ترميم حكومي وإعادة افتتاح المسجد في أكتوبر 2026.. تذاكر دخول وجولات إرشادية ومعارض ثقافية داخل المعلم التاريخي

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
شهدت المعالم الإسلامية العثمانية في اليونان تحولات تاريخية عميقة عقب انتهاء الحكم العثماني، إذ فقدت بعض المساجد وظيفتها الدينية، وتعرضت مبانٍ أثرية للإهمال والتدهور أو تحولت إلى استخدامات بعيدة عن طبيعتها الأصلية.
وبعد عقود من هذه التحولات، بدأت بعض المعالم تستعيد حضورها عبر مشروعات الترميم وإعادة التأهيل، في توجه نحو إعادة الاعتبار لقيمتها التاريخية والحضارية، وإدماجها في الحياة الثقافية المعاصرة، والاستفادة منها في تنشيط السياحة، بما يعكس اهتمامًا متزايدًا بحماية مكونات التراث الإنساني على اختلاف خلفياتها الدينية والثقافية.
مسجد تاريخي يعود إلى القرن الـ15
وفي هذا السياق، يمثل مسجد حمزة بك التاريخي، المعروف باسم «ألكازار»، في مدينة سالونيك شمال اليونان، نموذجًا بارزًا للتوجه نحو إعادة الاعتبار للتراث الإسلامي العثماني وتوظيفه في السياحة الثقافية، باعتباره أقدم مسجد شُيّد في المدينة بعد دخولها تحت الحكم العثماني عام 1430.
فقد أعادت وزارة الثقافة اليونانية افتتاح المسجد أمام الجمهور في أكتوبر 2026، بعد مشروع ترميم حكومي بلغت تكلفته نحو 11 مليون يورو، ليصبح فضاءً للمعارض والأنشطة الثقافية والجولات الإرشادية، ضمن توجه لإحياء المعالم التاريخية وإعادة دمجها في النسيج الحضري والحياة الثقافية للمدينة، وفقًا لما نشرته وزارة الثقافة اليونانية على صفحتها الرسمية بتاريخ 11 أكتوبر 2026.
ويعود تأسيس المسجد إلى عامي 1467–1468، وفقًا للنقش التأسيسي للمبنى، عندما شيدته حفصة، ابنة القائد العثماني حمزة بك، مسجدًا للحي، بعد نحو 37 عامًا من دخول العثمانيين سالونيك.
وبدأ المسجد مبنى صغيرًا مخصصًا للصلاة، ثم شهد توسعات خلال القرن الـ16، شملت إضافة الفناء والأروقة المحيطة به، حتى اكتسب تكوينه المعماري المميز، الذي يجمع بين قاعة الصلاة المقببة والفناء الداخلي المحاط بالأعمدة والعقود الحجرية.
وتمنح هذه الخصائص المسجد مكانة أثرية بارزة بين المعالم الإسلامية العثمانية الباقية في منطقة البلقان، كما تجعله شاهدًا معماريًا على مرحلة مهمة من تاريخ سالونيك، التي شهدت على امتداد قرون تحولات سياسية واجتماعية وسكانية وثقافية متعاقبة.

من الإهمال إلى استعادة المكانة
بعد انتهاء الحكم العثماني في سالونيك عام 1912، فقد المسجد وظيفته الدينية تدريجيًا، قبل انتقاله إلى الملكية الخاصة عام 1928، ليشهد لاحقًا استخدامات تجارية وترفيهية بعيدة عن وظيفته الأصلية.
ومن أبرز تلك الاستخدامات تحويل فناء المسجد إلى سينما حملت اسم «ألكازار»، وهو الاسم الذي اشتهر به المبنى بين سكان المدينة، حتى أصبح جزءًا من ذاكرته المحلية.
ورغم إدراج المسجد ضمن المعالم التاريخية المحمية منذ عام 1926، تعرض خلال العقود التالية لتغييرات في استخدامه وتدهور في حالته المعمارية، وظل لفترات طويلة محاطًا بالسقالات وأعمال الحماية والترميم.
وقدمت وزيرة الثقافة اليونانية لينا ميندوني وصفًا لافتًا لهذه المرحلة، مؤكدة أن ثلاثة أجيال من سكان سالونيك لم تعرف مبنى «ألكازار» إلا وهو محاط بالسقالات، قبل أن يستعيد حضوره المعماري بعد اكتمال أعمال الترميم.
وقالت الوزيرة إن ترميم المسجد غيّر المشهد العمراني للمنطقة المحيطة به، موضحة أن المواطنين الخارجين من محطة مترو «فينيزيلو» أصبحوا يشاهدون المعلم التاريخي بعد ترميمه وإتاحته للجميع، بعدما ظل لعقود بعيدًا عن صورته المعمارية المستعادة.
وتكشف هذه الشهادة الرسمية عن أهمية المشروع في استعادة أحد أبرز معالم المدينة التاريخية، ليس باعتباره مبنى أثريًا منفردًا، وإنما جزءًا من الذاكرة العمرانية والحضارية لسالونيك.

ترميم حكومي ضمن رؤية حضارية جديدة
بدأ التحول المؤسسي في التعامل مع مسجد حمزة بك عندما استحوذت عليه وزارة الثقافة اليونانية عام 2006، تمهيدًا لحمايته وإعادة تأهيله، لتبدأ أعمال الترميم منذ عام 2007، قبل تنفيذ مراحل لاحقة من المشروع انتهت بإعادة افتتاحه في أكتوبر 2026.
وتولت وزارة الثقافة تنفيذ مشروع ترميم شامل، بتمويل بلغ نحو 11 مليون يورو من صندوق التعافي والمرونة، من خلال الجهات الفنية المختصة بترميم الآثار وصيانتها، وبالتعاون مع دائرة آثار مدينة سالونيك.
وشملت الأعمال معالجة المشكلات الإنشائية، وتثبيت العناصر المعمارية، وترميم الجدران والأرضيات والأروقة والأعمدة، وصيانة العناصر الزخرفية، وإعادة تأهيل الفناء الداخلي، إلى جانب تحسين الإضاءة وتجهيز المبنى لاستقبال الزوار وتنظيم الأنشطة الثقافية.
وتُظهر الصور الرسمية المنشورة قبل الترميم وبعده حجم التحول الذي شهده المسجد، خصوصًا في الفناء والأروقة والأرضيات والعقود الحجرية، فضلًا عن استعادة المظهر الخارجي للقبة والأسقف وإبراز التفاصيل المعمارية للمبنى.
ولا تقتصر أهمية المشروع على إصلاح الأضرار التي لحقت بالمسجد، بل تتصل برؤية حكومية أوسع لإعادة إبراز الهوية التاريخية والحضارية لمدينة سالونيك، من خلال استعادة معالمها الأثرية وإدماجها في الحياة المعاصرة.
وتكتسب هذه الرؤية أهمية خاصة عند تطبيقها على مسجد إسلامي عثماني، إذ تعكس توجهًا نحو التعامل مع المعالم التاريخية بوصفها جزءًا من التراث الحضاري للمدينة، يستحق الحماية والتقدير بصرف النظر عن خلفياته الدينية والثقافية.
وفي هذا الإطار، أكد إيبامينونداس خريستوفيلوبولوس، رئيس مجلس إدارة مؤسسة MOMus، أن ترميم مسجد حمزة بك يبرز الحقبة العثمانية باعتبارها جزءًا لا يتجزأ من التاريخ متعدد الثقافات لمدينة سالونيك، مشددًا على أهمية ربط هذا التراث بحاضر المدينة ومستقبلها.
ويمثل هذا التصريح دلالة واضحة على البعد الحضاري للمشروع، إذ يتجاوز الحفاظ على المبنى إلى الاعتراف بمكانة التراث الإسلامي العثماني ضمن المكونات التاريخية التي أسهمت في تشكيل هوية المدينة.
وتتولى مؤسسة MOMus، المعنية بمتاحف الفنون البصرية في سالونيك، مسؤولية الإشراف على المعارض وتشغيل الموقع، بالتعاون الوثيق مع دائرة آثار المدينة، بمبادرة من وزارة الثقافة اليونانية.
اهتمام حكومي وإعادة الاعتبار للتراث
وفي تأكيد على الأهمية الحكومية للمشروع، زار رئيس الوزراء اليوناني كيرياكوس ميتسوتاكيس مسجد حمزة بك خلال وجوده في سالونيك بمناسبة ذكرى «يوم أوخي» الوطنية في أكتوبر 2026.
وتقدم تجربة مسجد حمزة بك نموذجًا ملموسًا لتحول في التعامل مع أحد معالم التراث الإسلامي العثماني في اليونان؛ فمن مسجد شُيّد للصلاة في القرن الـ15، إلى مبنى فقد وظيفته الأصلية وشهد استخدامات تجارية وترفيهية وتدهورًا معماريًا، ثم إلى معلم أثري أعادت الدولة ترميمه وفتحته للجمهور ضمن منظومة السياحة الثقافية.
وتتجاوز دلالة هذا التحول حدود الاستثمار السياحي والاقتصادي، لتعكس أهمية إعادة الاعتبار للتراث الإنساني بمختلف مكوناته الدينية والثقافية، وحماية الشواهد التاريخية التي توثق تعاقب الحضارات وتداخلها.
وفي مدينة مثل سالونيك، التي تشكلت هويتها عبر مراحل تاريخية متعددة، يمثل الحفاظ على مسجد حمزة بك وإعادة دمجه في الحياة العامة خطوة نحو إبراز هذا التنوع الحضاري، وتقديم التراث الإسلامي العثماني باعتباره جزءًا من الذاكرة التاريخية المشتركة للمدينة.
المصدر: وزارة الثقافة اليونانية.
مصدر الصور: وزارة الثقافة اليونانية، ومؤسسة MOMus، وصفحة Cemali İhtiyar.