور إلى مركز دراسات، وقناة، ومنصة معلومات، وأدوات ذكاء اصطناعي، وقد تفتح مستقبلًا أبوابًا لمشروعات أخرى لم تُرسم تفاصيلها بعد.
لكن الفكرة الأساسية تبقى واحدة:
أن يكون هناك مشروع متخصص يعرف ماذا يريد أن يوثق، ولماذا يوثقه، وكيف يقدمه، ولمن يقدمه، وكيف يحافظ على دقته واستقلاليته ومهنيته.

