مخاوف من تشجيع القوى الانفصالية في وقت يتجدد فيه الجدل حول مستقبل البوسنة والهرسك
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في موقف يعكس حجم القلق المتصاعد من مستقبل الاستقرار السياسي في البوسنة والهرسك، حذّرت المشيخة الإسلامية في البلاد من أن أي تقليص لصلاحيات الممثل السامي الدولي قد يفتح الباب أمام القوى الداعية إلى الانفصال وتقسيم الدولة، مؤكدة أن الحفاظ على الصلاحيات الحالية لهذه المؤسسة الدولية يشكل إحدى الضمانات الأساسية لحماية اتفاق السلام ووحدة البلاد.
ويأتي هذا التحذير في وقت يتجدد فيه النقاش حول اختيار ممثل سامٍ جديد للبوسنة والهرسك، وسط تسريبات وتكهنات بشأن احتمال تقليص صلاحيات المنصب أو تقييد دوره، وهو ما أثار مخاوف واسعة لدى جهات ترى أن البلاد لم تتجاوز بعد التحديات التي تهدد استقرارها ووحدتها.
المشيخة تنتقد غياب الشفافية
وأعربت المشيخة الإسلامية عن قلقها من الطريقة التي تُدار بها عملية اختيار الممثل السامي الجديد، مشيرة إلى وجود انطباع متزايد لدى الرأي العام بأن القوى السياسية والاجتماعية المحلية لا تشارك بصورة كافية في هذا الملف.
وقالت إن غياب الشفافية في إدارة عملية الاختيار وظهور مؤشرات على وجود تفاهمات أو ضغوط تُدار بعيدًا عن الرأي العام يهددان الثقة والاستقرار، ويمنحان انطباعًا بأن القرار قد يكون نتيجة تسويات لا تراعي مصالح الدولة ومواطنيها.
المصلحة الوطنية أولًا
وفي معرض حديثها عن الشخصية المطلوبة لشغل المنصب، أكدت المشيخة الإسلامية أن الممثل السامي الجديد يجب أن يكون شخصًا يضع مصالح البوسنة والهرسك وشعوبها ومواطنيها في المقام الأول.
وشددت على أن هذه القضية لا تمثل شأنًا سياسيًا فحسب، بل ترتبط بمستقبل جميع مكونات المجتمع، بما في ذلك المؤسسات الدينية التي ترى في الحفاظ على السلام والتعايش مسؤولية وطنية مشتركة.
لماذا ترفض المشيخة تقليص الصلاحيات؟
وتعود أهمية هذا الملف إلى أن الممثل السامي يمثل إحدى المؤسسات الرئيسية التي نشأت بموجب اتفاق دايتون للسلام عام 1995، وهو الاتفاق الذي أنهى الحرب البوسنية الدامية وأبقى البوسنة والهرسك دولة واحدة رغم انقسامها إلى كيانين رئيسيين.
ويتمتع الممثل السامي بصلاحيات واسعة تخوله التدخل لحماية اتفاق السلام ومؤسسات الدولة عند تعرضها للخطر، وهو ما يجعل كثيرًا من البوشناق المسلمين ينظرون إلى هذا المنصب باعتباره أحد الضمانات الدولية التي تحول دون عودة مشاريع التقسيم والانفصال.
تحذير من تشجيع المشاريع الانفصالية
وفي أقوى فقرات البيان، ربطت المشيخة الإسلامية بين أي محاولة لإضعاف دور الممثل السامي وبين تصاعد النزعات الانفصالية داخل البلاد.
وأكدت أنه في وقت تتواصل فيه الدعوات العلنية لانفصال كيان جمهورية صرب البوسنة وتُطرح فيه مجددًا أفكار إعادة رسم الحدود، فإن تقليص صلاحيات الممثل السامي أو تقييد ولايته قد يُفهم باعتباره تراجعًا في الضمانات الدولية التي تحمي وحدة الدولة.
وأضافت أن أي خفض لصلاحيات المنصب أو نقل مقره أو فرض قيود زمنية على ولايته من شأنه تشجيع الجهات التي تسعى إلى إثبات أن البوسنة والهرسك الموحدة والديمقراطية لا يمكن أن تستمر كدولة مستقرة.
إغلاق المكتب ليس مطروحًا الآن
كما رفضت المشيخة الإسلامية الدعوات الرامية إلى إغلاق مكتب الممثل السامي أو تقليص دوره في المرحلة الحالية، مؤكدة أن هذه الخطوة لا يمكن أن تتم إلا بعد استكمال تنفيذ اتفاق دايتون وإزالة جميع المخاوف المتعلقة بوحدة الدولة وسيادتها وسلامة أراضيها.
واعتبرت أن أي إغلاق مبكر للمكتب أو الحد من صلاحياته قد يشكل تهديدًا مباشرًا للاستقرار السياسي والأمني والاقتصادي الذي تحقق خلال العقود الماضية.
دعوة لحماية السلام ووحدة البلاد
وفي ختام بيانها، دعت المشيخة الإسلامية أعضاء مجلس تنفيذ السلام والشركاء الدوليين والقوى السياسية المحلية إلى التحلي بالمسؤولية في التعامل مع هذا الملف، مؤكدة أن السلام والاستقرار ووحدة أراضي البوسنة والهرسك يجب ألا تكون موضوعًا للمساومات السياسية أو الضغوط أو التجارب.
ويُذكر بأن البوسنة والهرسك نالت استقلالها عام 1992 بعد تفكك يوغسلافيا السابقة، قبل أن تشهد حربًا استمرت حتى عام 1995 وانتهت بتوقيع اتفاق دايتون للسلام، فيما لا تزال بعض القوى السياسية في كيان جمهورية صرب البوسنة تدعو إلى الانفصال عن الدولة، الأمر الذي يجعل أي نقاش حول مستقبل المؤسسات الضامنة للاتفاق محل متابعة واهتمام واسع داخل البلاد.
ـ المصدر: المشيخة الإسلامية في البوسنة والهرسك.