مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

غياث الدين صديقي.. مناضل صلب في جيل بناة مؤسسات المسلمين في بريطانيا

بقلم الدكتور مجدي سعيد ـ كاتب صحفي مقيم في لندن

سلسلة «نقاط مضيئة»..

قراءة في الشخصيات الملهمة والتجارب التي صنعت أثرًا إنسانيًا ومعرفيًا ممتدًا

مسلمون حول العالم ـ متابعات

يواصل الكاتب الصحفي الدكتور مجدي سعيد تقديم سلسلته «نقاط مضيئة»، التي تندرج ضمنها فقرات «قصص ومعان»، مقدمًا من خلالها قراءات عميقة في نماذج إنسانية صنعت أثرًا يتجاوز حدود الزمان والمكان، حيث لا تكتفي هذه السلسلة بسرد السيرة أو توثيق الحدث، بل تنفذ إلى جوهر التجربة، مستحضرة المعنى الأعمق والدلالة الحضارية الكامنة وراءها، كاشفًا الضوء على شخصيات رائدة صنعت أثرًا باقياً ومجهولة للكثيرين منا.

في هذه الحلقة، يتناول الدكتور مجدي سعيد شخصية الدكتور غياث الدين صديقي، أحد أبرز رواد العمل المؤسسي الإسلامي في بريطانيا، مستعرضًا مسيرته النضالية ودوره المحوري في بناء مؤسسات المجتمع المسلم، والدفاع عن قضاياه في الداخل والخارج.

بقلم الدكتور مجدي سعيد ـ كاتب صحفي مقيم في لندن

نشأة مبكرة وتكوين علمي وسياسي

وُلد الدكتور غياث الدين صديقي لأسرة مسلمة في دلهي بالهند عام 1939، ومع أحداث ما بعد الحرب العالمية الثانية وانفصال باكستان عن الهند عام 1947، اضطرت أسرته إلى الهجرة إلى كراتشي، حيث نشأ وتلقى تعليمه. وفي تلك المرحلة المبكرة تعرّف على السيد أبو الأعلى المودودي وزاره في بيته عام 1954، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في وعيه المبكر.

درس الكيمياء في جامعة كراتشي، ثم حصل على الماجستير من جامعة السند عام 1962، وعمل بعدها محاضرًا مساعدًا. وخلال هذه المرحلة، برز نشاطه السياسي الطلابي، وهو النشاط الذي استمر معه لاحقًا خلال دراسته الدكتوراه في الهندسة الكيميائية بجامعة شيفيلد البريطانية عام 1964.

من العمل الطلابي إلى بناء المؤسسات

في بريطانيا، أصبحت غرفته مركزًا للأنشطة الطلابية، حيث تولى منصب السكرتير المساعد لاتحاد الجمعيات الإسلامية الطلابية (فوسيس)، الذي تأسس عام 1963، وأسهم في استضافة شخصيات فكرية بارزة مثل سعيد رمضان ومالك بن نبي ومالكوم إكس.

وبعد حصوله على الدكتوراه عام 1970، قرر أن يكرّس حياته لخدمة قضايا المسلمين، فشارك عام 1971 في تأسيس مجلة «إمباكت»، ثم أسهم لاحقًا في تأسيس «المعهد الإسلامي» مع الدكتور كليم صديقي، والذي لعب دورًا مهمًا في متابعة قضايا العالم الإسلامي، من الثورة الإيرانية إلى حرب البوسنة.

كما شارك في تأسيس عدد من المؤسسات المهمة، منها البرلمان الإسلامي لبريطانيا، ومؤسسة بيت المال الإسلامي، ومعهد المرأة المسلمة، وهيئة الطعام الحلال، وهي مؤسسات ساهمت في تعزيز حضور المجتمع المسلم داخل بريطانيا.

مواقف جريئة في مواجهة التحديات

بعد توليه إدارة المعهد الإسلامي عام 1996، ركّز على قضايا المجتمع المسلم داخل بريطانيا، مطالبًا بالمساواة في التعليم والحقوق، ومواجهًا أشكال التمييز المختلفة.

وعُرف بمواقفه الشجاعة في القضايا الحساسة، مثل تطوير نموذج عقد زواج إسلامي أكثر عدالة عام 2008، ومناهضة الزواج القسري وجرائم الشرف، والتصدي لإساءة معاملة الأطفال في المدارس الدينية، من خلال مبادرات لحماية الطفل.

كما قاد جهودًا عملية، مثل سفره إلى اليمن عام 1999 للمطالبة بالإفراج عن معتقلين مسلمين بريطانيين، وتصديه لقضية اللحوم غير الحلال في الأسواق البريطانية، مما أدى إلى تأسيس هيئة الطعام الحلال عام 1994.

حضور فاعل في القضايا الدولية

لم تقتصر جهوده على الداخل البريطاني، بل امتدت إلى القضايا الدولية، حيث دعم مسلمي البوسنة خلال الحرب، وساهم في جمع التبرعات للدفاع عنهم. كما كان من أوائل الداعين بعد أحداث 11 سبتمبر إلى التعاون بين المسلمين وغير المسلمين، وكان عضوًا مؤسسًا في «تحالف أوقفوا الحرب» عام 2001.

خاتمة

رحم الله الدكتور غياث الدين صديقي، الذي رحل في 18 أبريل 2026 عن عمر ناهز 87 عامًا، بعد مسيرة حافلة بالنضال والعمل المؤسسي، تاركًا نموذجًا فريدًا في الجمع بين الفكر والعمل، وبين الشجاعة في الموقف والبناء في الواقع، ليبقى أحد أبرز رموز جيل أسس لوجود المسلمين المؤسسي في بريطانيا.

التخطي إلى شريط الأدوات