من المكتبة والمتحف إلى الكتاب والفعاليات العامة..
حضور يتفاعل مع المجتمع ومؤسساته الثقافية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في لفيف، إحدى المدن التي تتقاطع فيها روافد ثقافية وحضارية متعددة في فضاء أوروبا الشرقية، لا يظهر حضور الإسلام من خلال المسجد وحده، وإنما عبر الكتاب والمكتبة والمتحف والفعاليات الثقافية المفتوحة.
وفي هذا السياق، تقدم تجربة مركز «محمد أسد» الثقافي الإسلامي صورة لدور يمكن أن تؤديه المراكز الإسلامية حين تجعل من الثقافة جسرًا للتعريف بالإسلام وتاريخه وحضارته، ووسيلة للتواصل المباشر مع مختلف شرائح المجتمع.
معرض الكتاب.. بوابة للحضور الثقافي
تكتسب مشاركة مركز «محمد أسد» في معرض لفيف الدولي للكتاب أهمية خاصة، باعتبار المعرض مساحة ثقافية تلتقي فيها دور النشر والقراء والباحثون والمهتمون بالمعرفة، وتتيح للمشاركين التواصل مع جمهور واسع خارج الأطر المتخصصة.
وخلال الدورة الثالثة والثلاثين للمعرض، التي أقيمت خلال الفترة من 10 إلى 13 سبتمبر، أقام المركز جناحًا في شارع كوبرنيكا 17، بالطابق الثاني، الجناح رقم 232، عرض خلاله مجموعة متنوعة من الكتب باللغة الأوكرانية حول الإسلام وتاريخه وحضارته.
ومن خلال هذا الحضور، لم يقدم المركز الكتاب الإسلامي باعتباره مادة موجهة إلى جمهور ديني محدد فحسب، وإنما وضع المعرفة المتعلقة بالإسلام داخل واحدة من أبرز مساحات التفاعل الثقافي في المدينة، وباللغة التي يتعامل بها القارئ الأوكراني.
لفيف.. فضاء للقاء الحضارات
وتمنح الطبيعة الثقافية والتاريخية لمدينة لفيف هذه المشاركة دلالة أوسع؛ فالمدينة تمثل فضاءً تتقاطع فيه روافد ثقافية وحضارية متعددة في شرق أوروبا، وهو ما يجعل الفعاليات الثقافية مجالًا للتعارف بين التجارب المختلفة.
وفي هذا السياق، يصبح حضور التاريخ الإسلامي في المشهد الثقافي للمدينة جزءًا من التعريف بالتنوع الحضاري الذي عرفته المنطقة، وإبراز الإسلام بوصفه مكونًا تاريخيًا وثقافيًا يمكن التعرف إليه من خلال مصادره وتراثه ومؤسساته.
ومن هنا تبرز أهمية الجمع بين معرض الكتاب وأيام التراث الأوروبي في تجربة المركز؛ إذ انتقل الحضور الإسلامي من فضاء الكتاب إلى فضاء التراث والتعريف بتاريخ الإسلام في لفيف.
المركز.. الثقافة بوابة إلى المجتمع

تكشف أنشطة مركز «محمد أسد» عن توجه نحو الاستفادة من الفرص التي تتيحها الحياة الثقافية في المدينة، وعدم حصر التواصل مع الجمهور داخل المركز، وإنما الحضور حيث تقام الفعاليات الثقافية والمعرفية العامة.
وتتسع هذه التجربة من خلال إنشاء مكتبة تضم كتبًا في الإسلام وتاريخه وحضارته، بما يجعلها مساحة يمكن أن يقصدها الباحثون والمهتمون الأوكران، إلى جانب التعريف بالإسلام من خلال الكتب والمنشورات باللغة المحلية.
كما يضم المركز متحف «تاريخ الإسلام في أوكرانيا»، رغم كونه في صورة محدودة، بما يمثل نواة لمشروع توثيقي يحفظ ما يتوافر من مواد مرتبطة بالتراث الإسلامي، ويتيح للزائر التعامل مع التاريخ الإسلامي من خلال القطع والمواد والشواهد، وليس عبر النصوص وحدها.
ويمتد هذا الدور إلى المجال العام من خلال إهداء المكتبات العامة مجموعات من الكتيبات التي تتناول الإسلام والتتار والقرآن والحضارة الإسلامية باللغات المحلية، بما يوسع دائرة الوصول إلى المعرفة الإسلامية ويضعها في متناول جمهور لا يرتبط بالضرورة بالمركز أو بالمجتمع المسلم.
من المسجد إلى المجال الثقافي

تكشف تجربة المركز عن مفهوم أوسع لدور المؤسسة الإسلامية؛ فالحضور هنا لا يتحرك في مساحة دينية منفصلة عن محيطها، وإنما يتقاطع مع المكتبة والكتاب والمتحف والمعرض والتراث والفعاليات الثقافية، إلى جانب التواصل مع المؤسسات الثقافية والمجتمع المحلي.
وخلال «أيام التراث الأوروبي في لفيف»، استضاف المركز الزوار، وقدم إمام المسجد عرضًا حول تاريخ الإسلام في المدينة وأنشطة المركز، كما أتيح لهم الاطلاع على أروقة المركز ومتحف «تاريخ الإسلام في أوكرانيا».
وبذلك تتكامل أدوات التواصل؛ فالكتاب باللغة الأوكرانية يفتح باب القراءة، والمكتبة توفر مساحة للباحث والمهتم، والمتحف يقدم جانبًا من التاريخ والتراث، بينما تتيح الفعاليات الثقافية اللقاء المباشر والحوار، لتصبح المؤسسة الإسلامية جزءًا من المشهد الثقافي العام للمدينة.
نموذج للحضور الثقافي
تكمن أهمية تجربة مركز «محمد أسد» في أنها تقدم، في حدود ما توثقه أنشطته، نموذجًا يمكن دراسته ضمن تجارب المراكز الإسلامية التي تسعى إلى بناء حضور ثقافي وحضاري متفاعل مع المجتمع الذي تعمل فيه.
ولا تكمن القيمة في تعدد الأنشطة منفردة، وإنما في ترابطها حول فكرة واحدة، هي تحويل المركز الإسلامي إلى مساحة مفتوحة للمعرفة والتعريف بالإسلام والتراث والتاريخ، والتواصل مع المجتمع من خلال أدواته الثقافية ومؤسساته وفعالياته.
ومن المكتبة إلى المعرض، ومن الكتاب إلى المتحف، ومن التوثيق إلى المشاركة في الفعاليات العامة، تتشكل تجربة تجعل الثقافة وسيلة للتواصل الحضاري، وتفتح المجال أمام التعرف إلى الإسلام من خلال المعرفة والتاريخ والتراث والحوار، بعيدًا عن حصر الحضور الإسلامي في إطار النشاط الديني التقليدي.
المصدر: مركز «محمد أسد» الثقافي الإسلامي في مدينة لفيف.