خطوة تعكس الانتقال من مرحلة الصراع إلى بناء المؤسسات
ضمن شراكة السلام بين مسلمي جنوب الفلبين وبين الحكومة المركزية في مانيلا
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في تطور يعكس التحولات السياسية والاجتماعية العميقة التي يشهدها جنوب الفلبين، أبقت لجنة القواعد في برلمان بانجسامورو مقترحين مهمين على جدول أعمالها التشريعي، يتصدرهما مشروع لإنشاء «مكتب بانجسامورو للشؤون الدينية والثقافية»، في خطوة قد تؤسس لأول إطار مؤسسي رسمي يتولى تنسيق الدعوة الإسلامية والحوار بين الأديان وتعزيز الهوية الثقافية داخل الإقليم المسلم.
ويأتي المقترح في وقت يواصل فيه إقليم بانجسامورو، الواقع جنوب الفلبين، إعادة بناء مؤسساته السياسية والاجتماعية بعد سنوات طويلة من الصراع، ضمن مرحلة ما بعد اتفاق السلام التاريخي بين الحركات الإسلامية والحكومة الفلبينية في العاصمة مانيلا، والذي منح الإقليم وضعًا سياسيًا وإداريًا خاصًا بصلاحيات واسعة.
مكتب جديد للدعوة والحوار وحماية الهوية
ويتضمن مشروع القرار رقم 716 إنشاء «مكتب بانجسامورو للشؤون الدينية والثقافية» تحت إشراف مكتب رئيس وزراء الإقليم، بهدف تحويل الأنشطة الدعوية والثقافية إلى عمل مؤسسي منظم ومستدام، بدلًا من المبادرات المتفرقة أو المؤقتة.
وبحسب التصور المطروح، سيتولى المكتب تنسيق برامج الدعوة الإسلامية القائمة على مفهوم «الحوكمة الأخلاقية»، وهو مفهوم تتبناه مؤسسات بانجسامورو بوصفه إطارًا يجمع بين الإدارة العامة والقيم الأخلاقية المستمدة من المبادئ الإسلامية.
ولا يقتصر دور المكتب على الشأن الإسلامي الداخلي، بل يشمل كذلك تعزيز الحوار بين الأديان والتواصل مع غير المسلمين والمجتمعات الأصلية والمجموعات الثقافية المختلفة داخل الإقليم، بما يسهم في بناء بيئة أكثر انسجامًا وتفاهمًا داخل مجتمع متعدد الأعراق والانتماءات.
من مرحلة الصراع إلى بناء المؤسسات
يحمل المقترح دلالات تتجاوز البعد الإداري، إذ يعكس توجهًا أوسع داخل بانجسامورو نحو الانتقال من مرحلة النزاع المسلح إلى بناء مؤسسات مستقرة تدير الشأن الديني والثقافي بصورة رسمية.
ويُنظر إلى هذا التوجه باعتباره إحدى ثمار عملية السلام التي أنهت عقودًا من التوتر بين الحركات الإسلامية المسلحة والحكومة المركزية، ونقلت المسلمين في جنوب الفلبين من المطالبة بالحقوق السياسية إلى مرحلة إدارة شؤونهم المحلية عبر مؤسسات منتخبة وتشريعية.
ويتمتع إقليم بانجسامورو بصلاحيات واسعة تتجاوز الحكم الذاتي التقليدي، تشمل إدارة ملفات التعليم والثقافة والشؤون الدينية والتنمية المحلية، مع بقاء قضايا السيادة الوطنية مثل الدفاع والعلاقات الخارجية ضمن اختصاص الحكومة الفلبينية المركزية في مانيلا، ما يجعله نموذجًا سياسيًا فريدًا يقع بين الحكم الذاتي الموسع وصلاحيات الدولة.
الهوية الثقافية جزء من مشروع الاستقرار
وفي السياق نفسه، أبقت اللجنة البرلمانية على مشروع القرار رقم 675، الذي يشجع ارتداء الأزياء التقليدية الخاصة بالمجموعات العرقية المتنوعة خلال احتفالات «يوم تأسيس بانجسامورو» والمناسبات الثقافية الكبرى.
ويبدو هذا المقترح جزءًا من سياسة أوسع تستهدف ترسيخ الهوية الثقافية الجامعة للإقليم، وإبراز التنوع الإثني داخل المجتمع المسلم، بما يدعم الشعور بالانتماء المشترك ويعزز التماسك الاجتماعي بعد سنوات من الانقسام والصراع.
شراكة جديدة بين الجنوب ومانيلا
كما تعكس هذه التحركات التشريعية طبيعة المرحلة الجديدة في العلاقة بين جنوب الفلبين المسلم والحكومة المركزية في الشمال، والتي باتت تقوم بصورة أكبر على الشراكة المؤسسية وتنفيذ بنود السلام، بدلًا من المواجهة العسكرية التي طبعت العلاقة لعقود.
ويرى مراقبون أن تعزيز المؤسسات الدينية والثقافية بصورة قانونية قد يسهم في ترسيخ الاستقرار طويل الأمد، من خلال تقوية الهوية الإسلامية المعتدلة، ودعم ثقافة التعايش، وتوسيع فرص الحوار المجتمعي بين مختلف المكونات.
ومن المقرر أن تُناقش لجنة القواعد هذه المقترحات في اجتماعات لاحقة، ضمن أجندة تشريعية أوسع تشمل قوانين ومبادرات مرتبطة بتطوير مؤسسات الإقليم وتعزيز الاستقرار المجتمعي.
ـ المصدر: برلمان هيئة بانجسامورو الانتقالية في جنوب الفلبين



