مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

الشيخ محمد منتا.. من دراسة اللغة في فرنسا إلى ملحمة الدعوة وبناء المراكز الإسلامية في ليون ( 3 )

ثلاثة وثلاثون عامًا حولت الإقامة المؤقتة من طالب دراسة لغة إلى أحد أبرز وجوه العمل الإسلامي في ليون

المحور الثالث من سلسلة الشيخ محمد منتا بعد التقرير التمهيدي والمحورين الأول والثاني

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

بعد التقرير التمهيدي الذي قدّم مسار الرحلة عبر ثلاثة محاور، والتقريرين الأول و الثاني اللذين تناولا الجذور العلمية في مالي ومرحلة التكوين في المدينة المنورة، نصل اليوم إلى المحور الثالث والأخير من هذه السلسلة، وهو المحور الذي تحولت فيه سنوات دراسة اللغة المؤقتة إلى واحدة من أبرز قصص العمل الدعوي والمؤسسي في أوروبا، امتدت لأكثر من ثلاثة وثلاثين عامًا في مدينة ليون الفرنسية.

بداية مؤقتة تحولت إلى مشروع عمر

وصل الشيخ محمد منتا إلى فرنسا عام 1992، وكانت نيته في البداية أن يقضي عامين فقط لتعلّم اللغة الفرنسية قبل العودة إلى مالي. وقد بدأ رحلته في باريس، حيث أقام نحو شهر ونصف، لكنه لم يجد في العاصمة البيئة التي تساعده على التركيز والهدوء، فقرر الانتقال إلى مدينة ليون، التي أصبحت لاحقًا محور مشروعه الدعوي الطويل.

كانت الخطة واضحة: دراسة اللغة ثم العودة. لكن الأقدار كانت تُعِدُّ لهذه الرحلة فصلًا جديدًا يتجاوز حدود الدراسة المؤقتة.

المصلى الصغير.. نقطة التحول الكبرى

في ليون تعرّف الشيخ إلى مصلى صغير في منطقة ديسين، لا يتجاوز عدد المصلين فيه نحو مئة شخص في صلاة الجمعة، بينما كانت بعض الصلوات اليومية تكاد تخلو من المصلين. وهنا بدأت نقطة التحول الأهم في هذا المحور.

فبعد أول خطبة ألقاها هناك، أدرك أن كثيرًا من أبناء الجالية، خاصة من أصول مغاربية وإفريقية، لا يفهمون العربية الفصحى بالشكل الكافي. وقد ترك هذا الموقف أثرًا عميقًا فيه، لأنه شعر أن الرسالة لا تصل كاملة إلى الناس.

اللغة الفرنسية في خدمة الدعوة

بدل أن يتعامل مع الأمر كعائق، قرر الشيخ تحويله إلى فرصة. فبدأ دراسة اللغة الفرنسية بجدية، ليس فقط من أجل الدراسة، بل من أجل الخطاب الدعوي نفسه. وقد ذكر في اللقاء أنه بدأ بحفظ الأحاديث النبوية مترجمة إلى الفرنسية، وحفظ معاني الآيات القرآنية، إلى جانب دراسته الأكاديمية للغة.

وبعد نحو ستة أشهر، أصبح قادرًا على إلقاء الخطبة بالعربية مع ترجمتها إلى الفرنسية، في خطوة وصفها بأنها لحظة فارقة في مسيرته. وقد كانت ردة فعل المصلين مؤثرة للغاية، حين قالوا له بعد الصلاة: «اليوم فهمنا». ومن هنا بدأ الحضور يتزايد بصورة ملحوظة.

من مئة مصلٍّ إلى آلاف

مع مرور السنوات، تحوّل ذلك المصلى الصغير إلى مركز إسلامي كبير في ليون. وأصبح المصلون يأتون من مناطق تبعد عشرات الكيلومترات لحضور خطبة الجمعة والدروس.

وبحسب ما ذكره الشيخ في اللقاء، وصل عدد المصلين في صلاة العيد إلى نحو ثلاثة آلاف مصلٍّ في كل صلاة، مع إقامة صلاتين، أي ما يقارب ستة آلاف مصلٍّ في اليوم الواحد. أما صلاة الجمعة، فقد تجاوز عدد الحاضرين فيها ألفًا وخمسمئة مصلٍّ.

هذا التحول لا يعكس فقط نجاح الخطاب الدعوي، بل يكشف أيضًا عن حاجة الجالية إلى مؤسسات دينية وتعليمية قوية في قلب أوروبا.

بناء المركز الإسلامي.. عمل مؤسسي متكامل

من أهم المعلومات التي وردت في هذا المحور أن تكلفة بناء المركز الإسلامي في ليون بلغت نحو خمسة ملايين يورو. وقد تم تمويل هذا المشروع بجهود المجتمع المسلم وتبرعاته، في صورة تعكس نضج العمل المؤسسي وقدرته على التحول من مصلى متواضع إلى مركز متكامل يخدم آلاف المسلمين.

ويحمل هذا الجانب أهمية كبيرة، لأنه ينقل القصة من بعدها الشخصي إلى بعدها المؤسسي، حيث تحولت الدعوة إلى بنية مستدامة تخدم الأجيال.

ثلاثة عقود من الأثر

لم تعد فرنسا في هذا المحور مجرد محطة لغوية أو إقامة مؤقتة، بل أصبحت ساحة تأثير ممتدة لأكثر من ثلاثة عقود. ومن قرية صغيرة في مالي، مرورًا بالمدينة المنورة، وصل الشيخ محمد منتا إلى أن يكون أحد الوجوه البارزة في خدمة المجتمع المسلم في ليون. إنها رحلة تختصر كيف يمكن للعلم، والصبر، وحسن الاندماج، وبناء المؤسسات، أن يصنع أثرًا ممتدًا بين إفريقيا وأوروبا.

خاتمة المحور الثالث

بهذا المحور تكتمل سلسلة الرحلة: من جذور الإسلام والكتاتيب في مالي، إلى التكوين العلمي في المدينة المنورة، ثم إلى ملحمة الدعوة والعمل المؤسسي في فرنسا. إنها قصة تؤكد أن طريق العلم قد يبدأ من قرية صغيرة، لكنه قادر على أن يصل برسالته إلى قلب أوروبا.

ـ المصدر: بودكاست باثوث مسار ـ إذاعة إنسان / لقاء الشيخ محمد منتا

التخطي إلى شريط الأدوات