المبادرة تؤكد دور القيادات الدينية في حماية مسار السلام ودعم الاستقرار في الإقليم المسلم جنوب الفلبين

مسلمون حول العالم – خاص – هاني صلاح
في جنوب الفلبين، حيث يطوي إقليم بانغسامورو صفحات عقود طويلة من الصراع المسلح ويمضي نحو ترسيخ السلام والاستقرار، تكتسب المبادرات المجتمعية والدينية أهمية استثنائية في حماية مسار التحول السياسي الجديد.
ويأتي ذلك في وقت يستعد فيه الإقليم لخوض أول انتخابات برلمانية ضمن نظام الحكم الذاتي الذي أُنشئ بموجب اتفاقية السلام التاريخية، ما يجعل نجاح العملية الانتخابية ركيزة أساسية لمستقبل المشروع السياسي لمسلمي جنوب الفلبين.
وفي هذا السياق، تبرز دار الإفتاء في بانغسامورو بوصفها إحدى أهم المؤسسات الدينية المؤثرة في الإقليم، من خلال دورها المحوري في تعزيز التعايش بين المكونات الدينية والعرقية المختلفة، وبناء شراكات تجمع المسلمين والمسيحيين والشعوب الأصلية حول هدف مشترك يتمثل في حماية السلم المجتمعي وترسيخ ثقافة المشاركة المسؤولة.
ومن هذا المنطلق، جاء الحوار بين الأديان الذي نظمته دار الإفتاء ليؤكد أهمية توحيد الجهود المجتمعية لضمان انتخابات نزيهة وسلمية تعزز الاستقرار وتحافظ على المكاسب التي تحققت في مسيرة السلام وإعادة بناء مؤسسات الحكم في الإقليم.
تمكين المجتمعات المحلية
فقد نظمت دار الإفتاء في بانغسامورو، أعلى سلطة دينية إسلامية في إقليم بانغسامورو ذاتي الحكم بمنداناو، حوارًا بين الأديان تحت شعار «تمكين المجتمعات من خلال المبادرات الدينية من أجل انتخابات نزيهة وسلمية»، وذلك في مدينة كوتاباتو يوم 16 يونيو 2026، بمشاركة ممثلين عن مختلف الأديان والمكونات المجتمعية في الإقليم.
وهدفت المبادرة إلى تعزيز التفاهم المتبادل، وتوسيع مجالات التعاون بين القيادات الدينية، ودعم الجهود الرامية إلى ضمان انتخابات سلمية وشاملة تعكس تطلعات سكان الإقليم وتدعم استقراره السياسي والاجتماعي.
دار الإفتاء تقود مبادرة لتعزيز الشراكة المجتمعية
جمع اللقاء ممثلين عن المؤسسات الإسلامية، والقيادات الإنجيلية، وحركة المسيحيين من أجل السلام، والشعوب الأصلية، وقبيلة تيدوراي، والكنيسة الكاثوليكية الرومانية، وأبرشية كوتاباتو، إلى جانب عدد من الشخصيات والهيئات الدينية والمجتمعية الفاعلة في الإقليم.
وأكد المشاركون أهمية تعزيز التعاون بين مختلف المكونات الدينية والثقافية، وترسيخ ثقافة الاحترام المتبادل والحوار البناء، بما يسهم في حماية النسيج المجتمعي وتعزيز الاستقرار خلال المرحلة السياسية المقبلة.
الانتخابات البرلمانية الأولى واختبار التحول السياسي
يكتسب هذا الحوار أهمية خاصة في ظل استعداد إقليم بانغسامورو لإجراء أول انتخابات برلمانية منذ تأسيسه ككيان سياسي يتمتع بالحكم الذاتي في إطار اتفاق السلام الموقع بين الحكومة الفلبينية وجبهة مورو الإسلامية للتحرير.
وتُنظر إلى هذه الانتخابات باعتبارها محطة مفصلية في مسار الانتقال من مرحلة الصراع إلى مرحلة بناء المؤسسات المدنية وترسيخ الحكم الديمقراطي، الأمر الذي يجعل الحفاظ على السلم المجتمعي ونزاهة العملية الانتخابية أولوية مشتركة لجميع القوى الدينية والمجتمعية.
القيادات الدينية ودورها في ترسيخ الاستقرار
ناقش المشاركون أهمية الدور الذي يمكن أن تؤديه المؤسسات الدينية في نشر الوعي الانتخابي، وتشجيع المشاركة المسؤولة، وتعزيز قيم النزاهة والشفافية واحترام القانون.
كما شددوا على ضرورة مواجهة خطابات الانقسام والكراهية، والعمل على توظيف التأثير الإيجابي للقيادات الدينية في دعم الوحدة المجتمعية وترسيخ ثقافة الحوار والتعاون بين مختلف مكونات المجتمع.
بانغسامورو.. تجربة سلام تستحق الحماية
يُعد إقليم بانغسامورو من أبرز نماذج التحول السياسي في جنوب شرق آسيا، حيث جاء تأسيسه ثمرة سنوات طويلة من المفاوضات وجهود السلام الرامية إلى معالجة جذور النزاع وتحقيق تطلعات المسلمين في جنوب الفلبين ضمن إطار الدولة الفلبينية.
ومع دخول الإقليم مرحلة بناء المؤسسات وتعزيز الحكم الذاتي، تزداد أهمية المبادرات التي تجمع مختلف المكونات الدينية والعرقية حول أهداف مشتركة، بما يضمن استدامة السلام وتعزيز الثقة بين المجتمع ومؤسساته.
خاتمة
يعكس الحوار الذي قادته دار الإفتاء في بانغسامورو إدراكًا متزايدًا بأن نجاح التجربة السياسية الجديدة في جنوب الفلبين لا يعتمد على المؤسسات الرسمية وحدها، بل يتطلب شراكة واسعة بين القيادات الدينية والمجتمعية والشعوب الأصلية. وفي وقت يستعد فيه الإقليم لأول انتخابات برلمانية في تاريخه، تبدو مثل هذه المبادرات عنصرًا أساسيًا لحماية منجزات السلام وترسيخ الاستقرار وبناء مستقبل أكثر أمنًا وتماسكًا لجميع مكونات المجتمع.
المصدر: دار الإفتاء في بانغسامورو
(Bangsamoro Darul-Ifta’ BARMM).