على امتداد أكثر من خمسة قرون ونصف حافظت القرية على هويتها الدينية والثقافية وظلت مركزًا للعلم والتعليم والحياة الاجتماعية للمسلمين التتار

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في السهول الممتدة على ضفاف نهر الفولغا، لا تزال القرى التترية القديمة تحتفظ بملامحها التي صاغتها قرون من التاريخ، حيث تتجاور المساجد مع البيوت التقليدية، وتبقى الذاكرة حاضرة في تفاصيل المكان، جيلاً بعد جيل. فهذه القرى ليست مجرد تجمعات سكانية، بل صفحات حية من تاريخ المسلمين في روسيا، وشاهدًا على قدرتهم على الحفاظ على هويتهم رغم تعاقب الأزمنة.
وتكتسب هذه القرى أهمية خاصة لأنها تمثل الجذور الأولى للمجتمع التتري المسلم، حيث ما زالت التقاليد الدينية والثقافية حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، وتتحول المناسبات التاريخية إلى فرصة لاستحضار الماضي، وتجديد الارتباط بالهوية، ونقل هذا الإرث إلى الأجيال القادمة.
«مستودع الذاكرة التاريخية والشيفرة الوراثية»
وفي هذا السياق، شهدت قرية «سافاجاي» التابعة لمنطقة بيلنينسكي في مقاطعة نيجني نوفغورود، الواقعة في الجزء الأوروبي من روسيا، احتفالات الذكرى الـ575 لتأسيسها، بمشاركة فضيلة المفتي مقدس بيبارسوف، رئيس الإدارة الدينية لمسلمي منطقة الفولغا، الذي لبّى دعوة الشيخ إلدار حضرة نوريمانوف، نائب رئيس الإدارة الدينية لمسلمي روسيا، للمشاركة في المناسبة، مؤكدًا أن القرى التترية تمثل «مستودع الذاكرة التاريخية والشيفرة الوراثية» للمجتمع التتري المسلم، مشددًا على أن الحفاظ عليها يعني حماية الجذور التي تشكل هوية الأجيال المقبلة، وترسيخ الوعي بتاريخ المسلمين في روسيا.
تُعد قرية «سافاجاي» من أقدم القرى التترية في روسيا، إذ يعود تاريخ تأسيسها إلى عام 1451، ما يجعلها واحدة من أقدم الشواهد الحية على الوجود الإسلامي والتتري في منطقة الفولغا. وعلى امتداد أكثر من خمسة قرون ونصف، حافظت القرية على هويتها الدينية والثقافية، وظلت مركزًا للعلم والتعليم والحياة الاجتماعية للمسلمين التتار.
575 عامًا من التاريخ الإسلامي والتتري
لم تقتصر احتفالات الذكرى الـ575 على استذكار تاريخ القرية، بل تحولت إلى مناسبة لتأكيد استمرار ارتباط المجتمع المحلي بجذوره التاريخية، واستحضار الدور الذي لعبته القرى التترية في الحفاظ على اللغة والدين والعادات والتقاليد الإسلامية، باعتبارها الحاضنة الأولى للهوية التترية في روسيا.
وأشار المفتي مقدس بيبارسوف إلى أن قرية سافاجاي كانت تضم قبل الثورة الروسية ثمانية مساجد، بينما تضم اليوم خمسة مساجد أُعيد بناؤها وتقام فيها الشعائر بانتظام، وقد أمَّ المفتي صلاة الجمعة في أقدمها، مؤكدًا في خطبته أهمية الارتباط بالجذور، وصون تاريخ الوطن الصغير، والحفاظ على الذاكرة الجماعية للمجتمع.
مدارس صيفية تبني الأجيال الجديدة
ولا يقتصر اهتمام أهالي القرية على الحفاظ على المباني التاريخية، بل يمتد إلى الاستثمار في الأجيال الجديدة، حيث تنظم مدارس صيفية يشارك فيها أكثر من 200 طفل، في إطار برامج تعليمية وثقافية تعزز الهوية الإسلامية والتترية، وتربط الأبناء بتاريخ مجتمعهم وتراثه.
القرى التاريخية وصون الوجود الإسلامي
ورغم انتقال أعداد كبيرة من أبناء القرية للإقامة والعمل في العاصمة موسكو، فإنهم ما زالوا يحافظون على ارتباطهم الوثيق بقريتهم، ويسهمون في تنميتها ودعم مشروعاتها، وهو ما انعكس على توسعها العمراني وتطورها الملحوظ خلال السنوات الأخيرة، مقارنة بما كانت عليه قبل ثلاثة أعوام.
وتبرز تجربة «سافاجاي» أهمية القرى الإسلامية التاريخية في الحفاظ على الوجود الإسلامي في روسيا، إذ تؤدي دورًا يتجاوز حدودها الجغرافية، لتصبح مراكز لحفظ اللغة والتراث والهوية، ونقل الذاكرة التاريخية من جيل إلى آخر، بما يعزز استمرارية المجتمع المسلم، ويحافظ على خصوصيته الثقافية والحضارية داخل المجتمع الروسي.
المصدر: فضيلة المفتي مقدس بيبارسوف، رئيس الإدارة الدينية لمسلمي منطقة الفولغا


