مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

من هم مسلمو البرازيل؟

في أرض تتميز بالتنوع العرقي والتسامح الديني، ووسط أمة تعد الأكبر من حيث اعتناق المذهب الكاثوليكي وتتخذ من البرتغالية لغة لها وفي قارة تتحدث الإسبانية.. تحيا أقلية مسلمة تحاول أن تجد لها دورا فعالا في بلد مترامي الأطراف مثل البرازيل.

فوسط حروب متتالية فتكت بلبنان خلال القرن الماضي، كانت البرازيل ملاذا لكثير من اللبنانيين الذين كانوا يبحثون عن الأمن ولقمة العيش، بحسب مصادر متعددة.

ويروي حسين الصيفي، الداعية اللبناني المتطوع في مركز الدعوة الإسلامية بالبرازيل خلال تصريحات خاصة لـ”إسلام أون لاين.نت أن بداية توافد المسلمين للبرازيل ترجع لفترة الحرب العالمية الأولى سنة 1920م، ثم تبعتها مرحلة ثانية بعد الحرب العالمية الثانية في سنة 1949م وسنة 1952م”.

ويوضح الصيفي -وهو صاحب محل مفروشات في ضاحية سان برناردو دو كامبو بولاية سان باولو- أن “معظم أفراد الأقلية المسلمة بالبرازيل حاليا جاءوا خلال تلك الفترة، ثم استمر التوافد حتى الوقت الحاضر”.

ولا توجد إحصائية رسمية حول عدد مسلمي البرازيل، وتتفاوت التقديرات بشدة حول عددهم؛ فبينما تقول تقديرات حكومية إن عدد معتنقي الديانات الأخرى غير المسيحية في البرازيل يشكلون 1% من عدد السكان البالغ 190 مليون نسمة، فإن تقديرات داخل الأوساط الإسلامية تشير إلى بلوغ عدد المسلمين 200 ألف نسمة، وبعضهم يشير إلى أنها تتعدى المليون.

خريطة تواجد المسلمين في البرازيل باللون الأخضر حسب كثافة العدد.
خريطة تواجد المسلمين في البرازيل باللون الأخضر حسب كثافة العدد.

وتتواجد غالبية مسلمي البرازيل في ولاية ساوباولو، ثم مدينة فوز دو إيجواسو بولاية بارانا الجنوبية والتي يتواجد بها ثاني أكبر تجمع لمسلمي البرازيل، بالإضافة إلى بعض التجمعات الصغيرة للمسلمين في المدن الأخرى، مثل ريو دي جانيرو، وبارانجوا، ومارنجا، وجميعها تقع في جنوب شرق البرازيل، بينما توجد جالية مسلمة بمدينة سلفادور عاصمة ولاية باهيا الواقعة شمال شرق البرازيل.. وبحسب الشيخ تقي الدين، يمثل السنة النسبة الغالبة بين مسلمي البرازيل بحوالي 95% بينما يمثل الشيعة النسبة المتبقية ويتركز وجودهم في ولاية بارانا.

مع اكتشاف القارة

ومستندا لمصادر تاريخية، لفت الشيخ خالد رزق تقي الدين -مدير الشئون الإسلامية باتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل لـ”إسلام أون لاين.نت”- إلى أنه سبق التواجد الحالي لمسلمي البرازيل تواجد آخر قبله بقرون، حيث “ترجع بعض الروايات التاريخية التواجد الإسلامي الأول بالبرازيل إلى عهد الحملات التي اكتشفت البرازيل من خلال مصاحبة بعض المسلمين للبحارة البرتغاليين لعلمهم بفنون البحر، بينما ترجعه روايات أخرى لفترة لاحقة خلال مرحلة استقدام العبيد من إفريقيا من قبل المستعمرين البرتغاليين، وأغلب هؤلاء كانوا مسلمين، إلا أنهم ذابوا في المجتمع نتيجة لحملات إبادة ضدهم بعد قيامهم بعدد من الثورات نيل حريتهم، ومن تبقى منهم تم إجباره على التنصر”.

وحول الخريطة الديمغرافية لمسلمي البرازيل، يقول الشيخ تقي الدين: إن “90% منهم ترجع لأصول لبنانية، و5% منهم فلسطينيون بينما يمثل السوريون 3% أما الـ2% المتبقية فتعود لجنسيات مختلفة مصرية، ومغربية، وإفريقية”.

و”انحصر عمل غالبية المسلمين المهاجرين الأوائل في التجارة، ولكن الجيل الثاني والثالث من أبناء المسلمين انتشروا انتشارا واسعا داخل المجتمع البرازيلي، وأصبح منهم الطبيب، والمهندس، والمعلم، والمحامي، والنائب في البرلمان”، حسبما أوضح الشيخ تقي الدين.

المسلمون الجدد

خلال العقد الأخير أضيف للخريطة الديمغرافية والعرقية لمسلمي البرازيل فئة جديدة تتمثل في المسلمين الجدد من البرازيليين أنفسهم، والذين ينحدرون بدورهم من أصول متعددة أوروبية وإفريقية، ويقول الشيخ تقي الدين إنهم “يمثلون عددا لا بأس به يزداد يوما بعد يوم، وهم من أبناء البرازيل المنحدرين من أصول مختلفة؛ (إسبانية وإيطالية وألمانية وإفريقية)”.

وحول الخريطة الاجتماعية للمسلمين الجدد، أوضح أنه “توجد شرائح مختلفة فمنهم الأغنياء ومنهم متوسطو الدخل ومنهم الفقراء، وكذلك منهم من يحتل مناصب عالية كمدرسي الجامعات، والتجار، ومنهم أصحاب الثقافة المحدودة”. وتحظى مدينة ساو باولو بالعدد الأكبر من المسلمين الجدد بنسبة 60%، تليها ولاية ريو جراندي دو سول 20% ثم ولاية بارانا 10%، وولايات الشمال 5%، و5% في أماكن متفرقة، بحسب تقي الدين.

محب “للعرب والمسلمين”

وتختلف طبيعة الشعب البرازيلي عن الشعوب الأوروبية والأمريكية، فيتميز بأنه “محب للعرب، كما توجد صلات قوية بين البرازيليين والمسلمين”، بحسب تقي الدين الذي لفت إلى أن “الأقلية المسلمة بدأت مؤخرا في التفاعل الجدي مع مشاكل المجتمع المحيط وهو ما ساهم في تحسين صورتها وكسبها المزيد من الاحترام”.

ويتراوح عدد المؤسسات الإسلامية بالبرازيل ما بين 80 إلى 120 مؤسسة، تتنوع ما بين جمعيات خيرية ومراكز إسلامية ومساجد؛ إلا أن الفاعلة منها على الساحة المحلية لا تتعدى أكثر من 10 مؤسسات، وفقا للصيفي.

ونظرا لعدم وجود ممثل رسمي معترف من قبل الحكومة البرازيلية يتحدث باسم جميع مسلمي البرازيل، فإن كل مسجد أو جمعية ومركز إسلامي يعد حلقة الوصل بين المسلمين في المنطقة والجهات الرسمية، بحسب تصريحات سابقة لعدد من الدعاة في البرازيل لـ”إسلام أون لاين.نت”.

تحدي الهوية

وفيما يتعلق بواقع مسلمي البرازيل الحالي، أشار الشيخ تقي الدين إلى مشكلة تواجه الأجيال الجديدة من المسلمين وهي الحفاظ على الهوية المسلمة.

وقال إن “المهاجرين الأوائل كانوا من التجار، وكانوا يعتقدون أنهم سيمضون فترة قصيرة من الزمن يجمعون بعض الأموال ثم يعودون إلى بلادهم، لذلك لم يعطوا العناية الكاملة لأبنائهم ولم يهتموا بتنشئتهم على الاندماج في المجتمع البرازيلي مع الحفاظ على هويتهم الدينية”.وتابع تقي الدين: “نشأت أجيال جديدة صلتها بالإسلام ضعيفة نظرا لعدم وجود مؤسسات قوية ترعى وجود الأقليات المسلمة، إضافة لتفريط الآباء، وانقطعت صلة هذه الأجيال الجديدة بالإسلام، أو أضحى الإسلام في حياتها يمثل طقوسا يتذكرونها في الزواج وعند الموت فقط”.

تطور الدعوة

وحول الجهود المبذولة للحفاظ على الهوية الدينية لمسلمي البرازيل خلال العقود الماضية، أشار الصيفي إلى أن “المهاجرين الأوائل وعلى الرغم من قلة العلم والمال قاموا بتأسيس عام 1929 الجمعية الخيرية الإسلامية بساوبالو، والتي تعد أول جمعية إسلامية بالبرازيل، ثم بناء أول مسجد في قلب سان باولو العاصمة التجارية للبرازيل عام 1950م، ومدرسة إسلامية في السبعينيات بالإضافة إلى ناد اجتماعي تتجمع فيه الجالية في العطل الرسمية والأعياد”.

وأوضح بأن “أول من اعترف بهذا المسجد وزارة الأوقاف المصرية؛ حيث أوفدت إلى البرازيل الشيخ عبد الله عبد الشكور عام 1960 كأول داعية إسلامي، وبعدها بدأ المسجد يكتظ بالمصلين”.

متفقا معه، أكد الشيخ تقي الدين أن الشيخ عبد الشكور استطاع أن يقيم الكثير من المشروعات التي تحتاجها الأقلية المسلمة ومن بينها تأسيس المدرسة الإسلامية البرازيلية في حي “فيلا كارون” بمدينة ساو باولو، والمقبرة الإسلامية بمدينة غواروليوس، ومسجد سانتو أمارو”.

كما تربى على يديه مجموعة من الشباب الذين أثروا بدورهم في الدعوة بالبرازيل، منهم الأستاذ عز الدين البعلبكي والذي ألف بعض الكتب الإسلامية باللغة البرتغالية، والأستاذ محمد سعيد صالح من قيادات العمل الإسلامي اليوم في لبنان، والأستاذ سمير الحايك الذي ترجم معاني القرآن للغة البرتغالية وترجم أكثر من 30 كتابا إسلاميا.

وفي خطوة تالية وحول الشخصية الثانية التي كان لها دور بارز على الساحة الإسلامية بالبرازيل، أوضح أنه “بحلول عام 1974 م بعثت وزارة الشئون الإسلامية والأوقاف والدعوة والإرشاد في السعودية الداعية أحمد صالح المحايري، والذي أنشأ العمل الإسلامي في ولاية بارانا بمدينة لوندرينا، وأسس مسجد الملك فيصل رحمه الله، وتوجد للشيخ الكثير من الأعمال باللغة البرتغالية والإسبانية”.

بينما تمثلت الخطوة الثالثة في عام 1979م، حيث “قام الحاج حسين الزغبي بتأسيس اتحاد المؤسسات الإسلامية في البرازيل، وتم هذا التأسيس بمباركة من رابطة العالم الإسلامي وسفارات الدول الإسلامية، وقد استطاع الاتحاد تأمين الدعم لإنشاء أكثر من ثلاثين مسجدا في أماكن مختلفة من البرازيل، واستقدام الدعاة لها من وزارة الأوقاف المصرية، ورابطة العالم الإسلامي، ووزارة الأوقاف السعودية”.

وفي تطور هام أحدث طفرة في العمل الإسلامي بالبرازيل، قام السيد أحمد علي الصيفي عام 1987 بتأسيس مركز الدعوة الإسلامية بأمريكا اللاتينية بالتعاون مع الهيئة الخيرية الإسلامية العالمية بالكويت ومساعدة بعض أهل الخير، وقد اهتم المركز بطباعة الكتب وترجمتها باللغة البرتغالية، وإقامة مؤتمر دولي سنوي، وعمل مخيمات دعوية، وتعيين بعض الدعاة ومساعدة بعض المؤسسات الإسلامية بالبرازيل.

وبحسب عدد من الدعاة الذين تحدثوا لـ”إسلام أون لاين” فإن أحمد الصيفي يعد من بين الذين لعبوا دورا في ترسيخ الوجود الإسلامي بالبرازيل موضحا أنه “سعى لتوثيق التواصل مع الدول الإسلامية والعربية، وتعريفهم بواقع مسلمي البرازيل واحتياجاتهم، وحثهم على دعم وجودهم، كما عمل على تعزيز التواصل بين الأقلية المسلمة ورموز الدولة ومؤسساتها.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
اسلام أون لاين ـ مارس 2010 ـ هاني صلاح

التخطي إلى شريط الأدوات