كان الجامع الأثري محور الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية لأكثر من خمسة قرون ونصف في مدينة بيا غرب كوسوفا

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
تتربع مدينة بيا في غرب كوسوفا على حافة الجبال، حيث تنتهي البيوت لتبدأ التلال والمرتفعات العالية، في مشهد طبيعي يجعل منها بوابة للسياحة الجبلية في غرب البلاد، إلى جانب ما تتميز به من أنهار وشلالات وأجواء طبيعية آسرة.
وفي الوقت نفسه، تحتفظ المدينة بتراث عريق يمتد إلى القرون التي أعقبت دخول العثمانيين إلى هذه البلاد، وتظهر ملامح هذا التراث في معالمها القديمة ومساجدها التي بقيت شاهدة على تاريخ المنطقة وتحولاتها.
وحين يصل الزائر إلى قلب المدينة، ثم يدخل البازار القديم، يجد في قلبه مسجد البيرقلي، حيث تتقدم المسجد من ثلاث جهات قبور حجرية متراصة على هيئة نصف هلال حول المسجد، وبعضها يحمل شواهد منقوشة باللغة العربية، في مشهد يضفي على المكان مهابة خاصة ويمنحه طابعًا تاريخيًا وروحيًا فريدًا.
وتزداد خصوصية المشهد داخل المسجد؛ فهدوء المكان وحضور العبادة والعلم والعمل الصالح، إلى جانب عصافير تحلق في أرجائه وتملأه بتغريدها، تمنح الزائر إحساسًا بالسكينة، وكأن أصواتها تواصل في فضاء المسجد تسبيحات وتغاريد أجيال من العباد والعلماء والصالحين الذين ارتبطوا بهذا المكان عبر قرون.
مسجد البيرقلي في قلب بيا
وفي قلب هذا المشهد التاريخي والطبيعي، يأتي مسجد البيرقلي في بيا بوصفه أحد أهم معالم التراث الإسلامي في كوسوفا، وأحد أقدم المساجد التي بقيت شاهدة على مرحلة مبكرة من التاريخ العثماني في البلاد.
ويعرف المسجد أيضًا باسم مسجد البازار القديم أو مسجد السوق، ويرتبط موقعه مباشرة بقلب البازار التاريخي في مدينة بيا، ما جعله جزءًا أساسيًا من النسيج العمراني والحياة اليومية للمدينة على امتداد قرون.
بناه السلطان محمد الفاتح عام 1471م
وتشير المعلومات التعريفية للمسجد إلى أن السلطان محمد الفاتح بناه عام 1471م، أي بعد عشر سنوات من بناء مسجد الفاتح في العاصمة بريشتينا.
ويمثل هذا التاريخ محطة مبكرة في تاريخ العمارة الإسلامية العثمانية في كوسوفا، ويمنح المسجد مكانة خاصة ضمن المعالم التي توثق حضور الدولة العثمانية وتراثها الديني والمعماري في المنطقة.
عمارة عثمانية وزخارف تاريخية
ويتميز المسجد بتصميم عثماني واضح، إذ تضم بنيته قاعة الصلاة الرئيسية التي تعلوها قبة مركزية، إلى جانب رواق أمامي بثلاث قباب صغيرة، ومئذنة ومحراب ومنبر.
وتتزين جدرانه بزخارف نباتية وهندسية وأوراق ذات طابع عثماني، إلى جانب كتابات تتضمن آيات قرآنية، بما يعكس تداخل الفن المعماري مع الوظيفة الدينية للمكان.
وتشير المعلومات التعريفية إلى أن المسجد يتميز كذلك بوجود أعلى قبة بين مساجد مدينة بيا، ما يضيف إلى خصوصيته المعمارية داخل المدينة.
قبور تحيط بالمسجد
ويضم محيط المسجد مجموعة من القبور الحجرية التي تعود إلى فترات مختلفة، بعضها إلى القرون السادس عشر والسابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر.
وتظهر القبور المحيطة بالمسجد من ثلاث جهات في ترتيب قريب من نصف الهلال، وتحمل بعض شواهدها كتابات باللغة العربية، فيما تذكر المعلومات التعريفية أسماء عدد من الشخصيات المدفونة في المكان، من بينها الحاج زكريا (حاجي زِكا)، وعلي باشا غوتشيا، والحاج مصطفى بك.
وتضيف هذه القبور صفحات من الذاكرة التاريخية للمسجد، وتكشف عن ارتباطه المتواصل برجال الدين والشخصيات الاجتماعية في المدينة عبر أجيال متعاقبة.
محور الحياة في بيا لأكثر من خمسة قرون ونصف
وكان مسجد البيرقلي محور الحياة الدينية والثقافية والاجتماعية على مدار أكثر من خمسة قرون ونصف.
ولم تقتصر وظيفته على إقامة الشعائر، بل ارتبط بالحياة اليومية للمجتمع، وبالعلم والعبادة والعمل الصالح، ليبقى حضوره متصلًا بتاريخ المدينة ومجتمعها المحلي عبر أجيال متعاقبة.
أضرار الحرب والحريق
ومر المسجد، شأنه شأن عدد من المعالم التاريخية في كوسوفا، بمراحل صعبة تركت آثارها على بنيته.
وتشير اللوحات التعريفية إلى تعرضه لأضرار ناجمة عن الحرائق وأحداث مختلفة، كما تعرض لأضرار خلال حرب كوسوفا بين عامي 1998 و1999، وتذكر المعلومات أن المسجد أُحرق عام 1999 خلال الحرب.
ترميم يحفظ أصالة المسجد
وبعد الحرب، خضع مسجد البيرقلي لأعمال ترميم وحفظ شملت العناصر التي تعرضت للضرر، من بينها القبة والمئذنة والزخارف الجدارية والعناصر التقليدية للمبنى.
وتذكر المعلومات التعريفية مساهمة المنظمة الإيطالية «إنترسوس» ووزارة الخارجية الإيطالية في أعمال الترميم، التي هدفت إلى الحفاظ على أصالة المسجد وإبقاء ملامحه التاريخية حاضرة.
مسجد محفوظ ضمن التراث الثقافي
ويحظى المسجد اليوم بحماية بوصفه أحد معالم التراث الثقافي، بما يعكس قيمته التاريخية والمعمارية والدينية.
وتتكامل هذه القيمة في موقعه داخل البازار القديم، وتاريخه الممتد منذ عام 1471م، وعماراته العثمانية، وقبوره التاريخية، وما يحمله من نقوش وزخارف، فضلًا عن قدرته على تجاوز الأضرار التي لحقت به واستعادة مكانته من خلال أعمال الترميم.
ذاكرة إسلامية حية في غرب كوسوفا
ويختصر مسجد البيرقلي في بيا جانبًا مهمًا من تاريخ المسلمين في غرب كوسوفا، فهو معلم ديني ومعماري بقي حاضرًا في قلب المدينة منذ أكثر من خمسة قرون ونصف.
ومن خلال موقعه وتاريخه وعماراته وقبور الشخصيات المرتبطة به، يواصل المسجد حمل ذاكرة أجيال متعاقبة، ويقدم شاهدًا حيًا على التراث الإسلامي العثماني الذي ما زالت معالمه حاضرة في مدن كوسوفا.
ـ المصادر: اللوحات التعريفية والمعلومات التاريخية المصورة الموجودة في مسجد البيرقلي بمدينة بيا، كوسوفا.
– تصوير هاني صلاح.




