مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

«نريد العودة إلى ديارنا».. حلم يتوارثه الروهينجا بين وطن لم يصبح آمنًا ومخيمات تتراجع فيها مقومات الحياة

ميانمار.. بعد 9 سنوات من النزوح 1.2 مليون لاجئ من الروهينجا ينتظرون عودة لا تتوافر شروطها بينما يبقى السؤال: أين الحل؟

أكثر من 30 ألف طفل يولدون سنويًا في المخيمات وجيل كامل من أطفال الروهينجا يكبر في المنفى محرومًا من حياة طبيعية وآفاق مستقبل آمن ولم يعرف من وطنه سوى حكايات الآباء

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

تتوارث أجيال من الروهينجا حياة لم تختَرها؛ أطفال يولدون في المخيمات، وشباب يكبرون بعيدًا عن ديارهم، وأسر تحمل منذ سنوات حلم العودة دون أن تعرف متى يصبح ممكنًا. وبين وطن لا تزال فيه أسباب الخوف قائمة، ومنفى تتراجع فيه المساعدات والفرص، تمتد أزمة إنسانية بات الزمن نفسه أحد أثقل أعبائها.

1.2 مليون لاجئ في بنغلاديش

بعد تسع سنوات على موجة التهجير الجماعي الكبرى من ميانمار، لا يزال نحو 1.2 مليون لاجئ من الروهينجا يقيمون في بنغلاديش، فيما تؤكد الأمم المتحدة أن الظروف الملائمة لعودتهم الطوعية والآمنة والكريمة والمستدامة لا تتوافر حتى الآن.

وتعود جذور النزوح إلى عقود سابقة، إذ استضافت بنغلاديش موجات متتالية من اللاجئين منذ أواخر سبعينيات القرن الماضي، قبل أن يشهد أغسطس/آب 2017 أكبر موجة، عندما فر نحو 750 ألفًا من الروهينجا من ميانمار إلى بنغلاديش.

وبعد قرابة عقد على تلك الموجة، تصف الأمم المتحدة وضع الروهينجا بأنه واحد من أكثر أزمات اللاجئين تعقيدًا وأطولها أمدًا في العالم، في ظل استمرار الصراع في ميانمار وتراجع فرص التوصل إلى حلول مستدامة.

وتشير الأمم المتحدة إلى أن الروهينجا ومجتمعات أخرى في ميانمار لا يزالون عالقين في الصراع والنزوح، وسط انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وتقييد حرية التنقل ووصول المساعدات الإنسانية، فضلًا عن التجنيد القسري والاعتقالات التعسفية والعنف الجنسي.

جيل يولد في المخيمات

وتكشف الأرقام أحد أعمق الأبعاد الإنسانية للأزمة؛ إذ يولد أكثر من 30 ألف طفل سنويًا داخل المخيمات، فيما قضى الأطفال الذين ولدوا عام 2017 طفولتهم كاملة في التهجير.

وحذرت جولي بيشوب، المبعوثة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة المعنية بميانمار، من تزايد المخاطر التي تواجه النساء والفتيات في المخيمات، بما فيها العنف القائم على النوع الاجتماعي، في الوقت الذي تتراجع فيه خدمات الحماية، مؤكدة أن الشباب يفقدون الأمل.

ويزيد تراجع التمويل الدولي من صعوبة الحياة اليومية للاجئين، إذ يؤدي نقص الموارد، وفق الأمم المتحدة، إلى انخفاض الغذاء والتعليم والفرص والضغط على الخدمات الصحية والأساسية، بينما ترتفع مخاطر الاستغلال والاتجار بالبشر والتجنيد القسري والرحلات البحرية الخطرة.

وأعرب الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش عن قلقه إزاء تزايد أعداد الروهينجا الذين يلقون حتفهم في البحر، داعيًا إلى تعزيز التعاون الإقليمي في البحث والإنقاذ والإنزال الآمن ومكافحة الاتجار بالبشر، كما حذر من تصاعد المعلومات المضللة وخطاب الكراهية الذي يستهدفهم في ميانمار ودول أخرى في المنطقة.

العنف لا يصنع حلًا

ويقدم رئيس الجمعية العامة للأمم المتحدة خليل الرحمن، الذي عمل مباشرة على أزمة الروهينجا، وصفًا شديد القسوة لما تعرض له هؤلاء، قائلًا: «إنها أزمة إنسانية خطيرة – شعب يتعرض للهجوم، ومنازله تُقصف، وقراه تُحرق، ويُطرد من قبل أبناء وطنه. تُشق بطون الأمهات الحوامل وتُلقى الأجنة في النار».

وفي مقابل هذه المأساة، يؤكد خليل الرحمن أنه رأى أيضًا صمود الروهينجا وقدرتهم على البقاء وتوقهم إلى العودة إلى ديارهم.

واستعاد مشهدًا من زيارة الأمين العام للأمم المتحدة إلى كوكس بازار في بنغلاديش، عندما تجمع أكثر من 100 ألف لاجئ في إحدى أمسيات رمضان لتناول الإفطار معه، وكان كل منهم يحمل لافتة كُتب عليها: «نريد العودة إلى ديارنا».

ومن تجربته المباشرة مع الأزمة، يخلص رئيس الجمعية العامة إلى أن «العنف لن يحل أي مشكلة»، وأنه لن يؤدي إلا إلى تأجيلها وتفاقمها، مؤكدًا أنه «لا سبيل لحل هذه القضايا إلا من خلال الحوار والتفاوض، والتكاتف».

لكن العودة التي يتطلع إليها الروهينجا، وفق مسؤولي الأمم المتحدة، لا تعني مجرد عبور الحدود إلى ميانمار. فهي ترتبط بالتمتع بالحقوق، وحرية التنقل، والتعليم والعمل والحصول على الخدمات، والعيش مع المجتمعات الأخرى دون خوف، إلى جانب وجود مسار للحصول على الجنسية.

أين الحل؟

تضع الأمم المتحدة جذور الحل داخل ميانمار، وتدعو المجتمع الدولي إلى دعم عملية سياسية شاملة تعالج الأسباب الأساسية للأزمة، مع وقف العنف وحماية المدنيين وضمان المساءلة والعدالة، فيما تواصل مبعوثة الأمين العام التواصل مع الأطراف المعنية لدفع عملية سياسية شاملة.

وتبقى قضية الإبادة الجماعية التي رفعتها غامبيا ضد ميانمار أمام محكمة العدل الدولية جزءًا من مسار المساءلة، فيما يشدد مسؤولو الأمم المتحدة على أن العدالة يجب أن تكون جزءًا من أي حل دائم.

وفي المقابل، لا تستطيع بنغلاديش، التي تستضيف أكبر تجمع للاجئي الروهينجا، تحمل أعباء الأزمة إلى أجل غير مسمى، بينما يؤدي تراجع التمويل الدولي إلى زيادة الضغوط على اللاجئين والمجتمعات المضيفة معًا.

وهكذا، وبعد تسع سنوات من موجة النزوح الكبرى، تتضح شروط الحل أكثر مما يتضح موعد الوصول إليه: وقف العنف، ومعالجة جذور الأزمة، وضمان الحقوق والعدالة والمواطنة، وتهيئة الظروف لعودة طوعية وآمنة وكريمة ومستدامة.

وإلى أن تتحقق هذه الشروط، يبقى نحو 1.2 مليون لاجئ في بنغلاديش أمام واقع معلّق بين وطن يتطلعون إلى العودة إليه ولا تتوافر فيه بعد شروط العودة، ومخيمات تستقبل كل عام عشرات الآلاف من الأطفال الجدد؛ فيما يظل السؤال الذي تختصره سنوات الأزمة قائمًا: أين الحل؟

ـ المصدر: أخبار الأمم المتحدة

 

التخطي إلى شريط الأدوات