في كوسوفا.. يجد المتبرع المشروع الذي يبحث عنه ضمن شبكة مؤسسية تمتد إلى الغذاء والرعاية الصحية والتعليم والوقف والنشر وخدمة المساجد
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
حين يبحث أهل الخير عن مشروعات للتبرع، تختلف اهتماماتهم باختلاف المجالات التي يرغبون في دعمها؛ فمنهم من يبحث عن كفالة يتيم، ومنهم من يفضل إغاثة أسرة محتاجة، وآخر يختار بناء مسجد أو دعم التعليم، بينما يتجه غيره إلى الرعاية الصحية أو توفير الغذاء أو دعم الأئمة والمعلمين أو طباعة الكتب والمصاحف.
وفي كوسوفا، لا تبدو هذه الاحتياجات أبوابًا متفرقة تبحث عن متبرعين في أماكن مختلفة، وإنما تظهر ضمن منظومة واسعة من المشروعات الإنسانية والتعليمية والدينية التي تنفذها مؤسسات تابعة للمشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا، وتتيح للمتبرع مساحات متعددة لاختيار المجال الذي يريد أن يضع فيه صدقته وعطاءه.
خريطة الخير تبدأ من حاجة الإنسان
تقدم جمعية بركات الخيرية، التابعة للمشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا، نموذجًا واضحًا لهذا التنوع؛ فقد امتدت مشاريعها إلى مجالات متعددة من العمل الإنساني، بدءًا من المساعدات الغذائية وإغاثة الأسر المحتاجة، وصولًا إلى المطابخ الخيرية والمتاجر الخيرية التي تخدم المستفيدين بصورة منظمة تحفظ كرامتهم.
وفي العاصمة بريشتينا، يقدم المتجر الخيري المواد الغذائية والاحتياجات الأساسية لأكثر من 100 أسرة بصورة منتظمة، بينما شهد المشروع تطويرًا وتنظيمًا لآلية تقديم الخدمة بالتعاون مع بلدية بريشتينا، بما عزز كفاءة العمل واستدامته.
ولا تتوقف منظومة الغذاء عند المتجر الخيري، إذ تشرف الجمعية كذلك على مطابخ خيرية تقدم وجبات ساخنة للمحتاجين، ومنها مطابخ في ميتروفيتسا وبييا، يمولها أهل الخير وتصل خدماتها إلى مئات المستفيدين.
ومن هنا يجد المتبرع الذي يبحث عن إطعام المحتاجين أو دعم الأمن الغذائي مجالًا واضحًا ومباشرًا للعطاء.
رعاية الأيتام والعائلات المحتاجة
ويمتد باب التكافل إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وفي مقدمتها الأيتام والأسر محدودة الدخل، ضمن منظومة المساعدات والكفالات والاحتياجات الإنسانية التي تنفذها جمعية بركات في مختلف مناطق كوسوفا.
وتكشف شبكة فروع الجمعية ومكاتبها وفرقها المتخصصة عن انتقال العمل الخيري من المبادرات الفردية المحدودة إلى العمل المؤسسي القادر على الوصول إلى المدن والقرى والمناطق الأكثر احتياجًا.
وبذلك لا يكون التبرع مجرد مساعدة عابرة، وإنما مساهمة في منظومة تمتلك أدوات للوصول إلى المستفيدين ومتابعة احتياجاتهم.
التعليم.. من الطالب إلى المؤسسة
أما من يريد توجيه تبرعه إلى التعليم، فتتسع أمامه مجالات العطاء لتشمل دعم العملية التعليمية والبرامج التدريبية والمبادرات التي تستهدف تنمية المهارات.
وتقدم تجربة تمكين النساء في بودويفا نموذجًا لهذا الاتجاه، حيث استفادت 16 سيدة من تدريب متخصص في فنون الطهي وصناعة الحلويات، وحصلن على شهادات في ختام البرنامج، إلى جانب تزويدهن بمعدات مهنية تساعدهن على تحويل المهارة إلى قدرة على الاعتماد على الذات.
وهنا يتحول التبرع من تقديم مساعدة مباشرة إلى الاستثمار في الإنسان وتمكينه من بناء مصدر دخل واستقلال اقتصادي.
المساجد.. بناء وصيانة وخدمة مستمرة
وللمتبرع الذي يرى في عمارة المساجد وخدمتها بابًا من أبواب الخير، تمثل المؤسسات الدينية التابعة للمشيخة الإسلامية مساحة واسعة من العمل المرتبط بالمساجد وشؤونها، بما يشمل احتياجاتها وخدماتها والعاملين فيها.
كما يرتبط بهذا المجال دعم التعليم الديني، ومدارس القرآن، والبرامج التي تتيح للأطفال والطلاب تعلم القرآن والمعارف الإسلامية، فضلًا عن دعم الكوادر الدينية والتعليمية بحسب احتياجات المؤسسات والمشروعات. وبذلك تتكامل عمارة المكان مع بناء الإنسان.
الوقف.. صدقة تمتد آثارها
وتفتح مشروعات الوقف بدورها مجالًا مختلفًا أمام المتبرع الذي يبحث عن عطاء مستدام، سواء من خلال دعم الأصول الوقفية أو الإسهام في مشروعات تحقق منفعة مستمرة للمجتمع.
وهذه الزاوية تكتسب أهمية خاصة؛ لأن الوقف لا يرتبط بحاجز زمني قصير، وإنما يمكن أن يتحول إلى أصل مستدام تتواصل من خلاله المنفعة.
الطب والرعاية الصحية..
الخير يصل إلى المستشفى
وفي المجال الصحي، تكشف تجربة مستشفى الشيخة فاطمة بنت مبارك للأطفال في بريشتينا عن نموذج آخر من أبواب العطاء، حيث ارتبط العمل الخيري باحتياجات الأطفال المرضى والرعاية الطبية والتجهيزات والخدمات الصحية.
كما شهد المستشفى زيارات خيرية هدفت إلى الاطلاع على الاحتياجات الطبية وبحث إمكانات تطوير الرعاية الصحية، إلى جانب توزيع المساعدات على الأطفال المرضى.
وهنا يجد المتبرع الذي يريد أن يضع عطاءه في المجال الطبي مجالًا يرتبط مباشرة بصحة الإنسان واحتياجاته العلاجية.
المطابخ والمتاجر..
إغاثة تحفظ الكرامة
ومن أكثر النماذج دلالة على تطور العمل الخيري في كوسوفا فكرة الانتقال من توزيع المساعدات التقليدية إلى تصميم بيئة أكثر تنظيمًا للمستفيد.
فالمتجر الخيري في بريشتينا يتيح للأسر اختيار احتياجاتها من المواد الغذائية المعروضة على الرفوف، بما يقلل الهدر ويمنح المستفيد قدرًا أكبر من الخصوصية والكرامة.
أما المطابخ الخيرية فتقدم وجبات ساخنة جاهزة للمحتاجين، بما يجعل التبرع بالطعام يتحول إلى خدمة يومية مستمرة.
وهذه النماذج توضح أن قيمة المشروع الخيري لا تقاس فقط بما يقدمه، وإنما أيضًا بالطريقة التي يصل بها إلى الإنسان.
الكتاب والمصحف..
حين يكون التبرع معرفة
وهناك باب آخر قد لا يبحث عنه المتبرع في مشروعات الإغاثة التقليدية، وهو دعم المعرفة الإسلامية.
فالمشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا تمتلك تجربة طويلة في التأليف والترجمة والنشر، وتعود جذور نشاطها في هذا المجال إلى عقود، وصولًا إلى أكثر من 300 عنوان في مجالات دينية وثقافية ولغوية وتاريخية وحضارية، إلى جانب دوريات إسلامية عريقة باللغة الألبانية.
ومن ثم يمكن أن يكون دعم طباعة الكتب الإسلامية، وترجمة معاني القرآن الكريم، وطباعة المصاحف، ونشر المعرفة الدينية، بابًا آخر من أبواب العطاء الذي يترك أثره في أجيال متعاقبة.
من «مشروع» إلى «منظومة»
وتكشف هذه النماذج مجتمعة عن نقطة جوهرية: قوة التجربة الخيرية في كوسوفا لا تكمن في كثرة المشروعات فقط، وإنما في تنوعها وتكاملها وارتباط جانب كبير منها بمؤسسات المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا.
فالمتبرع الذي يريد إطعام المحتاج يجد المتجر أو المطبخ الخيري، والذي يريد رعاية أسرة يجد برامج المساعدة، والذي يريد كفالة يتيم يجد بابًا لذلك، ومن يريد التعليم يجد البرامج التعليمية والتدريبية، ومن يختار المجال الصحي يجد المستشفيات والاحتياجات الطبية، ومن يريد دعم المعرفة يجد الكتاب والمصحف والنشر، ومن يبحث عن العطاء المستدام يجد الوقف.
وهكذا تتحول كوسوفا إلى مساحة واسعة من الخيارات أمام أهل الخير، بدل أن يكون المتبرع مضطرًا إلى البحث عن مشروع مناسب لاهتمامه في بلدان متعددة.
رسالة إلى أهل الخير
وتقدم التجربة الكوسوفية رسالة مهمة في مفهوم العمل الخيري المؤسسي: ليس المطلوب من المتبرع أن يبحث فقط عن مشروع جيد، وإنما أن يجد مؤسسة موثوقة قادرة على تحويل رغبته في الخير إلى مشروع متخصص يصل إلى مستحقيه.
وفي كوسوفا، تتعدد أبواب العطاء، لكن يجمعها إطار مؤسسي واحد، وتتنوع الاحتياجات، لكن لكل حاجة مشروعها، وتتعدد رغبات المتبرعين، لكن أمام كل رغبة مجالًا يمكن أن تجد فيه طريقها إلى الإنسان.
وهذه هي القيمة الأبرز التي تكشفها خريطة المشروعات الخيرية في كوسوفا: أن الخير هناك ليس مشروعًا واحدًا، بل منظومة واسعة تتيح للمتبرع أن يختار الباب الذي يريد، وأن يترك أثره حيث يرى أن عطاءه أكثر نفعًا.