مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

طبيب من قرية نائية أسس منظومة مستدامة أعادت البصر لمئات الآلاف داخل نيبال وخارجها

نيبال.. ساندوك رويت يحوّل علاج العمى إلى مشروع إنساني عالمي يخدم الفقراء

«الجراح حافي القدمين»..

قصة ابتكار طبي منخفض التكلفة غيّرت حياة الملايين حول العالم

مسلمون حول العالم ـ متابعات ـ بتصرف

في أعالي جبال نيبال، الدولة الواقعة بين الهند والصين في جنوب آسيا، وُلدت واحدة من أكثر قصص العمل الإنساني إلهامًا في المجال الطبي خلال العقود الأخيرة. فهناك استطاع طبيب العيون النيبالي ساندوك رويت أن يحول معاناة الفقراء مع العمى إلى مشروع عالمي يجمع بين الابتكار الطبي والخدمة الإنسانية والاستدامة المؤسسية.

وتأتي أهمية هذه التجربة في وقت لا يزال فيه الملايين حول العالم يعانون من أمراض يمكن علاجها بسهولة لو توفرت الخدمات الطبية المناسبة، لتقدم تجربة ساندوك رويت نموذجًا عمليًا يبرهن أن الابتكار الحقيقي لا يقاس فقط بالتطور التقني، بل بقدرته على الوصول إلى الفئات الأكثر احتياجًا.

سلسلة «نقاط مضيئة»

قراءة في الشخصيات الملهمة والتجارب

التي صنعت أثرًا إنسانيًا ومعرفيًا ممتدًا

من قرية فقيرة إلى حلم إنقاذ الفقراء

بقلم الدكتور مجدي سعيد ـ كاتب صحفي مقيم في لندن

نشأ ساندوك رويت في إحدى القرى النائية الفقيرة في نيبال، حيث كانت الخدمات الصحية محدودة للغاية. وشكلت وفاة شقيقته في سن الخامسة عشرة بعد إصابتها بمرض السل وعدم تمكنها من الحصول على العلاج المناسب نقطة تحول كبرى في حياته، ودافعًا قويًا لمواصلة التعليم والسعي إلى خدمة الفقراء والمحرومين.

وبعد دراسة الطب العام في الهند والتخرج عام 1976، عاد إلى نيبال ليبدأ مسيرته المهنية قبل أن يتخصص في طب وجراحة العيون، وهو التخصص الذي سيصبح لاحقًا بوابته نحو إحداث تغيير واسع النطاق داخل بلاده وخارجها.

لقاء غيّر مسار طب العيون للفقراء

خلال عمله في أحد مستشفيات العيون في نيبال، التقى بجراح العيون الأسترالي فريد هولوز، الذي اشتهر بمشاريعه الإنسانية في عدد من الدول الفقيرة. وسرعان ما تطورت العلاقة بينهما إلى شراكة مهنية وإنسانية أثمرت تطوير أسلوب جراحي فعال لعلاج المياه البيضاء عبر شق جراحي صغير يقلل الوقت والتكلفة ويرفع فرص الوصول إلى المرضى الفقراء.

ولم يتوقف التعاون عند حدود التقنية الجراحية، بل امتد إلى البحث عن وسائل لتخفيض تكلفة العدسات المزروعة داخل العين، وهو ما ساهم لاحقًا في جعل العلاج متاحًا لمئات الآلاف ممن كانوا عاجزين عن تحمّل نفقاته.

تأسيس منظومة مستدامة لخدمة العيون

بعد عودته إلى نيبال، أسس ساندوك رويت عام 1994 معهد تيلجانجا لطب العيون، وهو مؤسسة غير ربحية تحولت مع مرور الوقت إلى أحد أبرز المراكز المتخصصة في آسيا في مجالات العلاج والتدريب والبحث العلمي والتوعية الصحية.

ويضم المعهد منظومة متكاملة تشمل المستشفى التخصصي، وبرامج التدريب الأكاديمي، وأقسام الأبحاث، وبنك القرنيات، ووحدة تصنيع العدسات منخفضة التكلفة، إلى جانب برامج واسعة للوصول إلى المجتمعات النائية التي تفتقر إلى الخدمات الصحية الأساسية.

أرقام تعكس حجم الأثر الإنساني

على مدار أكثر من ثلاثة عقود، نجح ساندوك رويت وفريقه في تحقيق نتائج لافتة جعلت تجربتهم نموذجًا عالميًا في الرعاية الصحية المستدامة.

فقد تم تصنيع ما يقرب من تسعة ملايين عدسة منخفضة التكلفة، وإجراء نحو 600 ألف عملية جراحية، معظمها للفئات الفقيرة، إضافة إلى زراعة نحو 15 ألف قرنية، وتقديم مئات المنح التدريبية لأطباء العيون، وتدريب آلاف العاملين في القطاع الطبي.

كما تحول المعهد إلى مركز دولي للتدريب وتبادل الخبرات، واستقبل أطباء ومرضى من دول متعددة، فيما أصبح مركزًا متعاونًا مع منظمة الصحة العالمية، الأمر الذي عزز حضوره على الساحة الصحية الدولية.

الخروج إلى القرى والمناطق المحرومة

لم يكتف ساندوك رويت ببناء مؤسسة طبية متقدمة داخل العاصمة، بل حرص على نقل الخدمات إلى المناطق الأكثر عزلة وفقراً في نيبال. ولهذا أطلقت المؤسسة برامج موسعة تشمل القوافل الطبية والجراحية، ومراكز العيون الريفية، والمستشفيات المجتمعية، وبرامج الفحص المبكر للأمراض البصرية.

هذا التوجه جعل الخدمة الطبية تصل إلى آلاف المرضى الذين كانوا يواجهون صعوبات كبيرة في الوصول إلى المستشفيات المتخصصة، ورسخ مفهوم العدالة الصحية بوصفها حقًا للجميع لا امتيازًا لفئة محددة.

قصة ألهمت العالم

حظيت تجربة ساندوك رويت باهتمام عالمي واسع، ونال عشرات الجوائز والتكريمات الدولية تقديرًا لإسهاماته في مكافحة العمى وتحسين حياة الفقراء. كما وثقت سيرته في العديد من الأفلام الوثائقية والتقارير الصحفية والكتب.

ومن أبرز تلك الأعمال كتاب «الجراح حافي القدمين»، الذي صدر عام 2019، وسلط الضوء على رحلته الاستثنائية من قرية فقيرة في نيبال إلى واحد من أشهر جراحي العيون وأكثرهم تأثيرًا في العالم.

خاتمة

تمثل تجربة ساندوك رويت نموذجًا متكاملًا لكيفية توظيف العلم والابتكار في خدمة الإنسان، حيث جمع بين المهارة الطبية والرؤية المؤسسية والالتزام الأخلاقي تجاه الفقراء. وهي تجربة تؤكد أن الأثر الحقيقي لا يصنعه النجاح الفردي وحده، بل القدرة على بناء مؤسسات مستدامة تواصل رسالتها عبر الأجيال وتمنح الأمل لملايين البشر.

ـ المصدر: معهد تيلجانجا لطب العيون ـ نقلا عن صفحة الدكتور مجدي سعيد

 

التخطي إلى شريط الأدوات