مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

من الكلمة المطبوعة إلى صناعة الوعي.. كيف بنت المشيخة الإسلامية في كوسوفا نهضتها الثقافية خلال 70 عامًا؟

من الكتيبات الدينية الأولى إلى أكثر من 300 عنوان.. مسيرة تراكمية في التأليف والترجمة والنشر وبناء الكادر الثقافي

ثلاث دوريات إسلامية صنعت حضورًا معرفيًا باللغة الألبانية.. ومؤتمرات وفعاليات علمية تراجع الإرث الثقافي وتبحث مستقبله

قراءة في أحد حوارات كوسوفا ضمن ملف «النهضة الإسلامية» التي تقودها المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا.

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

لم تبدأ النهضة الثقافية في المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا من وفرة الكتب أو اتساع مؤسسات النشر، وإنما من حاجة أساسية إلى إيصال المعرفة الإسلامية إلى المجتمع الألباني بلغته، ثم تطورت هذه الحاجة على مدار عقود إلى مشروع ثقافي متكامل أسهم في بناء الكوادر، وإنتاج المؤلفات، وإصدار الدوريات، وترجمة معاني القرآن الكريم، وتنظيم الفعاليات العلمية، وصولًا إلى مراجعة هذا الإرث وتقييمه والبحث في سبل تطويره.

ويكشف الحوار الخاص مع مدير أنشطة الثقافة والنشر في رئاسة المشيخة الإسلامية في كوسوفا، الإعلامي رمضان اشكودرا، عن مسار امتد لنحو سبعين عامًا، انتقل خلاله النشر الإسلامي من الكتيبات التي تقدم المبادئ الأساسية للدين إلى أكثر من 300 عنوان في مجالات دينية وثقافية ولغوية وتاريخية وحضارية، بالتوازي مع تجربة طويلة في الإعلام الإسلامي المطبوع باللغة الألبانية.

البداية.. المعرفة الإسلامية بلغة المجتمع

ارتبطت بدايات النشر الإسلامي في كوسوفا بالتحولات التاريخية التي عاشها الألبان في غرب البلقان، حيث بدأت المشيخة الإسلامية في خمسينيات وستينيات القرن الماضي تأليف الكتب الإسلامية باللغة الألبانية بالأبجدية اللاتينية، بعد أن كانت المؤلفات الألبانية في الحقبة العثمانية تستخدم الأبجدية العربية.

وفي عام 1957 أصدرت المشيخة أول كتاب ديني باللغة الألبانية، وهو «الميهال الصغير»، متضمنًا المبادئ الأساسية للدين الإسلامي، قبل أن تتوسع لاحقًا في تقديم موضوعات أكثر عمقًا، وإصدار «الميهال الكبير».

وبذلك بدأت الكلمة المطبوعة من نقطة أساسية: تلبية حاجة المجتمع إلى معرفة دينه بلغته، ثم أخذت هذه الوظيفة في الاتساع مع تطور احتياجات القراء وتغير الواقع الثقافي.

القرآن الكريم.. مرحلة مفصلية

مثلت ثمانينيات القرن الماضي مرحلة مفصلية في مسار النشر الإسلامي، مع انتقال المشيخة إلى ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الألبانية.

وفي عام 1985 صدرت ترجمة لمعاني القرآن الكريم للعالم فتحي مهديو، ثم صدرت في عام 1988 ترجمة الشيخ شريف أحمدي مع شرح مختصر للآيات.

ومثلت هذه الخطوة استجابة لحاجة ثقافية ودينية متزايدة، خاصة مع تراجع الإلمام باللغة العربية، فأصبح إتاحة معاني القرآن الكريم باللغة الألبانية وسيلة أساسية لتوسيع دائرة المعرفة والارتباط بالمصدر الديني.

الدوريات.. مدرسة لصناعة الكادر

بالتوازي مع الكتب، بنت المشيخة الإسلامية تقليدًا طويلًا في الإعلام المطبوع، بدأ بإصدار «التقويم السنوي» عام 1970، ثم مجلة «التربية الإسلامية» عام 1971، ومجلة «المعرفة الإسلامية» عام 1986.

ولم تكن هذه الدوريات مجرد أوعية لنشر الأخبار والمقالات، بل تحولت إلى مدرسة عملية لإعداد الكتّاب والباحثين وتدريب الكوادر على الكتابة والبحث وتناول القضايا الدينية والثقافية.

وعلى مدار عقود، أصبحت هذه الإصدارات من أبرز منابر الكلمة الإسلامية المطبوعة باللغة الألبانية، وامتد تأثيرها إلى كوسوفا والمناطق الألبانية في غرب البلقان، ثم إلى أوساط الجاليات الألبانية المهاجرة حول العالم.

من النشر إلى صناعة الكادر

وتكشف التجربة أن أحد أهم عناصر النهضة لم يكن كثرة الكتب وحدها، وإنما بناء الإنسان القادر على إنتاجها.

فقد أسهمت البيئة الثقافية التي صنعتها المشيخة الإسلامية، إلى جانب عودة عدد من خريجي الجامعات الإسلامية في الدول العربية، في تكوين جيل من المؤلفين والباحثين والكتّاب الذين شاركوا في تطوير المؤسسات والمشروعات الثقافية والإعلامية.

كما لعب الجيل السابق من رواد العمل الثقافي دورًا في اكتشاف الأقلام الشابة وتدريبها ودفعها إلى مجال الكتابة، وهو ما أوجد تراكمًا معرفيًا انتقل من جيل إلى آخر.

الحرية.. نقطة التحول الكبرى

شهد مجال النشر تحولًا واسعًا بعد عام 1999، مع رحيل الصرب واتساع مساحة الحرية، ثم تعززت هذه المرحلة مع إعلان استقلال كوسوفا عام 2008.

وفي هذه البيئة الجديدة توسعت مجالات النشر، وبرزت دار «المعرفة الإسلامية» بوصفها إطارًا رئيسيًا للمطبوعات الإسلامية، لتدخل عملية التأليف والنشر مرحلة أكثر اتساعًا من حيث الموضوعات والعناوين والإنتاج الثقافي.

وتجاوز عدد عناوين المؤلفات الإسلامية والدينية والثقافية واللغوية والتاريخية والحضارية 300 عنوان، وهو ما يعكس انتقال التجربة من مرحلة تلبية الاحتياجات الأساسية إلى مرحلة إنتاج معرفي أكثر تنوعًا.

إرث ثقافي يخضع للتقييم

لم تتعامل المشيخة الإسلامية مع هذا الإنتاج المتراكم باعتباره أرشيفًا مغلقًا، بل بدأت في السنوات الأخيرة مسارًا لتقييمه وإعادة قراءته.

فتم جمع الإصدارات السابقة للدوريات الثلاث في مجلدات متسلسلة، كما نظمت مؤتمرات علمية بمناسبة مرور خمسين عامًا على «التقويم السنوي» و«التربية الإسلامية»، وثلاثين عامًا على «المعرفة الإسلامية»، بمشاركة باحثين وكتاب ومتخصصين.

كما عقدت طاولات مستديرة تناولت تجربة الإعلام المطبوع، وناقشت إنجازاته وتحدياته وآفاق تطويره في ظل التحولات الحديثة.

وهكذا انتقلت النهضة من مرحلة إنتاج المعرفة إلى مرحلة أخرى أكثر نضجًا، تقوم على حفظ الإنتاج، ودراسته، وتقييم أثره، ثم التفكير في مستقبله.

الثقافة في مواجهة تحديات جديدة

رغم هذا التراكم، يواجه النشر الإسلامي اليوم تحديات مختلفة عن تلك التي واجهها الرواد الأوائل.

ويأتي في مقدمتها اختيار المؤلفات التي تتناسب مع واقع المجتمع الكوسوفي وتقاليده الإسلامية، في ظل اتساع سوق الكتاب وتعدد دور النشر وتنوع التوجهات الفكرية.

كما يبرز تحدي جودة المحتوى، سواء من حيث المستوى العلمي أو اللغة أو الإخراج والطباعة، بما يضمن قدرة الكتاب والدورية الإسلامية على جذب القارئ والاستجابة لاحتياجاته المعرفية في بيئة ثقافية مفتوحة.

ثلاثة أعمدة للنهضة الثقافية

ومن خلال قراءة التجربة التي يعرضها الحوار، تبرز ثلاثة أعمدة رئيسية صنعت هذه النهضة الثقافية.

أولها الكادر المؤهل والمبدع، الذي أنتج الأفكار والمؤلفات والبحوث وقاد المؤسسات الثقافية والإعلامية.

وثانيها اتساع الإنتاج، الذي تجاوز 300 عنوان في مجالات متعددة، بما يعكس تحول النشر الإسلامي إلى نشاط معرفي واسع لا يقتصر على العلوم الدينية الأساسية.

وثالثها الإعلام المطبوع، الذي حافظ على استمرارية الكلمة الإسلامية باللغة الألبانية عبر ثلاث دوريات امتدت مسيرتها لعقود، وأسهمت في الارتقاء بالحياة الثقافية والدينية داخل كوسوفا وخارجها.

نهضة بدأت بالكلمة.. وتواصل صناعة الوعي

تكشف مسيرة سبعين عامًا أن النهضة الثقافية في المشيخة الإسلامية في كوسوفا لم تكن حدثًا منفصلًا، وإنما عملية تراكمية بدأت من كتاب صغير لتعليم أساسيات الدين، ثم اتسعت إلى ترجمة معاني القرآن الكريم، وبناء الدوريات، وإعداد الكوادر، وإنتاج مئات العناوين، وتنظيم المؤتمرات والفعاليات العلمية، ثم الانتقال إلى تقييم هذا الإرث والتخطيط لمستقبله.

ومن هنا تبدو الكلمة المطبوعة في التجربة الكوسوفية أكثر من وسيلة للنشر؛ فقد تحولت إلى أداة لبناء الوعي، وتكوين الكادر، وحفظ المعرفة، وترسيخ الهوية الثقافية والدينية، وصناعة حضور معرفي إسلامي باللغة الألبانية امتد عبر أجيال ومناطق وجاليات خارج كوسوفا.

التخطي إلى شريط الأدوات