مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

كوسوفا.. الوقف يتحول إلى منظومة متكاملة لإحياء دوره الحضاري

المشيخة الإسلامية تقود مسارات الوقف بين الوعي والإنشاء والاستثمار والبحث والتوثيق وحفظ الذاكرة

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

لا يمكن قراءة تجربة الوقف في دولة كوسوفا من خلال مشروع واحد أو مبادرة منفردة؛ فالمشهد يكشف عن منظومة واسعة تتداخل فيها المشيخة الإسلامية ومؤسساتها المتخصصة، إلى جانب الواقفين والعائلات وطلاب العلم والباحثين وأبناء المجتمع والجاليات، بحيث يؤدي كل طرف دوره في إعادة بناء الوظيفة الدينية والتعليمية والاجتماعية والحضارية للوقف، واستعادة قدرته على إنتاج الأثر واستمراره عبر الأجيال.

وتتولى المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا موقعًا محوريًا في هذه المنظومة، ليس فقط من خلال الإشراف على الأوقاف وإدارة مشروعاتها، وإنما من خلال إداراتها ومؤسساتها المتخصصة وكوادرها التي تعمل في مجالات متكاملة؛ من الاستثمار والتنمية إلى البحث الأكاديمي، ومن نشر المعرفة إلى التوثيق وحفظ التراث والذاكرة، بما يجعل الوقف حاضرًا في أكثر من مجال من مجالات بناء المجتمع.

ومن خلال النماذج التي يتناولها هذا الملف، يمكن قراءة هذه التجربة عبر ثمانية محاور رئيسية، لا يعمل أي منها بمعزل عن الآخر، وإنما تتكامل جميعها في صناعة نهضة وقفية تستعيد للوقف دوره الحضاري.

أولًا.. ثقافة الوقف والوعي المجتمعي

تبدأ النهضة الوقفية من الوعي؛ ولذلك لا يقتصر العمل على استقبال التبرعات أو إدارة الأصول، وإنما يمتد إلى تعريف المجتمع بأهمية الوقف ووظيفته الدينية والحضارية. ويظهر ذلك بوضوح في تجربة تخصيص شهر كامل لنشر ثقافة الوقف، وتوظيف خطب الجمعة واللقاءات والبرامج التلفزيونية والإذاعية في التعريف به، مع الاستفادة من عودة أبناء الجاليات الكوسوفية إلى وطنهم خلال العطلات الصيفية.

وهنا يتحول الوقف من ممارسة فردية إلى ثقافة عامة، ويصبح المجتمع نفسه شريكًا في إعادة إحياء هذه المؤسسة.

ثانيًا.. إنشاء الأصول الوقفية وتوسيع قاعدة الوقف

يمثل إنشاء الأصل الوقفي الأساس الذي تنطلق منه بقية الوظائف؛ من الأرض التي يوقفها صاحبها لبناء مسجد أو مشروع يخدم المجتمع، إلى المساجد والمرافق والمنشآت التي تستمر في أداء وظائفها الدينية والتعليمية والاجتماعية.

وتكشف هذه النماذج عن استمرار ثقافة الوقف داخل المجتمع الكوسوفي، وعن قدرة العطاء الفردي والعائلي على إنتاج أصول تخدم المجتمع وتتجاوز عمر الواقِف نفسه.

ثالثًا.. الوقف العلمي والمعرفي

لا يقتصر الوقف على الأرض والعقار؛ فالمكتبة العلمية يمكن أن تتحول هي الأخرى إلى وقف مستمر.

ويبرز ذلك في تقليد عائلات العلماء إهداء مكتبات علمائهم إلى المساجد، لتبقى الكتب في متناول طلاب العلم والباحثين، وليتحول الإرث العلمي الشخصي إلى مورد معرفي عام.

ومن هنا يصبح الكتاب جزءًا من منظومة الوقف، ويستعيد المسجد دوره بوصفه مكانًا للعبادة والعلم والمعرفة في آن واحد.

رابعًا.. الاستثمار والتنمية والاستدامة المؤسسية

ينتقل الوقف في هذا المحور من مجرد أصل موجود إلى مورد قادر على دعم المؤسسة واستمرار رسالتها.

وتظهر هذه الرؤية في إنشاء المباني الوقفية واستثمارها في تعزيز العمل الديني والتعليمي والإداري، كما في مشروع المبنى الوقفي الجديد في جيلان، الذي يمثل نموذجًا لاستثمار الوقف في بناء القدرة المؤسسية وتطوير الخدمات المقدمة للمجتمع.

فالهدف هنا ليس إنشاء المبنى فحسب، وإنما تأسيس مورد وبنية تساعد المؤسسة على مواصلة رسالتها بكفاءة واستدامة.

خامسًا.. البحث الأكاديمي وإنتاج المعرفة الوقفية

يدخل الوقف في كوسوفا كذلك إلى المجال الأكاديمي، حيث تتحول الأوقاف التاريخية ووثائقها إلى موضوعات للبحث العلمي.

وتقدم رسالة الماجستير حول محمود باشا روتلا في بريزرن نموذجًا واضحًا لذلك؛ إذ جمعت بين دراسة شخصية الواقف وأوقافه، وتحقيق الوقفية المكتوبة بالعربية العثمانية وترجمتها، ودراسة حالة الأوقاف في الوقت الحاضر، إلى جانب الاستفادة من الوثائق والمقابلات والذاكرة العائلية.

وهكذا لا يقتصر الاهتمام بالوقف على إدارته، بل يمتد إلى دراسته وإنتاج المعرفة العلمية حول تاريخه ووثائقه ووظائفه.

سادسًا.. التوثيق وحفظ الذاكرة الوقفية

ما لا يمكن إنقاذه ماديًا يمكن إنقاذ ذاكرته.

وتكشف تجربة معرض «الذاكرة في الصور» عن هذا البعد؛ إذ تحولت صور المساجد والمنشآت الوقفية التي دُمّرت إلى وثائق بصرية تحفظ ما كان قائمًا، وتقدم للأجيال الجديدة شهادة على مرحلة تاريخية مؤلمة.

وهنا يصبح التوثيق جزءًا من العمل الوقفي نفسه، لأن حفظ صورة الأصل وتاريخه ووظيفته وما تعرض له من تدمير يمنع سقوطه الكامل من الذاكرة.

سابعًا.. حماية التراث الإسلامي والهوية التاريخية

يتجاوز الحفاظ على الوقف حدود الممتلكات إلى حماية التراث والهوية التاريخية للمجتمع.

فالمساجد في كوسوفا ليست أماكن للعبادة فحسب، وإنما شواهد على تاريخ طويل من العمران والتعليم والثقافة والتنظيم الاجتماعي وتقليد الوقف، ولذلك فإن حمايتها وترميمها وتوثيقها وإعادة تقييمها علميًا تعني حماية طبقة أساسية من تاريخ كوسوفا وتراثها الثقافي.

ومن هنا تكتسب جهود التوثيق والمعارض والدراسات الأكاديمية أهمية إضافية؛ لأنها تعيد تقديم التراث الإسلامي بوصفه جزءًا أصيلًا من الذاكرة التاريخية والثقافية للبلاد.

ثامنًا.. المؤسسات المتخصصة وتكامل الأدوار

وهذا هو المحور الذي يجمع المحاور السابقة كلها في منظومة واحدة.

فالمشيخة الإسلامية توفر الإطار المؤسسي، وتعمل مؤسساتها المتخصصة كل في مجاله؛ فمركز البحوث والدراسات الإسلامية ينهض بالبحث والتوثيق ودراسة التراث، وكلية الدراسات الإسلامية تفتح المجال للبحث الأكاديمي وتخريج الباحثين، بينما تؤدي إدارة الثقافة والنشر والمطبوعات دورًا في نشر المعرفة والتعريف بالتراث وحفظ الذاكرة من خلال المواد الثقافية والمعارض والمشروعات التوثيقية.

وفي المقابل، يشارك الواقفون والعائلات والجاليات وطلاب العلم والباحثون وأبناء المجتمع في هذه المنظومة، بحيث لا تكون النهضة الوقفية مسؤولية مؤسسة واحدة، وإنما مشروعًا مجتمعيًا تتكامل فيه الوظائف والأدوار.

من الوعي إلى الذاكرة.. منظومة واحدة

وهذه المحاور الثمانية لا تمثل مسارات منفصلة، وإنما حلقات متصلة في دورة حضارية واحدة: يبدأ الأمر بالوعي بثقافة الوقف، ثم إنشاء الأصل، واستثماره وتنميته، وتوظيفه في التعليم والمعرفة، ودراسة تاريخه ووثائقه، وتوثيق ما بقي منه وما فُقد، وحماية مكانته في التراث والهوية، ضمن منظومة مؤسسية تتولى تنظيم هذه الأدوار وربطها بالمجتمع.

ومن هنا فإن التقارير السبعة التي يضمها هذا الملف ليست حصرًا لجميع جهود الوقف في دولة كوسوفا، وإنما نماذج مختارة تسلط الضوء على هذه المنظومة من زوايا متعددة: أرض يوقفها صاحبها للمسجد، ومكتبة عالم تتحول إلى وقف لطلاب العلم، وشهر كامل لإحياء ثقافة الوقف، ومبنى وقفي يعزز القدرة المؤسسية، ورسالة أكاديمية تعيد قراءة وقف تاريخي ووثيقته، ومعرض يحفظ بالصور ذاكرة ما دُمّر من المساجد والمنشآت الوقفية.

أما المقال الذي كتبه الإعلامي رمضان اشكودرا، رئيس إدارة الثقافة والنشر في رئاسة المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا، فيضيف إلى هذه النماذج إطارًا فكريًا وتاريخيًا أوسع، يضع المساجد والأوقاف في سياق التراث الثقافي والهوية التاريخية لكوسوفا، ويؤكد أهمية البحث العلمي والتوثيق والحماية المؤسسية ونقل هذا الإرث إلى الأجيال القادمة.

وبذلك يحاول هذا الملف قراءة الوقف في كوسوفا لا باعتباره مجموعة من الممتلكات أو المشروعات المتفرقة، وإنما باعتباره منظومة حضارية متكاملة؛ فيها الواقِف، والأصل، والمؤسسة، والاستثمار، والتعليم، والبحث، والتوثيق، وحفظ الذاكرة، وكلها تصب في هدف واحد: إعادة الوقف إلى موقعه الطبيعي بوصفه عطاءً ممتد الأثر، ومؤسسة قادرة على خدمة المجتمع في حاضره، وحفظ إرثه، وصناعة أثره للأجيال القادمة.

التخطي إلى شريط الأدوات