مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

بلغاريا.. ماذا تعني لحظة تخرج طلبة المدارس الثانوية الشرعية التابعة لدار الإفتاء العامة؟

من بيئة تربوية إسلامية مشتركة إلى الجامعات متعددة الثقافات.. انتقال جيل جديد لاختبار أثر التعليم الإسلامي في الواقع

نموذج تعليمي يجمع بين العلوم الشرعية والمناهج الرسمية ويهدف إلى إعداد مسلم واعٍ بدينه وفاعل في مجتمعه

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

قد تبدو احتفالات تخرج الطلبة والطالبات من المدارس الثانوية الشرعية الثلاث في مدن شومن وروسه ومومشيلغراد التي نظمت هذا الأسبوع مناسبة تعليمية اعتيادية، لكنها في حقيقتها تمثل لحظة مفصلية في مسار التعليم الإسلامي المؤسسي في بلغاريا.

فهذه المدارس الثلاث التابعة لدار الإفتاء العامة في بلغاريا لا تقتصر مهمتها على منح شهادة دراسية، بل تقوم على مشروع تربوي وتعليمي متكامل يجمع بين علوم الشرعية الإسلامية والمناهج الرسمية المعتمدة في الدولة، في نموذج يهدف إلى إعداد أجيال تمتلك المعرفة الدينية والكفاءة العلمية معًا.

ومع تخرج دفعات جديدة من هذه المدارس، تبدأ مرحلة مختلفة في حياة الطلاب والطالبات؛ إذ ينتقلون من بيئة تعليمية ذات طابع إسلامي مشترك، قضوا فيها سنوات من التعلّم والتنشئة داخل فضاء تربوي متقارب، إلى الجامعات والكليات داخل بلغاريا وخارجها، حيث تتنوع التخصصات الأكاديمية، وتختلف الخلفيات الثقافية والدينية والعرقية للطلاب.

وتكتسب هذه اللحظة أهمية خاصة لأنها تمثل الانتقال من «التكوين» إلى «الاختبار العملي»؛ أي من تلقي القيم والمعرفة إلى ترجمتها في فضاءات اجتماعية وأكاديمية أوسع وأكثر تنوعًا وتعقيدًا.

المدارس الثلاث.. مؤسسات تعليمية لصناعة التوازن بين الدين والعلم

تنتشر المدارس الثانوية الشرعية التابعة لدار الإفتاء العامة في ثلاث مدن بلغارية ذات دلالات جغرافية ومجتمعية مختلفة؛ ففي مومشيلغراد جنوب البلاد قرب الحدود اليونانية والتركية، حيث تتركز تجمعات تاريخية للمجتمع المسلم، وفي روسه شمال بلغاريا على ضفاف نهر الدانوب المقابلة لرومانيا، إحدى بوابات البلاد نحو أوروبا الوسطى، وفي مدينة شومن شمال شرق بلغاريا، التي تحتضن مدرسة «نُوَّاب» الثانوية الشرعية، أقدم المدارس الثلاث، والتي يتجاوز عمرها أكثر من قرن.

ولا تقوم هذه المدارس على التعليم الديني البحت، بل تعتمد منهجًا مزدوجًا يجمع بين العلوم الشرعية – من قرآن كريم، وفقه، وعقيدة، وسيرة، وأخلاق – إلى جانب المناهج العلمية والرسمية المعتمدة وطنيًا، بما يتيح للخريجين مواصلة تعليمهم الجامعي في الطب والهندسة والقانون والعلوم الإنسانية والاقتصاد والتربية وسائر التخصصات الحديثة.

من المحضن التربوي إلى فضاء المجتمع الواسع

في سنوات الدراسة داخل هذه المدارس، يعيش معظم الطلاب والطالبات في بيئة يغلب عليها الانسجام الثقافي والديني؛ يتعلمون معًا، وينشؤون في أجواء تربوية متقاربة، ويكتسبون فهمًا دينيًا وقيميًا داخل مجتمع مدرسي تشكله الهوية الإسلامية المشتركة.

لكن التحدي الحقيقي يبدأ بعد التخرج؛ عندما ينتقل هؤلاء الشباب إلى الجامعات، حيث يدرسون جنبًا إلى جنب مع طلاب من خلفيات دينية وثقافية وعرقية متعددة، وفي فضاءات فكرية أكثر تنوعًا، وهنا تبدأ المرحلة الأهم: اختبار ما إذا كانت القيم التي اكتسبوها قادرة على التحول إلى ممارسة يومية وسلوك حضاري.

فالمطلوب من خريج المدرسة الشرعية ليس فقط النجاح الأكاديمي، بل أن يكون نموذجًا متوازنًا يجمع بين الثقة بالهوية والانفتاح على الآخر، وبين التمسك بالقيم والقدرة على التعايش، وأن يتحول إلى شخصية تبني الجسور بدل الحواجز.

الثمرة الحقيقية للتعليم الإسلامي المؤسسي

تكمن القيمة الأعمق لهذه المدارس في أنها لا تُخرّج أفرادًا معزولين عن المجتمع، ولا تُعدّ رجال دين فقط، بل تُسهم في بناء جيل من الشباب المسلم القادر على الاندماج الإيجابي في الدولة والمجتمع، دون فقدان هويته أو مرجعيته الأخلاقية.

فالطالب الذي تلقى تعليمًا شرعيًا وعلميًا متوازنًا، وتربى على احترام الإنسان والحكمة والحوار والانضباط، يُنتظر منه أن يتحول في الجامعة، ثم في الحياة المهنية لاحقًا، إلى نموذج عملي يعكس ثمرة التعليم الإسلامي؛ طبيبًا نافعًا، أو مهندسًا مسؤولًا، أو أكاديميًا مؤثرًا، أو موظفًا يتحلى بالنزاهة، أو مواطنًا يشارك في خدمة مجتمعه.

وفي بلد متعدد الأديان والثقافات مثل بلغاريا، تصبح هذه النماذج أكثر أهمية، لأنها لا تمثل نفسها فقط، بل تعكس صورة المجتمع المسلم وتعبر – بسلوكها قبل خطابها – عن قيم الحكمة والتسامح والتعايش والإسهام الإيجابي في المجال العام.

ولعل هذا هو المعنى الأعمق لتخرج هذه الدفعات: أن ينتهي دور المدرسة بوصفها محضنًا تربويًا، ليبدأ أثرها الحقيقي في المجتمع، عبر خريجين يتحولون من متلقين للمعرفة إلى نماذج حية لها.

3 دلالات رئيسية يحملها تخرج هذه الدفعات

أولًا: يعكس استمرار المدارس الثانوية الشرعية التابعة لدار الإفتاء العامة في بلغاريا نجاح نموذج التعليم المزدوج الذي يجمع بين الهوية الإسلامية والكفاءة العلمية.

ثانيًا: يمثل انتقال الخريجين إلى الجامعات بداية اختبار عملي لترجمة القيم الإسلامية إلى سلوك وتفاعل حضاري داخل بيئات متعددة الثقافات والأديان.

ثالثًا: تبرز هذه الدفعات بوصفها الثمرة الأهم للتعليم الإسلامي المؤسسي، عبر إعداد جيل مسلم واعٍ بدينه، منفتح على مجتمعه، وقادر على الإسهام الإيجابي في مختلف المجالات.

ـ المصدر: دار الإفتاء العامة في بلغاريا

التخطي إلى شريط الأدوات