العالم المخضرم إدريس عبد النور نسيريكو يستحضر بدايات التعليم الشرعي ونشأة المجلس الإسلامي الأعلى

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
كثير من المحطات المفصلية في تاريخ المسلمين الأفارقة لم تُوثق في كتب أو أرشيفات رسمية، وإنما بقيت محفوظة في ذاكرة العلماء والدعاة والقضاة وكبار السن الذين عاصروا نشأة المؤسسات الإسلامية والتعليم الشرعي والحركات الإصلاحية والمجالس الإسلامية.
وفي هذا السياق تكتسب الزيارات الاجتماعية التي يقوم بها مفتي أوغندا وقيادات المجلس الإسلامي الأعلى أهمية تتجاوز بعدها الإنساني، إذ تتحول في كثير من الأحيان إلى فرصة لاستعادة شهادات تاريخية مباشرة من شخصيات عاصرت مراحل تأسيسية مهمة في تاريخ المسلمين بالبلاد، بما يسهم في حفظ الذاكرة المؤسسية ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
كما تبرز الحاجة إلى مشروع منهجي لتسجيل التاريخ الشفهي للمؤسسات الإسلامية في أوغندا عبر مقابلات موثقة مع العلماء المعمرين والقضاة والدعاة والقيادات التاريخية، وحفظ شهاداتهم صوتيًا ومرئيًا ومكتوبًا قبل رحيل هذا الجيل، خاصة أن هذه التجربة يمكن أن تقدم نموذجًا مهمًا لكثير من الدول الإفريقية التي لا يزال جزء من تاريخها الإسلامي محفوظًا في ذاكرة الأشخاص أكثر من الوثائق والأرشيفات.
وفي هذا السياق، زار فضيلة الدكتور حافظ محمد هارون بوكينيا، النائب الثاني لمفتي أوغندا، العالم والداعية المخضرم الشيخ إدريس عبد النور نسيريكو في منزله بالقرب من جامعة ماكيريري بالعاصمة كمبالا للاطمئنان على حالته الصحية بعد خضوعه لعملية جراحية ناجحة في القلب، كما شملت الزيارة الاطمئنان على زوجته التي تعاني من أمراض مزمنة.
ولم تتحول الزيارة إلى مناسبة إنسانية فحسب، بل كشفت عن صفحات مهمة من تاريخ المسلمين في أوغندا، حيث استعاد الشيخ نسيريكو ذكريات تمتد لعقود طويلة، وروى شهادات مباشرة عن العلماء والمؤسسات والأحداث التي أسهمت في تشكيل واقع المجتمع المسلم في البلاد.
شهادة حية على نشأة التعليم الإسلامي
وأضاء الشيخ نسيريكو جانبًا مهمًا من بدايات التعليم الإسلامي في أوغندا، عندما استعرض رحلته العلمية منذ طفولته، مشيرًا إلى الدور الكبير الذي لعبته والدته حفصة في توجيهه إلى طلب العلم الشرعي، قبل أن يتلقى علومه على أيدي عدد من كبار العلماء.
وأوضح أن من أبرز من تأثر بهم الشيخ سوايب سيماكولا، مؤسس المدارس الإسلامية النظامية وأول مفتي لأوغندا، في شهادة تعكس جانبًا من المراحل الأولى لبناء المؤسسات التعليمية الإسلامية الحديثة في البلاد.
أدوار علماء تركوا بصماتهم عبر الحدود
ولفت العالم الأوغندي المخضرم إلى التأثير الذي مارسه عدد من العلماء والدعاة القادمين من دول الجوار في تشكيل الهوية العلمية للمسلمين الأوغنديين، مؤكدًا أن أجيالًا كاملة تعلمت أساليب تلاوة القرآن الكريم التي نشرها الشيخ بشير القادم من تنزانيا.
كما استعاد أسماء علماء ومؤسسات تعليمية لعبت أدوارًا بارزة في إعداد المعلمين والدعاة، بما يكشف عمق الروابط العلمية بين أوغندا ومحيطها الإسلامي في شرق إفريقيا.
شهادة على مرحلة ما قبل تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى
وقدم الشيخ نسيريكو رواية مباشرة عن مرحلة مفصلية في تاريخ التنظيم المؤسسي للمسلمين، عندما استعرض أحوال المجتمع المسلم قبل تأسيس المجلس الإسلامي الأعلى في أوغندا والظروف التي سبقت ظهوره كمظلة جامعة للمسلمين.
وتكتسب هذه الشهادات أهمية خاصة لأنها صادرة عن شخصية عاصرت تلك التحولات التاريخية وشهدت تطورها عن قرب، ما يجعلها جزءًا من الذاكرة المؤسسية للمسلمين الأوغنديين.
من القيم الأسرية إلى المشروعات المجتمعية
وأظهرت الزيارة كيف تحولت القيم التربوية التي نشأ عليها الجيل المؤسس إلى مشروعات تخدم المجتمع لعقود طويلة، حيث تحدث الشيخ نسيريكو عن مسجد «حفصة» الذي بناه تكريمًا لوالدته في منطقة ماكيريري.
ولا يزال المسجد يؤدي دورًا دينيًا وتعليميًا واجتماعيًا، فيما تحمل رسالته التأكيد على وحدة المسلمين وفتح أبوابه لجميع أبناء المجتمع بعيدًا عن الانقسامات والانتماءات الضيقة.
القرآن الكريم ركيزة لصناعة الأجيال
كما أشاد الشيخ نسيريكو بجهود الدكتور حافظ محمد هارون بوكينيا في دعم مراكز تحفيظ القرآن الكريم، معتبرًا أن هذه المبادرات أسهمت في تشجيع إنشاء مراكز ومدارس مماثلة في أنحاء مختلفة من أوغندا.
وأشار إلى عدد من المؤسسات التعليمية التي أنشأها أبناؤه، ومنها مدرسة المدينة الإسلامية الثانوية، بوصفها امتدادًا لرسالة التعليم الشرعي التي حملها جيل الرواد إلى الأجيال اللاحقة.
ومن جانبه أعرب النائب الثاني لمفتي أوغندا عن تقديره للدور العلمي والدعوي الذي اضطلع به الشيخ إدريس عبد النور نسيريكو على مدى عقود طويلة، داعيًا له ولأسرته بموفور الصحة والعافية، قبل أن يختتم الزيارة بجولة داخل مسجد حفصة.
وتؤكد هذه الزيارة أن التواصل مع العلماء المعمرين لا يمثل مجرد واجب اجتماعي أو إنساني، بل يشكل فرصة حقيقية لحفظ الذاكرة الإسلامية الوطنية وتوثيق شهادات الرجال الذين عاصروا مراحل التأسيس والبناء، بما يسهم في إعادة كتابة تاريخ المؤسسات الإسلامية في أوغندا وإفريقيا من خلال شهوده وصنّاعه الحقيقيين.
المصدر: المجلس الإسلامي الأعلى في أوغندا.