7 سنوات من الإعلام المستقل عبر «مسلمون حول العالم».. أرشيف معرفي يتواصل عن المجتمعات المسلمة حول العالم
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في عالم تتدفق فيه الأخبار بلا توقف، تمضي معظم الأحداث سريعًا إلى النسيان، بينما تبقى المعرفة وحدها قادرة على مقاومة الزمن. فالخبر يصنع لحظته، أما التوثيق فيصنع ذاكرته، وحين تتراكم الأخبار والتقارير والحوارات والصور حول مجتمع واحد، فإنها تتحول مع مرور السنوات من مواد متفرقة إلى سجل يكشف ملامحه وتحولاته وقصته من الداخل.
ولا تبدأ رحلة الوصول إلى المجتمعات المسلمة حول العالم من خبر عابر، وإنما من سؤال أوسع: أين يوجد هذا المجتمع؟ ومن هم أبناؤه؟ وما مؤسساته وشخصياته وقضاياه؟ وكيف يمكن الوصول إلى مصادره والاستماع إلى صوته بعيدًا عن الصورة السريعة التي قد تصنعها الأخبار العابرة؟
ومن هذا السؤال تشكلت رحلة «مسلمون حول العالم» مع المجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية؛ رحلة بدأت بالبحث والاستكشاف، ثم انتقلت إلى التواصل والوصول، وتطورت إلى الحوارات والزيارات والتغطية الميدانية، حتى اتسعت شبكة المصادر والمؤسسات والشخصيات، وأصبح لكل مجتمع رصيد من المواد التي يمكن جمعها وقراءتها ضمن سياق واحد.
ومع مرور 26 عامًا من العمل الإعلامي، بينها نحو 7 سنوات من الإعلام المستقل منذ إطلاق موقع «مسلمون حول العالم»، لم يعد الهدف مجرد متابعة ما يحدث، وإنما بناء ذاكرة إعلامية تحفظ ما أُنجز، وتوثق التجارب، وتكشف المؤسسات والشخصيات والمبادرات، وتتيح للقارئ والباحث أن يرى المجتمع المسلم في صورته الأوسع، لا من خلال مادة منفردة، وإنما عبر مسار طويل من التغطية المتراكمة.
ومن هنا يأتي مشروع «أصوات من الداخل.. قصة بناء الأرشيف»، ليحوّل هذا التراكم إلى ملفات معرفية مستقلة لكل دولة، تجمع ما نُشر عنها، وتقرأ أبرز ما كشفه الأرشيف، وتحدد في الوقت نفسه ما يزال بحاجة إلى البحث والتغطية والتوثيق.
من التغطية الإعلامية إلى بناء الذاكرة
على امتداد 26 عامًا من العمل الإعلامي، تبلورت تجربة قائمة على التخصص في المجتمعات المسلمة حول العالم، ولا سيما تلك التي تعيش في الدول غير الإسلامية.
ولم يكن تراكم المواد هدفًا في حد ذاته، وإنما جاء نتيجة متابعة مستمرة للحياة الإسلامية بمختلف جوانبها، من المؤسسات والمجالس الدينية والتعليم الإسلامي والمساجد والثقافة والشخصيات، إلى المبادرات والفعاليات والقضايا المجتمعية.
ومع مرور الوقت، أصبح كل حوار جزءًا من معرفة أوسع، وكل تقرير إضافة إلى صورة أكبر، وكل علاقة مهنية طريقًا إلى مصادر ومؤسسات جديدة. وهكذا تراكمت المواد عامًا بعد عام، لتضم حوارات وتقارير وصورًا ووثائق ومتابعات ميدانية.
وفي عام 2019، ومع إطلاق موقع «مسلمون حول العالم» كمشروع إعلامي مستقل متخصص، دخلت التجربة مرحلة جديدة، انتقلت فيها فكرة التغطية المتخصصة إلى مشروع إعلامي مستقل يحمل رؤية واضحة لتوثيق المجتمعات المسلمة في الدول غير الإسلامية، وبناء أرشيف معرفي متراكم عنها.
3000 مادة.. من الرقم إلى المرجعية
يمثل الوصول إلى 3000 مادة إعلامية محطة مهمة في هذه الرحلة، لكنه لا يُقاس بالرقم وحده، وإنما بما يحمله هذا الرقم من تراكم معرفي تشكل عبر سنوات من العمل والتخصص والاستمرارية.
فكل مادة جاءت في سياق تغطية مجتمع أو مؤسسة أو شخصية أو مبادرة أو قضية، ومع تتابع النشر بدأت المواد تتصل ببعضها، لتشكل شبكة واسعة من المعلومات التي تساعد على قراءة واقع المجتمعات المسلمة وتحولاتها.
ولذلك فإن الرقم 3000 لا يمثل حجم النشر فقط، بل يعكس مسارًا من العمل الإعلامي الذي يسعى إلى تحويل المادة الصحفية من خبر عابر إلى جزء من ذاكرة يمكن الرجوع إليها والاستفادة منها.
من المواد المتفرقة إلى ملفات الدول
يأتي مشروع «أصوات من الداخل.. قصة بناء الأرشيف» ليعيد تنظيم هذا الرصيد في ملفات مستقلة للدول، بحيث لا يكتفي القارئ بقراءة تقرير أو حوار منفرد، وإنما يستطيع رؤية مسار المجتمع عبر مجموعة من المواد التي تكشف شخصياته ومؤسساته وقضاياه وتحولاته.
ويبدأ كل ملف بقصة بناء الأرشيف الخاص بالدولة، ثم يقدم نبذة عن الدولة والمجتمع المسلم فيها، قبل الانتقال إلى الحوارات والتقارير والصور والمواد التي تشكل ذاكرة التغطية الإعلامية.
كما يتضمن قراءة لما كشفته المواد المتراكمة من مؤسسات وقضايا وإنجازات وتحديات وملامح متكررة، ثم يضع رؤية لاستكمال ما لم يحظَ بعد بالتغطية الكافية.
وبذلك تتحول المواد الصحفية من أرشيف متفرق إلى ملف معرفي مترابط، يربط بين الشخصيات والمؤسسات والأحداث والتجارب، ويضع كل مادة في سياقها ضمن مسيرة المجتمع.
كوسوفا.. نموذج لاختبار قوة الأرشيف
تمثل كوسوفا واحدة من أبرز التجارب داخل أرشيف «مسلمون حول العالم»، إذ تجاوز عدد المواد المنشورة عنها نحو 400 مادة، لتصبح من أكثر المجتمعات حضورًا في المنصة، ومن أكثر التجارب التي تكشف طبيعة التغطية الممتدة والمتخصصة.
ولم يتشكل هذا الرصيد من متابعة مناسبات منفصلة، وإنما جاء نتيجة سنوات من التواصل المهني والزيارات والحوارات والمتابعة المباشرة، ولا سيما مع المشيخة الإسلامية في كوسوفا ومؤسساتها وشخصياتها، وهو ما أتاح الانتقال من متابعة الأخبار إلى الاقتراب من تفاصيل الحياة الإسلامية والمؤسسية والتعليمية والدعوية والثقافية.
ولهذا تمثل كوسوفا نموذجًا عمليًا لفكرة المشروع؛ فكلما امتدت العلاقة بالمجتمع واتسعت شبكة المصادر، أصبح من الممكن بناء أرشيف أكثر عمقًا، لا يكتفي بتسجيل الحدث، وإنما يرصد مسار المؤسسات والتجارب وتطورها عبر الزمن.
قراءة الأرشيف.. من التوثيق إلى الفهم
القيمة الأساسية للأرشيف لا تكمن في عدد مواده فقط، وإنما في الصورة التي تظهر عند جمعها وقراءتها معًا.
فالمواد المتراكمة تسمح باكتشاف المؤسسات الأكثر حضورًا، والشخصيات التي أسهمت في تشكيل المشهد، والقضايا التي تكررت عبر السنوات، والمبادرات التي تطورت، والإنجازات التي تحققت، إلى جانب التحديات والمساحات التي لم تحصل بعد على ما يكفي من التوثيق.
ومن هنا تصبح قراءة الأرشيف مرحلة مستقلة عن مجرد جمعه؛ لأنها تنقل المشروع من الحفظ إلى الفهم، ومن توثيق الماضي إلى اكتشاف الأولويات التي ينبغي أن توجه العمل في المستقبل.
استكمال الأرشيف.. ماذا بعد؟
لا يتعامل مشروع «أصوات من الداخل» مع أي ملف باعتباره مكتملًا ونهائيًا، لأن المجتمع نفسه يتغير، والمؤسسات تتطور، والشخصيات تتبدل، وتظهر مبادرات وتجارب جديدة تستحق التوثيق.
لذلك يتضمن كل ملف رؤية لاستكمال الأرشيف، تحدد الموضوعات التي لم تُغطَّ، والشخصيات التي ما تزال مطلوبة للحوار، والمؤسسات التي ينبغي الوصول إليها، والمجالات التي تحتاج إلى مزيد من الزيارات والتقارير والمتابعة.
وبهذه الطريقة يتحول الأرشيف إلى أداة للتخطيط، وليس مجرد سجل للماضي؛ فما تم إنجازه يمثل قاعدة العمل، وما تكشفه القراءة يحدد الحاضر، وما لم يُنجز بعد يرسم أولويات المرحلة المقبلة.
أرشيف حي
للمجتمعات المسلمة حول العالم
لا يمثل مشروع «أصوات من الداخل.. قصة بناء الأرشيف» نهاية مرحلة التوثيق، وإنما بداية طريقة جديدة لقراءة ما أُنجز والبناء عليه.
فالمواد التي نُشرت على مدار السنوات لا تُستعاد لمجرد استحضار الماضي، وإنما يعاد تنظيمها حتى تكشف مسارات المجتمعات المسلمة، وتبرز تجاربها ومؤسساتها وشخصياتها، وتمنح الباحث والقارئ مدخلًا أكثر شمولًا إلى واقعها.
وهكذا تتحول المادة الصحفية من خبر ينتهي بانتهاء الحدث إلى لبنة في ذاكرة أكبر؛ وتتراكم الحوارات والتقارير لتصنع أرشيفًا حيًا، يزداد قيمة كلما اتسعت التغطية وتنوعت المصادر وتواصلت الزيارات والحوارات.
إن «أصوات من الداخل» مشروع لتوثيق المجتمعات المسلمة، لكنه في الوقت نفسه توثيق لرحلة الوصول إليها؛ من الاستكشاف إلى الاكتشاف، ومن البحث عن المعلومات إلى الوصول إلى أصحابها، ومن متابعة الأخبار إلى بناء المعرفة.
إنها رحلة إعلامية امتدت 26 عامًا، وتواصلت عبر 7 سنوات من الإعلام المستقل في «مسلمون حول العالم»، وصولًا إلى 3000 مادة إعلامية، لتبدأ اليوم مرحلة جديدة يكون فيها الأرشيف نقطة انطلاق لا نقطة نهاية؛ يحفظ ما مضى، ويقرأ ما تحقق، ويكشف ما ينقص، ويضع خريطة عملية لاستكمال توثيق المجتمعات المسلمة حول العالم.