مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

اليونان.. منتدى التنمية «واحة أمان» تبني الإنسان في قلب أثينا

«الإنسان أولًا».. مشروع مستقل يجمع التعليم والتربية والثقافة والعمل المجتمعي والإنساني

من حفظ هوية الأجيال إلى احتضان التنوع وتطوير مناهج العربية.. تجربة تتسع للجاليات واللاجئين واليونانيين

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في قلب العاصمة اليونانية أثينا، وبين مجتمع تتعدد فيه الجنسيات واللغات والثقافات، تنمو تجربة اختارت الإنسان نقطة البداية وغاية الطريق؛ مساحة تلتقي فيها التربية بالمعرفة، والهوية بالانفتاح، والتعليم بالعمل الإنساني، لتصنع بيئة تحتضن الاختلاف وتبني جسور التواصل بين الناس.

وعلى امتداد أكثر من عقد، تشكّلت ملامح هذه التجربة عبر مسارات متكاملة، تكشف كيف تحوّل شعار «الإنسان أولًا» من فكرة إلى ممارسة تعليمية وتربوية وثقافية ومجتمعية وإنسانية.

ويرصد هذا التقرير تجربة منتدى التنمية من خلال محاور عدة تكشف فلسفته، وتحديات استمراره، واستقلاليته، وقدرته على احتضان التنوع، وتطوير أدواته التعليمية، وصولًا إلى البعد الإنساني الذي يجسّد شعاره: «الإنسان أولًا».

«الإنسان أولًا»..

مشروع يحفظ الهوية ويبني جسور التواصل

في قلب أثينا، يحمل منتدى التنمية رسالة تتجاوز حدود التعليم إلى بناء الإنسان وحماية هوية الأجيال الناشئة من أبناء الجاليات العربية والمسلمة، من خلال بيئة تعليمية وتربوية تساعد الأطفال على الارتباط بلغتهم العربية وهويتهم الدينية والثقافية، وتمنح الأسرة مساحة تسهم في صون هذا الارتباط وسط تحديات النشأة والحياة في مجتمع مختلف اللغة والثقافة.

ومن هذه الرؤية جاء شعار المنتدى «الإنسان أولًا»، ليعبّر عن مشروع تعليمي وتربوي وثقافي ومجتمعي ذي بُعد إنساني، يحتضن أبناء الجاليات على اختلاف جنسياتهم وخلفياتهم، ويجعل المعرفة والتربية واللغة أدوات لبناء الشخصية وتعزيز الانتماء، مع الانفتاح الإيجابي على المجتمع المحيط.

ولم يتحول الحفاظ على الهوية إلى انغلاق؛ بل فتح المنتدى أبوابه أمام اليونانيين وغيرهم من المقيمين في أثينا من غير المسلمين ممن يرغبون في تعلم اللغة العربية والتعرف من خلالها على ثقافتها، لتصبح العربية جسرًا للتواصل والتعارف بين ثقافات متعددة.

وهكذا تجمع تجربة منتدى التنمية بين مسارين متكاملين: حماية هوية الأجيال الجديدة من الذوبان، والانفتاح على الآخر عبر المعرفة واللغة والتواصل الحضاري؛ وهي المعادلة التي تمنح شعار «الإنسان أولًا» معناه التعليمي والتربوي والمجتمعي والإنساني.

11 عامًا من الصمود في مواجهة التحديات

والسبت 3 أكتوبر 2026، بدأت مدرسة منتدى التنمية، ببرامجها ودوراتها التعليمية المتعددة لمختلف المستويات والشرائح، عامها الحادي عشر، لتفتح فصلًا جديدًا في مسيرة انطلقت في نهاية عام 2015 واستطاعت أن تحافظ على استمراريتها عامًا بعد عام.

لكن هذه المسيرة لم تكن سهلة؛ فقد واجه المنتدى على امتداد سنواته تحديات متلاحقة، في مقدمتها الإجراءات والأوراق والمستندات المطلوبة في التعامل مع المؤسسات الرسمية والمالية، وما يرتبط بها من أعباء إدارية وتنظيمية تحتاج إلى متابعة وجهد متواصلين لضمان استمرار العمل في إطاره القانوني والمؤسسي.

وإلى جانب التحديات الإدارية، شكلت الأعباء المالية والمصروفات اللازمة لاستمرار المدرسة والبرامج والأنشطة تحديًا دائمًا، خاصة في ظل عدم وجود جهة تتولى دعم المشروع وتمويل احتياجاته، وهو ما جعل الحفاظ على استمرارية العمل عامًا بعد آخر مسؤولية ثقيلة تتطلب الكثير من الجهد والتعاون.

ومن هنا تكتسب بداية العام الحادي عشر دلالتها؛ فهي ليست مجرد رقم جديد في عمر المنتدى، بل هي شاهد على قدرة مشروع تعليمي وتربوي ومجتمعي على مواصلة رسالته رغم التحديات، والحفاظ على أبوابه مفتوحة أمام الأجيال الجديدة عامًا بعد عام.

استقلالية فتحت الأبواب للجميع

من أبرز سمات تجربة منتدى التنمية استقلاليته منذ انطلاق مسيرته؛ إذ اختار منذ البداية ألا يحصر نشاطه في جالية أو جنسية بعينها، وألا يكون تابعًا لأي جهة، بل أن يبقى مشروعًا مستقلًا مفتوحًا للجميع، واضعًا الإنسان في مقدمة اهتماماته.

ومنحت هذه الاستقلالية المنتدى مساحة رحبة للعمل مع أبناء الجاليات العربية والمسلمة على اختلاف جنسياتهم وخلفياتهم، وفي الوقت نفسه الانفتاح على اليونانيين وغيرهم من الأجانب المقيمين في أثينا، دون أن تصبح الجنسية أو العرق أو الانتماء إلى جاليةٍ محددة شرطًا للاستفادة من رسالته التعليمية والثقافية والمجتمعية.

وتكتسب هذه التجربة أهمية خاصة في أثينا بما تحتضنه من جنسيات وثقافات وأعراق متعددة؛ فالاستقلال هنا لم يكن مجرد وضع مؤسسي، بل أصبح أحد مفاتيح قدرة المنتدى على جمع هذا التنوع داخل مساحة مشتركة، وبناء علاقته مع المجتمع على أساس المعرفة والتواصل والاحترام المتبادل.

وبذلك تحولت الاستقلالية إلى إحدى نقاط قوة المنتدى؛ حافظت له على رسالته، ووسعت دائرة المستفيدين منه، ومنحته القدرة على أن يكون مساحة جامعة تتسع لاختلاف الثقافات والخلفيات، وتلتقي فيها حول قيمة واحدة: الإنسان.

تنوع يصنع النجاح ويضاعف التحدي

أن ينجح منتدى التنمية في جذب أطفال ينتمون إلى جنسيات وثقافات وبيئات اجتماعية ولغوية متعددة هو إنجاز في حد ذاته، لكنه في الوقت نفسه يضع أمامه واحدًا من أدق تحديات العمل التعليمي والتربوي؛ فكل طفل يأتي إلى الفصل حاملًا معه خلفية مختلفة، ومستوى لغويًا مختلفًا، وتجربة أسرية وثقافية لها خصوصيتها ومستوى ماديًا مختلفا.

فالطفل العربي، والطفل القادم من أسرة مسلمة أفريقية أو آسيوية، والطفل اليوناني الراغب في تعلم العربية، يدخل كل منهم إلى المنتدى من بوابة مختلفة، بينما يتمثل التحدي الحقيقي في احتضان هذا التنوع داخل بيئة تعليمية واحدة، تراعي الفروق والاحتياجات، وتساعد كل طفل على التعلم والتفاعل والشعور بأنه جزء من المكان.

ومن هنا لا يقاس النجاح بتعدد الجنسيات التي وصلت إلى فصول المنتدى وحسب، وإنما بما يحدث بعد أن تجتمع داخلها؛ أطفال مختلفون في الجذور واللغات والثقافات، تجمعهم المعرفة في مساحة واحدة للتعلم والتعارف والاحترام المتبادل.

مناهج عربية بروح البيئة اليونانية

وفي إطار التطوير المستمر لأدوات التعليم، أعدت د. كوثر سرحان، مسؤولة التعليم والتربية في المنتدى، مناهج خاصة لتعليم اللغة العربية للأطفال، تتضمن شروحات باللغة اليونانية لتيسير الفهم والتعلم، انطلاقًا من واقع أن أطفال المنتدى يعيشون ويدرسون في اليونان، وتجمعهم اليونانية مهما اختلفت أصولهم ولغات أسرهم.

وتخدم هذه المناهج أبناء الجاليات العربية الذين يحتاجون إلى تعزيز لغتهم الأم، وأطفال الجاليات المسلمة من أصول أفريقية وآسيوية ممن لا يتحدثون العربية، إلى جانب الأطفال اليونانيين الراغبين في تعلمها.

وقد أُعدت هذه المناهج وطُبعت وأصبحت تُدرّس بالفعل في المنتدى، لتقدم تجربة تعليمية تراعي البيئة اللغوية للطفل، وتجعل من اللغة التي تجمع الأطفال في حياتهم اليومية جسرًا ييسر لهم تعلم العربية.

عقد منتدى التنمية اتفاقية تعاون مع الكلية الجامعية العربية للتكنولوجيا (كلية المجتمع العربي) في عمان لمنح طلاب المنتدى شهادات إتقان للغة العربية. وقد حصل عشرات الشبان والشابات على هذه الشهادات، الأمر الذي فتح أمامهم آفاق عمل ومستقبل واسعة في مؤسسات رسمية وغير رسمية عديدة. 

كما يقيم المنتدى دروسًا في اللغة اليونانية لأبناء الجالية العربية، خاصة للنساء اللواتي يرغبن في دخول سوق العمل المحلي أو اكتساب المهارات اللغوية للتعامل مع المجتمع اليوناني. 

هذه الدروس ساعدت عشرات النساء والشبان والشابات في تعلم اليونانية والعثور على عمل والانطلاق في وسط اليوناني، لا سيما في مجال الترجمة بين اللغة العربية واللغة اليونانية، حيث عثر شبان كثيرون على وظيفة مترجم في المنظمات الإنسانية والمحاكم اليونانية. 

«الإنسان أولًا»..

التعليم جزء من مشروع أكبر

مدرسة المنتدى لنهاية الأسبوع هي أحد أوجه مشروع أوسع يجمع التعليم والتربية والثقافة والمعرفة والعمل الاجتماعي والإنساني. فعلى مدار سنواته، استهدف المنتدى الأطفال والشباب والفتيات والأسر، وقدم تعليم اللغات والأنشطة الثقافية والمعرفية والاجتماعية، كما انفتح على اليونانيين الراغبين في تعلم العربية.

حمل منتدى التنمية اللغة العربية إلى مؤسسات يونانية عديدة. فقد درّس ناشطوه اللغة العربية في مؤسسات بلدية محلية، وفي مؤسسات تعليمية عديدة مثل كليات العلوم السياسية والاجتماعية مثل جامعة بانديون للعلوم السياسية والاجتماعية وجامعة كورينثوس. كما شاركت د. كوثر سرحان في مؤتمر في الكويت باسم المنتدى، حيث تحدثت عن نشاطاته المختلفة. 

وامتدت رسالة المنتدى إلى الميدان الإنساني، خاصة خلال الفترات التي شهدت فيها اليونان موجات من اللاجئين؛ فاستقبل من استطاع الوصول إليهم، واحتضنهم، وزار آخرين في أماكن وجودهم، وقدم لهم المساعدات الإنسانية، إلى جانب برامج تربوية وتعليمية تسهم في رعاية الأطفال والأسر ومساندتهم في ظروفهم الصعبة.

وقد زار أعضاء المنتدى عدة مخيمات للاجئين لتوزيع المواد الغذائية ولحوم الأضاحي على المقيمين فيها، كما وزعوا عليهم مواد دراسية وأدوات تعليمية. كذلك كلفوا معلمين لاجئين مقيمين في تلك المخيمات بتدريس اللغة العربية والقرآن الكريم للأطفال والنساء. في الخط نفسه أرسل المنتدى دفعات من منهاجه الدراسي إلى أبناء الجاليات المقيمين في بعض الجزر والمناطق اليونانية لتعليم الأطفال اللغة العربية. 

ومن هنا تصبح عبارة «الإنسان أولًا» أكثر من شعار؛ فهي الفكرة التي تجمع مختلف مسارات المشروع، سواء كان المستفيد من المقيمين في اليونان أو ممن قادتهم إليها ظروف إنسانية عابرة، وتجعل التعليم وسيلة لبناء الشخصية، والمعرفة طريقًا لتنمية القدرات، والثقافة مساحة للتواصل، والعمل المجتمعي بابًا لخدمة الناس.

وفي هذه الرؤية تتكامل أدوار المنتدى حول غاية واحدة: أن يكون الإنسان هو نقطة البداية ومحور العمل وهدفه؛ فاللغة أداة، والتعليم طريق، والثقافة جسر، بينما يبقى بناء الإنسان وخدمته هو الغاية.

وتعاون المنتدى مع مؤسسات محلية لتدريس مهارات الحاسوب الالكتروني واللغات المختلفة. وقد درس في هذه الدورات عشرات الشباب المهاجرين وحصلوا على شهادات من مؤسسات أكاديمية ومهنية فتحت أمامهم آفاق عمل في مؤسسات وشركات محلية ودولية. 

كذلك كانت للمنتدى محاولات لتأسيس فريق كرة قدم للناشئة من أبناء الجالية حالت ظروف مثل وباء كورونا ثم رحيل قسم كبير من اللاجئين إلى بلاد أوروبية أخرى. وتستمر هذه المحاولات بأشكال أخرى بالتنسيق مع مؤسسات ومساجد في البلد. 

وبالتنسيق مع مؤسستين عاملتين في اليونان، أقام المنتدى صلاة عيد الأضحى الأخيرة في ملعب بلدي في مدينة أثينا، وذلك بعد انقطاع هذه الصلوات الجامعة من أثينا لمدة سنوات طويلة. وكانت الصلاة ناجحة وجامعة وضمت أعدادًا كبيرة من مسلمي أثينا الذين عبروا عن فرحتهم بهذا النشاط المميز. 

ويستقبل مقر المنتدى أبناء الجالية في مناسباتهم الاجتماعية المختلفة من أفراح ومعايدات أو مناسبات عزاء. وقد بدأت عائلات شابة كثيرة حياتها الأسرية من قاعة المنتدى، ولا تزال تحافظ على مودتها له وتزوره بانتظام. 

وقد كان المنتدى – ولا يزال – ملجأ كثير من الأسر التي كانت تواجه مشكلات أسرية كادت تودي بها وتؤدي بها إلى التفكك والانهيار. وكان مقر المنتدى – ولا يزال – ملجأ أجيال كثيرة كانت تطلب الأمن والأمان من العنف الأسري والخلافات وانعدام الأمان الأسري. 

ويقيم المنتدى كذلك سلسلة من النشاطات الثقافية والتوعوية تركز حول واقع الجاليات في اليونان والعلاقات العربية اليونانية وتاريخ اليونان والمشاركة السياسية لأبناء الجالية العربية في البلد. 

كما أقام المنتدى رحلات ترفيهية هادفة لعموم أبناء الجالية ولطلابه زاروا فيها مناطق يونانية مختلفة. ولا تزال هذه الرحلات تشكل ذكريات جميلة لمئات من شبان وشابات الجالية العربية في اليونان. 

ولا يزال منتدى التنمية يسعى إلى تطوير مهارات القائمين عليه وتنويع نشاطاته وتوسيع مداه حتى يصل إلى أنحاء اليونان بأسرها، حيث إن الحاجات والتحديات كبيرة ومتزايدة وتتطلب بذل المزيد من الجهود من جميع الأطراف.

التخطي إلى شريط الأدوات