سلسلة «نقاط مضيئة»..
قراءة في الشخصيات الملهمة والتجارب التي صنعت أثرًا إنسانيًا ومعرفيًا ممتدًا
مسلمون حول العالم ـ متابعات
تواصل سلسلة «نقاط مضيئة» إلقاء الضوء على الشخصيات والتجارب التي تركت أثرًا إنسانيًا ومعرفيًا يتجاوز حدود الزمان والمكان، حيث لا تكتفي بقراءة السيرة أو الحدث، بل تسعى إلى استحضار المعنى الأعمق والدلالة الحضارية الكامنة وراء كل تجربة.
وفي هذه الحلقة، يتوقف الدكتور مجدي سعيد عند تجربة الدكتور عبد الرحمن السميط، بوصفها نموذجًا رائدًا في استعادة الوعي العربي والإسلامي بإفريقيا، ليس فقط من زاوية العمل الخيري، بل من زاوية بناء معرفة أهلية حديثة بالقارة ومجتمعاتها، خاصة المجتمعات المسلمة فيها.
خلفية تاريخية.. من الاستكشاف الاستعماري إلى الوعي الأهلي
بقلم الدكتور مجدي سعيد ـ كاتب صحفي مقيم في لندن
منذ القرن الخامس عشر بدأت القوى الأوروبية مشروعها الممتد لاستعمار واستعباد وتنصير إفريقيا، وهو المشروع الذي اشتد في القرن التاسع عشر الميلادي، خاصة بعد مؤتمر برلين 1884/1885، والذي تم فيه تقسيم إفريقيا بين القوى الكبرى في أوروبا حينئذ.
لكن هذا المشروع كان قد سبقته العديد من الرحلات الاستكشافية التي قامت بها بعثات تميز رجالها بروح المغامرة، والجلد، وقوة التحمل، وحسن الاستعداد، وذلك من أجل تحقيق مصالح بلادهم في استغلال ثروات إفريقيا وتنصير أهلها، والالتفاف حول العالم الإسلامي.
لم أستطع أن أمنع نفسي من تذكر هذا المشروع بينما أطالع بعض الكتب التي أعدها أو أشرف على إعدادها الدكتور عبد الرحمن السميط، مؤسس جمعية العون المباشر الكويتية، والذي يمكننا أن نصفه بأنه رائد، أو أحد رواد، الاستكشاف الأهلي الحديث لإفريقيا، والرجل الذي وضع بذور بناء معرفة أهلية متراكمة حول القارة بشكل عام، وحول أوضاع المسلمين فيها بشكل خاص.
من الطب إلى إفريقيا.. بداية المشروع
الدكتور عبد الرحمن حمود السميط، طبيب كويتي، ولد عام 1947، درس الطب في بغداد، وتخصص في أمراض الجهاز الهضمي في كندا، ومارس تخصصه وتعمق فيه في بريطانيا، وعمل به في الكويت، قبل أن يبدأ العمل في إفريقيا عام 1981 تحت اسم «لجنة مسلمي مالاوي»، حينما تبرعت إحدى المحسنات الكويتيات ببناء مسجد في ذلك البلد، ومن ثم كان عليه أن يزوره، حيث عاين أوضاع الفقر والبؤس والحرمان والجهل التي يعاني منها الإنسان الإفريقي عمومًا، والمسلمون بوجه خاص.
ولأنه شخص تميز منذ صغره بحب التحدي، وروح الناشط في العمل الخيري والحركة الكشفية العربية، مع حس مرهف بمعاناة الناس، فقد استفزته تلك الأوضاع، ومن ثم قرر عام 1983 أن يترك العمل الطبي ويتفرغ للعمل الخيري، الإغاثي والدعوي، والتنموي من خلال ما أصبح اسمه «لجنة مسلمي إفريقيا»، وهي اللجنة التي تحولت لاحقًا عام 1999 إلى جمعية مستقلة باسم «العون المباشر»، تقدم خدماتها للمسلمين وغيرهم في 31 دولة حتى يومنا هذا.
كنت قد زرت الدكتور السميط في بيته عام 2010، حينما دعتني الجمعية للحديث عن كتابي حول «تجربة بنك الفقراء». وكان الدكتور السميط قد ترك رئاسة الجمعية منذ عام 2008، حيث كان يعاني من بعض الأمراض، حتى توفي رحمه الله عام 2013. وخلال تلك الزيارة كنت قد حصلت على بعض كتبه التي توثق، بأشكال ومستويات مختلفة، لخلاصة 30 عامًا من استكشاف أحوال المجتمعات المسلمة في أغلب بلدان إفريقيا، وقد حظي بتكريمات وجوائز عديدة في حياته، وصدرت عنه عدة كتب بعد وفاته.
التوثيق المعرفي.. إفريقيا كما رآها السميط
ولعل أعظم ما أسس له الدكتور السميط من خلال ما كتب، وما تحدث به لوسائل الإعلام قبل وفاته، هو تأسيسه لاستعادة الوعي الأهلي للأمة بإفريقيا، وتأسيسه لبذور المعرفة المتعمقة والحديثة بأحوال مجتمعات إفريقيا وقبائلها، ومجتمعات المسلمين فيها خاصة، وذلك عبر السير والنظر والمعايشة، وليس عبر دراسة الأدبيات عن بُعد، فليس من سمع كمن رأى، وليس من رأى رؤية المسافر العابر، كمن عانى وتعرض للمخاطر في رؤيته ومعايشته.
الكتب التي بين يدي الآن تقدم أكثر من مستوى لتوثيق الخبرات والتجارب:
فالكتاب الأول، والذي يحمل عنوان «رحلة خير في إفريقيا»، يقدم توثيقًا أوليًا لوقائع جولات زار فيها الدكتور السميط ومرافقوه العديد من مدن وبلدات وقرى كينيا، وقدم من خلالها معارف وخبرات مهمة حول تحدي البنى التحتية شديدة الضعف، من طرق ومياه وكهرباء ومدارس ومستشفيات وغيرها، والتي تعاني منها كينيا، والتحديات التي تواجه المسلمين هناك، من جهل عام، وجهل بالدين خاصة، ومن فقر واحتياجات غير ملباة، والتحدي الأكبر والمتمثل في الهجمة الشرسة للكنائس الغربية المختلفة على تلك المجتمعات بوجه خاص.
أما الكتاب الثاني، والذي يحمل اسم «قبائل البوران»، فهو مستوى أعلى من التوثيق المتخصص، قدمه في إطار سلسلة «دراسات القبائل الإفريقية». وقد قدم فيها الدكتور السميط كتبًا أخرى عن كل من قبائل الأنتيمور، وقبائل الدينكا، وقبائل الغبراء، وقبيلة الميجيكندا. وتمتاز هذه الكتب بأنها تجمع بين الدراسة العملية على أرض الواقع والدراسة العلمية النظرية، وفي تقديري فإن هذا من أهم الإبداعات التي خرج بها مركز دراسات العمل الخيري التابع للجمعية، والذي يحتاج إلى استكمال من قبلها.
أما الكتاب الثالث فقد حمل عنوان «لمحات عن التنصير في إفريقيا»، والذي يتناول من خلال الواقع على الأرض أكبر التحديات التي تواجه حفاظ المسلمين على دينهم في القارة. أما الكتاب الرابع «نماذج من قوافلنا الدعوية» فيقدم خلاصة العمل الميداني في الدعوة في إفريقيا، وأهم الدروس المستفادة منها. وكلاهما أيضًا من نتائج الخبرات العملية الخاصة التي عايشها الدكتور السميط، والتي تحتاج كذلك إلى إضافة من خبرات العاملين في الحقل الإفريقي.
أما الكتاب الخامس فهو يحمل عنوان «السلامة والإخلاء في مناطق النزاعات»، وهو يقدم مزجًا بين مقتبسات من كتاب دولي حول الموضوع منقحة بخبرات واقعية، وتصويبات تتناسب مع الثقافة الإسلامية. وهناك كتب أخرى للدكتور السميط في السياق نفسه مثل إدارة الأزمات للعاملين في المنظمات الإسلامية، ودليل إدارة مراكز الإغاثة، وغيرها.
المشروع المؤسسي الذي لم يكتمل
ولابد هنا من الإشارة إلى دور الدكتور السميط في إصدار مجلة «الكوثر»، والتي كان يرأس تحريرها، وتعنى بكل الموضوعات السابقة، مع متابعة الأعمال والمشاريع الخاصة بالجمعية. وقد صدر منها 255 عددًا حتى أكتوبر 2025، وأظنها أول مجلة عربية متخصصة تتناول شؤون الدعوة والإغاثة والتنمية في إفريقيا.
ومن المؤسف أن المشروع التوثيقي لوقائع الاستكشاف وخبرات العمل في إفريقيا، الذي تقدمه كتب الدكتور السميط على صغر حجمها، لم يُستكمل بعد وفاته عبر تحويله إلى مشروع مؤسسي، يمكن حتى أن تتشارك فيه مؤسسة العون المباشر مع غيرها من المؤسسات العربية والإسلامية التي صارت تعمل في إفريقيا منذ ذلك الحين، فضلًا عن الخبرات العملية التي يمكن أن يقدمها عدد من الرواسخ من العاملين في إفريقيا في تلك المجالات لعدة عقود، دون أن يفكر أحد في توثيق خبراتهم.
ومن شأن توثيق تلك الخبرات وتجريدها أن يسمح بحسن إعداد كوادر العمل الإغاثي والتنموي والدعوي في إفريقيا، أسوة بما كان ولا يزال يتم مع الكوادر الغربية التي يعهد إليها بمهام التنصير في القارة، من حسن انتقاء بداية، إلى تأهيل يشمل التعريف الوافي بالبلدان التي سيتم الابتعاث إليها من جميع الجوانب، وتعليم اللغات العامة كالإنجليزية أو الفرنسية أو البرتغالية، فضلًا عن اللغات المحلية للقبائل. وبغير قيامنا بذلك، فإننا لا نكون قد استفدنا من وجود الهيئات العربية والإسلامية في القارة منذ ما يقرب من نصف قرن، وسيكون كل من يذهب إلى هناك كأنه يعيد اختراع العجلة من البداية، والله أعلم.