مالي.. من الجذور الأولى للإسلام إلى بداية رحلة العالِم
الكتاتيب والهوية العلمية ولحظة التحول نحو المدينة المنورة
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
بعد التقرير التمهيدي الذي قدّم للقارئ الخط العام لرحلة الشيخ محمد منتا عبر ثلاثة محاور رئيسية: مالي، والمدينة المنورة، وفرنسا، نبدأ اليوم بالمحور الأول من هذه السلسلة، وهو المحور الذي يكشف الجذور الأولى للقصة؛ حيث تشكلت الهوية العلمية والإنسانية في قلب مالي، وبدأت رحلة العلم من الكتاتيب والقرى قبل أن تنطلق لاحقًا إلى المدينة المنورة ثم إلى فرنسا.
مالي.. أرض الجذور الأولى للإسلام
يكتسب هذا المحور أهميته من كونه لا يروي فقط سيرة الشيخ محمد منتا، بل يفتح نافذة على تاريخ الإسلام في مالي نفسها.
فقد أوضح الشيخ، في لقائه ضمن بودكاست «باثوث مسار»، أن الإسلام دخل مالي مبكرًا منذ القرن الأول الهجري عبر القوافل التجارية القادمة من شمال إفريقيا، قبل أن يتوسع انتشاره بصورة أكبر في القرنين الثالث والرابع الهجريين.
وهذا الامتداد المبكر جعل مالي واحدة من أهم الحواضن الإسلامية في غرب إفريقيا، حيث ترسخت الكتاتيب، والفقه المالكي، والتعليم القرآني عبر الأجيال.
نشأة في بيت علم وإمامة
وُلد الشيخ محمد منتا عام 1963 في مدينة ماسينا بوسط مالي، في أسرة عُرفت بالإمامة والعلم، وذكر في اللقاء أن الامتداد الإسلامي في أسرته يعود إلى الجد السابع.
وقد أرسله والده في سن مبكرة إلى قرية الأسرة ليعيش مع جدته، في بيئة ريفية تقليدية شكّلت ملامح شخصيته الأولى.
في هذه القرية، حيث البيوت الطينية والكتاتيب والسوق الأسبوعي، بدأت رحلته مع القرآن والعلم.
الكتاتيب.. المدرسة الأولى لصناعة الشخصية
بدأ الشيخ حفظ القرآن في سن الخامسة أو السادسة، وأتم الحفظ كاملًا بين سن الثانية عشرة والرابعة عشرة.
ثم انتقل إلى دراسة المتون الأساسية في الفقه المالكي والعقيدة، وفق السلم العلمي التقليدي السائد في غرب إفريقيا.
وهنا تتضح قيمة هذا المحور؛ فالقصة لا تبدأ من الجامعة أو الهجرة، بل من الكتّاب، ومن البيئة التي صنعت الانضباط، واللغة، والارتباط المبكر بالعلم الشرعي.
موقف الأسرة من الاستعمار والتعليم الفرنسي
من أكثر ما يبرز في هذا المحور الموقف الصارم للأسرة من التعليم الفرنسي زمن الاستعمار.
فقد ذكر الشيخ أن جده رفض أن يدرس والده في المدارس الفرنسية، وبذل كل ما يستطيع لإخراجه منها، حفاظًا على الهوية الإسلامية والعلم الشرعي.
وانعكس هذا الموقف على تربيته هو أيضًا، إذ تم توجيهه مبكرًا إلى الكتاتيب بدل التعليم الرسمي.
لحظة التحول الكبرى
في سن السادسة عشرة، شعر الشيخ أنه يقف عند مفترق طرق؛ فلا تعليم رسمي، ولا مهنة، ولا أفق واضح، فبدأ التفكير في السفر خارج مالي طلبًا للرزق، وكانت وجهته المحتملة ساحل العاج.
لكن قبل أيام قليلة من السفر، جاءت الرسالة التي غيّرت كل شيء: قبول الجامعة الإسلامية في المدينة المنورة، بعد انتظار دام نحو ثلاث سنوات.
وقد وصف هذه اللحظة بأنها التحول الأكبر في حياته، إذ فتحت أمامه طريق العلم بدل طريق الهجرة من أجل العمل فقط.
خاتمة المحور الأول
يكشف هذا التقرير أن رحلة الشيخ محمد منتا لم تبدأ من أوروبا ولا من المدينة المنورة، بل من جذور ضاربة في أرض مالي، حيث الكتاتيب، والقرآن، والأسرة العلمية، والهوية الإسلامية العريقة.
ومن هذه الأرض بدأت القصة التي ستأخذنا في التقرير القادم إلى المحور الثاني: المدينة المنورة، حيث صاغت اثنا عشر عامًا ملامح العالم والداعية.
ـ المصدر: بودكاست باثوث مسار ـ إذاعة إنسان / لقاء الشيخ محمد منتا