من جمهورية تتارستان في روسيا إلى مدينة ويل السويسرية.. الإدارة الدينية تحيي اللغة التترية، وجمعية ومسجد يتعاونان لتعليم اللغة الألبانية
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
تمثل المحافظة على اللغة الأم أحد التحديات الثقافية والتربوية التي تواجه الأجيال الجديدة في عدد من المجتمعات المسلمة التي تعيش في دول غير إسلامية، سواء كانت شعوبًا مسلمة أصيلة في مناطقها التاريخية، أو أقليات مهاجرة استقرت في مجتمعات جديدة.
وتزداد صعوبة الحفاظ على اللغة الأم عندما ينشأ الأطفال في بيئة لغوية تختلف عن لغة أسرهم، أو عندما تصبح لغة أخرى هي الأكثر استخدامًا في التعليم والحياة اليومية. ومع مرور الأجيال، قد يتراجع استخدام اللغة الأم داخل الأسرة، مما يجعل توفير برامج منتظمة لتعليمها واستخدامها وسيلة مهمة للحفاظ على حضورها ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
لكن مواجهة هذا التحدي لا تسير وفق نموذج واحد؛ فلكل مجتمع واقعه الديموغرافي والمؤسسي والتعليمي، ومن ثم تختلف الأدوات التي يمكن توظيفها بحسب إمكاناته واحتياجاته. وبينما قد تبدأ المعالجة في بعض المجتمعات من مبادرة محلية تجمع مسجدًا وجمعية لخدمة أبناء الجالية، يمكن أن تتخذ في مجتمعات أخرى شكلًا مؤسسيًا أوسع، تستفيد فيه المؤسسات الدينية والتعليمية من انتشارها وقدرتها على الوصول إلى أعداد أكبر من أبناء المجتمع.
وتقدم تجربتا جمهورية تتارستان داخل روسيا ومدينة ويل السويسرية نموذجين مختلفين في معالجة هذا التحدي؛ ففي تتارستان أطلقت الإدارة الدينية لمسلمي الجمهورية برنامجًا لتعليم اللغة التترية في عشرات المساجد والمؤسسات التعليمية الإسلامية، بدعم من اللجنة التابعة لرئيس جمهورية تتارستان والمعنية بالحفاظ على اللغة التترية وتطويرها واللغات الأم لشعوب الجمهورية.
وفي ويل، تتعاون الجمعية الألبانية مع مسجد المدينة لتوسيع تعليم اللغة الألبانية للأطفال. وبين اختلاف الجغرافيا وحجم المؤسسات وطبيعة المجتمع، تلتقي التجربتان عند هدف مشترك: الحفاظ على حضور اللغة الأم ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
النموذج الأول من شرق أوروبا.. تجربة تتارستان في وسط روسيا
ففي جمهورية تتارستان، إحدى جمهوريات روسيا الاتحادية ذات الأغلبية المسلمة، اتخذت معالجة تحدي اللغة التترية طابعًا مؤسسيًا واسعًا تقوده الإدارة الدينية لمسلمي تتارستان. وبدأ في 21 سبتمبر 2026 برنامج «نتعلم لغتنا الأم» لتعليم اللغة التترية لطلاب المدارس في 30 مسجدًا وجميع المؤسسات التعليمية الإسلامية التابعة للإدارة الدينية، بمشاركة ثماني مدارس دينية ومدرستي «عثمانية» و«إحسان» والمدرسة الداخلية للبنين «ميراس».
ويستمر البرنامج حتى 21 ديسمبر، من خلال 48 درسًا بواقع حصتين أسبوعيًا، مع مدرسين مؤهلين ومواد تعليمية ومنصة إلكترونية مخصصة للمدرسين، وتقديم الدورات مجانًا ومنح شهادات للمشاركين بعد إتمامها.
كما يحظى المشروع بدعم اللجنة التابعة لرئيس جمهورية تتارستان المعنية بالحفاظ على اللغة التترية وتطويرها واللغات الأم لشعوب الجمهورية، بما يمنح المبادرة إطارًا مؤسسيًا يتناسب مع حجم المجتمع وشبكة مؤسساته الإسلامية.
النموذج الثاني من غرب أوروبا.. تجربة ويل السويسرية في تعليم اللغة الألبانية
بينما في مدينة ويل السويسرية، تأخذ معالجة التحدي شكلًا محليًا يتناسب مع واقع الجالية الألبانية وإمكانات مؤسساتها. فقد تعاونت الجمعية الألبانية في ويل مع مسجد ويل لتنظيم فصول مجانية لتعليم اللغة الألبانية للأطفال، بعد اجتماع تعريفي تناول واقع التعليم القائم وخطة التوسع.
وتضم مدرسة اللغة الألبانية في ويل وأوزويل حاليًا فصلين، يضم كل منهما نحو 20 طالبًا، فيما يستهدف التعاون الجديد افتتاح فصول إضافية داخل مسجد ويل، الذي يوفر المرافق اللازمة ويمول الفصول، على أن تبدأ الدراسة في 21 أكتوبر 2026 وفق أعمار الأطفال وعدد المسجلين.
وتوضح التجربة كيف يمكن لجمعية محلية ومسجد في مدينة أوروبية أن يوفرا معًا مساحة تعليمية تساعد أبناء الجالية على الحفاظ على لغتهم الأم إلى جانب لغات المجتمع السويسري.
الرسالة واحدة: التحدي لا ينبغي أن يقود إلى الاستسلام
يكشف هذا الملف أن تحدي الحفاظ على اللغة الأم يواجه عددًا من المجتمعات المسلمة في البيئات غير الإسلامية، لكن واقع هذه المجتمعات ليس واحدًا، ولذلك لا يمكن أن تكون وسائل المعالجة واحدة.
ففي شرق أوروبا، كما في تتارستان، نتحدث عن مجتمع مسلم تاريخي يعيش داخل جمهورية ذات غالبية مسلمة في إطار دولة كبرى، ويمتلك مؤسسات دينية وتعليمية واسعة يمكن توظيفها في دعم اللغة التترية.
أما في غرب أوروبا، كما في ويل السويسرية، فتعيش الجالية الألبانية المسلمة ضمن مجتمع أوروبي مختلف في اللغة والبيئة العامة، فتأتي المبادرة من تعاون محلي بين الجمعية والمسجد لتوفير تعليم اللغة الألبانية للأطفال.
وبين اختلاف الواقعين، تبقى الرسالة واحدة: التحدي لا ينبغي أن يقود إلى الاستسلام، بل إلى فهم خصوصية كل مجتمع وبناء الوسيلة التي تناسب ظروفه وإمكاناته للحفاظ على اللغة الأم ونقلها إلى الأجيال الجديدة.
المصادر: مسجد ويل ـ سويسرا ـ الإدارة الدينية لمسلمي جمهورية تتارستان ـ روسيا.

