مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

بلغاريا.. كيف أعادت دار الإفتاء العامة بناء الأئمة والكوادر الدينية بعد سقوط الشيوعية؟

بعد انهيار منظومة التعليم الديني.. مشروع طويل لإعداد العنصر البشري الذي قاد النهضة الإسلامية الحديثة

الحلقة الثانية ضمن سلسلة: «قرن من التعليم الإسلامي في بلغاريا»

من الابتعاث إلى بناء المؤسسات التعليمية.. رحلة استمرت 36 عامًا لإعداد أجيال جديد من الأئمة والمعلمين والخطباء

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

عندما سقط النظام الشيوعي في بلغاريا عام 1989، لم يكن التحدي الأكبر أمام المسلمين يقتصر على إعادة فتح المساجد أو استعادة الشعائر الدينية فقط، بل تمثل في غياب العنصر البشري القادر على قيادة عملية الإحياء الديني والتعليمي. فبعد أكثر من أربعة عقود من التضييق على التعليم الإسلامي وإغلاق المؤسسات الدينية، وجدت دار الإفتاء العامة نفسها أمام واقع شديد الصعوبة؛ مئات المساجد بحاجة إلى أئمة، وآلاف الأطفال بحاجة إلى معلمين، بينما كانت الكوادر الدينية المؤهلة محدودة للغاية.

ومنذ السنوات الأولى لمرحلة ما بعد الشيوعية، أدركت دار الإفتاء العامة أن إعادة بناء التعليم الإسلامي لا يمكن أن تبدأ بالمباني والمؤسسات وحدها، بل تبدأ بإعداد الإنسان القادر على حمل رسالة التعليم والدعوة. ولذلك وضعت تأهيل الأئمة والمعلمين والخطباء في مقدمة أولوياتها، باعتبارهم حجر الأساس لأي مشروع يهدف إلى استعادة الهوية الإسلامية وبناء الأجيال الجديدة.

البداية من الصفر

ورث المسلمون في بلغاريا عام 1989 واقعًا معقدًا؛ فمعظم العلماء الذين تخرجوا في مدرسة «النواب» التاريخية كانوا قد تقدموا في السن أو رحلوا عن الحياة، كما أن عقود الشيوعية الطويلة أدت إلى انقطاع شبه كامل في إعداد الأئمة والمعلمين والكوادر الدينية.

ومع عودة الحرية الدينية، وجدت دار الإفتاء العامة نفسها أمام تحدٍ كبير؛ فالمساجد عادت إلى أداء رسالتها الدينية، لكنها كانت بحاجة إلى أئمة مؤهلين قادرين على الإمامة والتعليم والإرشاد، كما كانت أعداد الشباب الذين يمتلكون تكوينًا شرعيًا منهجيًا محدودة للغاية.

ولهذا أصبحت مسألة إعداد الكوادر الدينية أولوية ملحة أمام دار الإفتاء العامة، التي أدركت أن نجاح أي مشروع لإحياء التعليم الإسلامي لا يمكن أن يتحقق دون وجود أئمة ومعلمين وخطباء قادرين على قيادة هذه المرحلة الجديدة.

الابتعاث إلى العالم الإسلامي

في ظل غياب مؤسسات التعليم الشرعي المحلية خلال السنوات الأولى بعد سقوط الشيوعية، اتجهت دار الإفتاء العامة إلى أحد الحلول الأكثر إلحاحًا آنذاك، وهو إرسال الطلاب البلغاريين للدراسة في الجامعات والمعاهد الإسلامية خارج البلاد، بهدف إعداد جيل جديد من الأئمة والمعلمين والخطباء القادرين على سد الفراغ الذي خلفته عقود الانقطاع.

وتوجه عشرات الطلاب إلى تركيا، كما ابتعث آخرون إلى عدد من الدول العربية والإسلامية، حيث درسوا العلوم الشرعية واللغة العربية والتخصصات الإسلامية المختلفة، قبل أن يعود كثير منهم لاحقًا للعمل في المساجد والمؤسسات التعليمية التابعة لدار الإفتاء العامة في مختلف أنحاء بلغاريا.

وقد شكل هؤلاء الخريجون النواة الأولى لعملية إعادة بناء التعليم الإسلامي بعد عام 1989، وأسهموا في توفير دفعة مهمة من الكوادر المؤهلة التي احتاجتها المساجد وكتاتيب القرآن الكريم والمؤسسات الدينية خلال مرحلة التسعينيات.

غير أن الابتعاث، على أهميته، ظل حلًا مرحليًا لا يمكنه تلبية الاحتياجات المتزايدة للمجتمع المسلم على المدى الطويل، بسبب محدودية الأعداد التي يمكن ابتعاثها سنويًا، وارتفاع تكاليف الدراسة والمعيشة، فضلًا عن حاجة البلاد إلى أعداد أكبر بكثير من الأئمة والمعلمين والخطباء.

ومن هنا بدأت دار الإفتاء العامة التفكير في إنشاء مؤسسات تعليمية قادرة على إعداد كوادرها الدينية داخل بلغاريا نفسها، بما يضمن استدامة عملية التأهيل والتكوين للأجيال المقبلة.

من الابتعاث إلى بناء المؤسسات

ومع تزايد الحاجة إلى الكوادر المؤهلة، أدركت دار الإفتاء العامة أن الاعتماد على الابتعاث وحده لا يكفي لتلبية الاحتياجات المتنامية للمجتمع المسلم، فبدأت العمل على بناء منظومة تعليمية قادرة على إعداد الأئمة والمعلمين والخطباء داخل بلغاريا نفسها.

وفي هذا السياق تأسس المعهد الإسلامي العالي في العاصمة صوفيا، ليشكل محطة مفصلية في تاريخ التعليم الإسلامي المعاصر في البلاد، وينقل عملية إعداد الكوادر الدينية من مرحلة الاعتماد على المؤسسات التعليمية الخارجية إلى مرحلة بناء المؤسسات التعليمية المحلية.

ولم يُنشأ المعهد بوصفه مؤسسة أكاديمية فحسب، بل باعتباره مشروعًا استراتيجيًا لإعداد الأئمة والخطباء ومعلمي الدين الإسلامي والكوادر الدينية التي تحتاجها المساجد والمؤسسات التعليمية في مختلف أنحاء بلغاريا.

كما أسهم المعهد في توفير بيئة علمية تجمع بين دراسة العلوم الشرعية ومتطلبات الواقع البلغاري، بما يساعد على إعداد كوادر أكثر قدرة على فهم احتياجات المجتمع المسلم والتعامل مع التحديات المعاصرة.

ومع مرور السنوات أصبح المعهد الإسلامي العالي أحد أهم روافد التعليم الإسلامي في بلغاريا، وأسهم في تخريج أجيال جديدة من الأئمة والمعلمين والخطباء الذين تلقوا تعليمهم داخل البلاد، وشاركوا لاحقًا في دعم المساجد وكتاتيب القرآن الكريم والمدارس الشرعية ومؤسسات دار الإفتاء العامة.

برامج التأهيل المستمر

لم تقتصر جهود دار الإفتاء العامة على إعداد الأئمة والمعلمين عبر الابتعاث أو الدراسة الأكاديمية النظامية، بل حرصت أيضًا على توفير برامج تدريب وتأهيل مستمرة للعاملين في الحقل الديني.

وشملت هذه البرامج دورات في الفقه والخطابة والوعظ والإرشاد والتربية الدينية، إلى جانب لقاءات علمية ومؤتمرات وندوات هدفت إلى تطوير مهارات الأئمة وتعزيز قدرتهم على التعامل مع القضايا والتحديات المعاصرة.

كما أسهمت هذه البرامج في رفع مستوى الأداء المهني للعاملين في المؤسسات الدينية، وتبادل الخبرات بينهم، وتعزيز دورهم التعليمي والتربوي في مختلف مناطق البلاد، ولا سيما في المناطق الريفية التي كانت تعاني نقصًا أكبر في الكوادر المؤهلة.

الأوقاف والرواتب.. تحدٍ مستمر

ورغم النجاحات التي تحققت في مجال إعداد الكوادر، واجهت دار الإفتاء العامة تحديًا آخر لا يقل أهمية، تمثل في محدودية الموارد المالية نتيجة مصادرة جانب كبير من الأوقاف الإسلامية خلال الحقبة الشيوعية.

وقد انعكس ذلك على رواتب الأئمة والمعلمين، التي بقيت محدودة مقارنة بالفرص المتاحة في بعض دول أوروبا الغربية، ما أدى في بعض الحالات إلى هجرة عدد من خريجي العلوم الشرعية بحثًا عن ظروف معيشية أفضل.

ومع ذلك واصلت دار الإفتاء العامة جهودها للحفاظ على الكوادر المؤهلة وتشجيع الشباب على الالتحاق بمسار التعليم الشرعي، باعتباره استثمارًا استراتيجيًا في مستقبل المجتمع المسلم.

جيل جديد يقود النهضة

وبعد ستة وثلاثين عامًا من سقوط الشيوعية، يمكن القول إن دار الإفتاء العامة نجحت في تجاوز واحدة من أصعب العقبات التي واجهت التعليم الإسلامي في بلغاريا، وهي إعادة بناء العنصر البشري القادر على قيادة عملية الإحياء الديني والتعليمي.

فالمئات من الأئمة والمعلمين والخطباء الذين يعملون اليوم في المساجد والمؤسسات التعليمية وكتاتيب القرآن الكريم هم ثمرة مشروع طويل بدأ من الصفر تقريبًا، واستمر عبر الابتعاث والتعليم والتدريب وبناء المؤسسات.

لكن إعداد الأئمة والمعلمين لم يكن سوى الخطوة الأولى في مسيرة إعادة بناء التعليم الإسلامي. فبعد توفير الكوادر الدينية، برز تحدٍ جديد يتمثل في الوصول إلى الأطفال والناشئة، وإعادة بناء الصلة بينهم وبين القرآن الكريم والمسجد والقيم الإسلامية بعد عقود من الانقطاع.

ولهذا اتجهت دار الإفتاء العامة إلى بناء مشروع واسع يستهدف الأطفال مباشرة، من خلال دورات القرآن الكريم في كتاتيب المساجد المنتشرة في مختلف أنحاء البلاد، لتصبح مع مرور الوقت أحد أهم أعمدة التعليم الإسلامي في بلغاريا.

فكيف نجحت دار الإفتاء العامة في تحويل دورات القرآن الكريم في كتاتيب المساجد إلى أكبر مشروع دعوي وتعليمي للأطفال بعد سقوط الشيوعية؟

هذا ما سنتعرف عليه في الحلقة الثالثة:

«دورات القرآن الكريم للأطفال في كتاتيب المساجد.. كيف قادت دار الإفتاء العامة أكبر مشروع دعوي وتعليمي بعد سقوط الشيوعية؟»

التخطي إلى شريط الأدوات