مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

مسلمو ألبانيا.. السير على درب الجراح

بالرغم من كون ألبانيا دولة صغيرة تقع في جنوب شرق أوربا.. فإنها تكتسب أهميتها من كونها الدولة الوحيدة بأوربا التي يمثل المسلمون بها الأغلبية الساحقة؛ حيث تشير الإحصائيات الرسمية إلى أن 70% من إجمالي السكان البالغ عددهم 3.4 ملايين نسمة هم من المسلمين، بينما يأتي الأرثوذكس في المرتبة الثانية بنسبة 20%، ثم الكاثوليك في المرتبة الثالثة بنسبة 10%، ولكن لا يفوتنا أن نشير إلى أن الإحصائيات غير الرسمية تؤكد أن نسبة المسلمين تصل إلى أكثر من 80%.

الأَكَلة يتداعون على قصعة ألبانيا

وقد استقلت ألبانيا عن تركيا في عام 1912م بعد هزيمة الأخيرة فيما يعرف بحرب البلقان الأولى، إلا أن مساحتها تقلصت إلى أقل من 50% من مساحتها الحقيقية بعد استقلالها بعام واحد فقط نتيجة تسارع الدول العظمى في مؤتمر السفراء بلندن عام 1913م إلى تقسيم معظم أراضيها لحساب الدول المجاورة.
وبناء على ذلك أعطي إقليم تشاميرية الألباني الجنوبي لليونان، وإقليم كوسوفا الألباني الشمالي لصربيا، كما تم ضم جزء من الأراضي الألبانية الشرقية لمقدونيا، وجزء آخر من الأراضي الألبانية الشمالية الغربية للجبل الأسود؛ مما أخرج أكثر من نصف الشعب الألباني (تبلغ نسبة المسلمين في هذا النصف حوالي 90%) خارج حدود دولة ألبانيا الأم، ووزعهم بين دول الجوار التي تعود أصولها إلى الجنس السلافي وتدين بالأرثوذكسية، بينما الألبان يعتبرون من أقدم الشعوب ال أوربية حضورا إلى منطقة البلقان؛ حيث تعود أصولهم إلى الجنس الإليري، وهم الشعب الوحيد الذي تقبلت أغلبيته الإسلام طواعية من بين كافة الشعوب البلقانية التي خضعت للحكم العثماني لفترة طويلة من الزمان.

كيف عرف الألبان الإسلام؟

بدأ الألبانيون يتعرفون على الإسلام في أول الأمر عن طريق التجار المسلمين القادمين من الأندلس ومناطق حوض البحر المتوسط؛ حيث ما زالت هناك آثار لمسجدين بمدينة بيرات بوسط ألبانيا يرجع تاريخهما إلى ما قبل دخول الأتراك إليها. ولكن انتشار الإسلام بشكل واسع وسط الألبانيين لم يتم إلا بعد الفتح العثماني لألبانيا (عام 827هـ – 1423م)؛ حيث بدأ تحول الألبان بعد ذلك للإسلام بشكل تدريجي بطيء، ولكنه مستمر حتى دخل معظم الألبانيين في الإسلام طواعية بمحض إرادتهم ودون إكراه من الأتراك الفاتحين.

اللغة الألبانية والأبجدية العربية

وجدير بالذكر أن اللغة الألبانية تعتبر من أقدم اللغات ال أوربية التي تنحدر من اللغات “الهندأوربية”، ومع مرور الوقت بدأت الأغلبية الألبانية المسلمة في تبنِّي الأبجدية العربية في كتابة لغتها الألبانية مثلما حدث مع شعوب إسلامية أخرى، وقد ظلت اللغة الألبانية تُكتَب بالحروف العربية حتى عام 1920م، بعد أن حسم الصراع الطويل حول هوية ألبانيا لصالح الاتجاه القومي العلماني المتغرب والمدعوم من القوى الأوربية، والذي رفع شعار “بدون استقلال ثقافي لا يوجد استقلال سياسي”، وقد أرادوا بذلك الانفصال عن الشرق الإسلامي (المتخلف) والالتحاق بالغرب الأوربي (المتقدم)، ودخلوا في صراع شديد مع الاتجاه السني الألباني أنصار الأبجدية العربية، الذين يمثلون الأغلبية والموالين للشرق الإسلامي، ولكن هذا التيار الجديد من أنصار الأبجدية اللاتينية لم يستطع حسم الصراع نهائيا بعد جولات وملاحم شديدة بين الطرفين إلا بعد تدخل القوى الغربية عسكريا بدءا من القوات الصربية من الشمال والميليشيات اليونانية من الجنوب لصالحه؛ حيث استطاعت هذه القوات الصربية واليونانية القضاء على الحركة السنية الإسلامية -التي تشكلت للحفاظ على هوية ألبانيا الإسلامية وصلتها بالشرق الإسلامي- وأعدموا قادتها.
وخوفا من التوسع الصربي واليوناني داخل الأراضي الألبانية تدخلت القوات النمساوية واحتلت ألبانيا، ثم أعادت مرةً أخرى الاتجاه القومي العلماني والموالي للغرب إلى سدة الحكم من جديد.

ألبانيا أول دولة علمانية في العالم الإسلامي

وكان معظم قادة الاتجاه القومي الألباني العلماني من الطائفة البكتاشية الشيعية، وقد تخرج معظمهم في الجامعات الأوربية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
وقد استطاعت الدول الغربية تجميع كافة التيارات الأخرى المعادية للإسلام والرافضة للحكم التركي بألبانيا، وعلى رأسها الكاثوليك والبروتستانت إلى جانب هذا الاتجاه الجديد بألبانيا، وبعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وبالتحديد منذ عام 1920م اتخذت الحكومة الألبانية الجديدة عدة إجراءات فُرضت من قبل أوربا بهدف فصل ألبانيا عن الشرق الإسلامي، وقطع صلتها تماما بتركيا، وكان من أبرزها:
– استقلال المشيخة الإسلامية الألبانية وقطع صلتها بشيخ الإسلام في تركيا.
– كتابة اللغة الألبانية فقط بالحروف اللاتينية.
– فصل الدين عن الدولة، وبذلك أصبحت ألبانيا أول دولة إسلامية تأخذ بالنظام العلماني.
وبناء على ذلك بدأ أول اعتراف دولي بألبانيا كدولة مستقلة ذات سيادة من قبل إيطاليا عام 1920م، ثم تتابعت بعد ذلك باقي الدول الأوربية في الاعتراف بألبانيا خلال السنوات التالية.

الملك زوجو وبداية استقرار

وفي عصر الملك أحمد زوجو الذي تربع على عرش ألبانيا في 1 سبتمبر من عام 1928م استمر الاتجاه القومي العلماني في حملات التغريب للمجتمع الألباني المسلم، ومحاولة فصله عن ثقافته وتراثه الإسلامي عن طريق كوادره التي كان بيدها مقاليد الأمور في البلاد، وواصلوا أنشطتهم الثقافية والتعليمية للابتعاد عن الشرق والاقتداء بالغرب.
ولكن يبدو من خلال الكتابات التاريخية الألبانية أن الملك “زوجو” كان مشغولا بإرساء قواعد دولته، وجعل لها مكانة بين الدول الأخرى؛ ولذا فقد ترك حرية الحركة لكافة الاتجاهات العلمانية والإسلامية، ولذا شهدت فترته نشاطا إسلاميا واضحا، خاصة في مجال التعليم الإسلامي وحركة التأليف للعلماء الألبان، وتكاثرت البعثات الإسلامية للطلاب الألبان للدول العربية والإسلامية، وبدأت ألبانيا تشهد استقرارا ملحوظا في عهده، الذي انتهى عام 1939م نتيجة التدخل العسكري الإيطالي في ألبانيا.
ويلاحظ أن هذا المسلسل متكرر منذ استقلال ألبانيا، ولكن بصور مختلفة من دول الجوار الألباني، كلما تحقق شيء من الاستقرار والنهوض في ألبانيا يتم التدخل عسكريا من الخارج أو إشاعة الفوضى والاضطرابات من الداخل لكسر أي محاولة للتقدم والاستقرار.

“تحرير المرأة”.. ومنع الحجاب

إلا أن الملك زوجو -الذي كان منبهرا بالغرب والملابس ال أوربية، وكانت زوجته امرأة كاثوليكية مجرية- طلب من الألبانيين ترك الأزياء القديمة “التركية”، وارتداء الأزياء الحديثة “الأوربية”، وأصدر في عام 1937م أول قانون يمنع النقاب في ألبانيا (المقصود هنا الحجاب والنقاب؛ حيث لم يكن هناك تفرقة بينهما في ذلك الوقت)، وكان هو أول من قام بتنفيذ ذلك القانون عن طريق أخته التي خلعت الحجاب، وتحركت في المدن طالبة من النساء الاقتداء بها. كما تم فرض غرامة مالية على كل النساء غير الملتزمات بهذا القانون مع إعطاء الشرطة الألبانية الحق في نزعه بالقوة في الشارع!! حتى أصبحت النساء الملتزمات بالنقاب لا يسرن في الشوارع، وكن يزرن أقرباءهن المجاورين لبيوتهن عن طريق فتح أبواب خلفية في الحوائط تفاديا للخروج في الشوارع.
إلا أنه تدريجيا ومع مرور الوقت اختفى الحجاب في ألبانيا، خاصة بعد صدور قانون إلزامية التعليم للفتيات بعد ذلك.

الشيوعيون وتجفيف المنابع الإسلامية

وقد ازدادت حدة هذه الحملات مع وصول الشيوعيين للحكم عام 1945م؛ فمنذ ذلك التاريخ وحتى سقوط الشيوعية في ألبانيا عام 1990م لم يُكتَب أو يُطبَع أي كتاب عن الدين الإسلامي، حتى القرآن لم يطبع منذ ذلك التاريخ؛ فقد عمل الشيوعيون منذ اللحظة الأولى لتسلمهم مقاليد الأمور في ألبانيا على تجفيف كافة منابع الثقافة الإسلامية للشعب الألباني.
وعلى العكس أدخل الشيوعيون في المناهج الدراسية بالمدارس والجامعات الألبانية مادة الإلحاد، كما فُرض على المعلمين والمعلمات خلال الإجازة الصيفية الانتشار في القرى والمناطق النائية الجبلية للدعوة للإلحاد والقدح في الرسالات السماوية، إلى أن وصلت الحرب على الإسلام والرسالات السماوية لذروتها في عام 1967م، بعد أن أصبح هناك جيل من الشباب والفتيات يحمل أفكار الشيوعية ومبادئها.

عندئذٍ تجرأ الحزب الشيوعي الألباني على إصدار قانون بتجريم الأديان، وهدم المساجد وأماكن العبادة، وتحويل ما تبقى منها إلى صالات للأفراح ومخازن للدولة، وتجميع كافة الكتب والمصاحف من البيوت والمساجد وحرقها، وتم اعتقال كل من يظهر إسلامه أو تدينه وتتبعهم حتى داخل البيوت إلى أن وصل الأمر بهم إلى مهاجمة كل بيت يُرَى به إضاءة خلال وقت السحر في شهر رمضان بتهمة الصوم، والدخول على العجائز والشيوخ المعروفين بمواظبتهم على الصوم في بيوتهم نهارا وإطعامهم بالقوة، كما تم تتبع أخبار الأئمة الألبان -الذين حولوا لأعمال أخرى بعد ذلك- من خلال سؤال أبنائهم في المدارس عنهم، حتى ذكر لي أحد الأئمة الألبان أنه كان يصلي في دورة المياه أثناء حقبة الشيوعية حين يكون أولاده الصغار بالمنزل؛ خوفا من فضح أمره عن طريق أبنائه وبدون أن يشعروا؛ حيث كان هناك مدرس في كل مدرسة مختص بمعرفة أخبار أولياء الأمور من خلال أبنائهم الطلاب!!.

حتى وصل الأمر بالنظام الشيوعي الألباني وتطرفه في تطبيق الشيوعية إلى سخريته من روسيا والصين، وافتخاره بأنه يمثل النموذج المثالي والأوحد لتطبيق الشيوعية في العالم.

سقوط الشيوعية وانكشاف المأساة

وبسقوط الشيوعية في ألبانيا عام 1990م انفتحت أعين الألبان على العالم، وفوجئوا بحجم المأساة التي تسبب فيها أنور هوجا وحزبه الشيوعي، وانطلق الألبان يدمرون كل شيء في البلاد يرمز للنظام القديم، وارتفعت أصوات تنادي بتدمير كل شيء لبناء كل شيء من جديد؛ الأمر الذي أرجع البلاد لعقود عدة للوراء، وارتفعت البطالة؛ مما دفع مئات الآلاف من الألبان للهجرة من ألبانيا للعمل بالدول الأوربية (نسبة المهاجرين من الشعب الألباني منذ عام 1990م وحتى اليوم حوالي 30% من إجمالي عدد السكان)، ومما أضاف بعدا آخر لهذه المشكلة هجرة معظم المثقفين الألبان من ذوي الكوادر والكفاءات العالية من البلاد؛ فبعض الإحصائيات تشير إلى أنه خلال السنوات العشر الأولى بعد سقوط الشيوعية عام 1990م هاجر أكثر من 40 ألفا من المثقفين الألبان في جميع التخصصات؛ مما أضاف إلى كل ما قامت به الشيوعية من تدمير الشعب الألباني ومقدراته تدميرا إضافيا في بداية عصر الانفتاح على العالم.

شوق الألبان لمعرفة الإسلام

ومع إطلاق الحريات الدينية بدأت المشيخة الإسلامية الألبانية في تجميع كوادرها مرةً أخرى، خاصةً بعد الإفراج عن الشيخ صبري كوتشي مفتي ألبانيا -رحمه الله-، وإعادة فتح المساجد التي لم تهدم مرةً أخرى، وأصبحت المشكلة الرئيسية للمشيخة الإسلامية الألبانية هي العجز الكبير في الأئمة والدعاة الألبان، هذا في الوقت الذي كان فيه هناك إقبال شديد من الناس على زيارة هذه المساجد التي لم يرَها معظمهم من الداخل، وكان داخلهم شوق كبير لمعرفة الإسلام الذي غُيِّب عنهم قسرا منذ عام 1967م؛ الأمر الذي حفز بعض الدعاة الألبان المخلصين من المناطق الألبانية الأخرى مثل كوسوفا ومقدونيا على الحضور سريعا لألبانيا تطوعا لمساعدة إخوانهم في البلد الأم على معرفة الإسلام.

عملية إنقاذ عاجلة.. إغاثية ودعوية

ومساهمة في عملية إنقاذ هذا البلد الأوربي المسلم، والذي غرق في السابق في براثن الشيوعية ووقع حاليا تحت أنياب الانفتاح، قام الكثير من المؤسسات الإسلامية بفتح مكاتب لها بألبانيا، وتقديم مساعدات عاجلة جُمعَت من الحكومات والشعوب العربية والإسلامية.

إضافة لذلك وعلى المستوى الدعوي قامت هذه المؤسسات بمساعدة المشيخة الإسلامية الألبانية في بناء مؤسساتها وإعداد كوادرها المستقبلية، وبناء المساجد التي تهدمت، كما تم إرسال الكثير من الدعاة العرب الذين انتشروا في الكثير من المدن والقرى الألبانية للإشراف على المشروعات الإسلامية والدعوية بهذه المناطق، لحين عودة الدعاة الألبان، والذين ذهب العشرات منهم إلى الدول العربية والإسلامية للدراسة الشرعية بها.

وبالرغم من الجهود الكبيرة والضخمة المشكورة التي بُذِلت في هذا الجانب الخيري والدعوي في آنٍ واحد من قبل المؤسسات الخيرية الإسلامية، خاصةً العربية منها.. فإن التعامل مع هذا المجتمع لم يكن سهلا على الداعية المسلم -خاصةً العربي- الذي دفعته الأقدار للعمل في هذا البلد المفتوح حديثا على العالم بعد انغلاقه طويلا خلف أسوار الشيوعية، ولم يستقر بعد، وما زال في مرحلة انتقالية.

مدارس ورؤى دعوية متعددة

ولذلك كان تسارُع الكثير من الدعاة المخلصين للحضور من مختلف البلاد الأوربية والعربية والإسلامية فرادى ومؤسسات، وفي فترة قياسية بهدف المشاركة في عميلة إنقاذ إخوانهم الألبان إغاثيا ومساعدتهم دعويا، كان هذا التسارع إيجابيا من ناحية، ومن ناحية أخرى سلبيا؛ لأن هؤلاء الدعاة كانوا بثقافات متعددة وعادات مختلفة ومذاهب شتى، وأصبحت ألبانيا مثل القارب الذي انقلب، وتسارع إليه المخلِّصون من كل مكان وفي وقت واحد بهمة عالية وإرادة صادقة لإنقاذه، ولكل منهم تصوّرُه وأسلوبه في الإنقاذ. والأيام القادمة ستسفر عن نتائج هذه الجهود التي نرجو من الله أن تصب في مصلحة شعب ألبانيا المسلم.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

إسلام أون لاين ـ مايو2010م ـ هاني صلاح

التخطي إلى شريط الأدوات