وفاء وحنين..
خريجو علاء الدين يعودون إلى منارة العلم في كوسوفا

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في قلب بريشتينا، تظل مدرسة علاء الدين الثانوية الإسلامية أكثر من مؤسسة تعليمية؛ فهي مكان تتقاطع فيه ذاكرة أجيال متعاقبة، وتبقى أروقتها شاهدة على طلاب غادروا مقاعد الدراسة منذ سنوات طويلة، ثم عادوا إليها محملين بذكرياتهم وتجاربهم ومسارات حياتهم.
هنا لا تنتهي علاقة الطالب بالمدرسة عند لحظة التخرج، بل تظل أبوابها مفتوحة لذاكرة تمتد لعقود، ويظل المكان قادرًا على جمع من فرقتهم السنوات والمدن والبلدان.
ومنذ تأسيسها عام 1951، بوصفها مدرسة تابعة للمشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا ورائدة في التعليم الديني باللغة الألبانية في غرب البلقان، ظلت مدرسة علاء الدين جزءًا بارزًا من الحياة العلمية والدينية للمسلمين في كوسوفا، وواحة للتعارف والإخاء بين أجيال خريجيها.
ومع حلول العطلة الصيفية، تتجدد في أروقتها لقاءات تجمع خريجين وخريجات بعد 10 و20 و30 و45 وحتى 50 عامًا من التخرج، يأتي بعضهم من مدن كوسوفا، بينما يعود آخرون من بلدان مختلفة يعيشون ويعملون فيها، لتصبح العودة إلى المدرسة موعدًا سنويًا تستعيد فيه الأجيال مقاعدها وذكرياتها، وتلتقي حول المكان الذي بدأت منه رحلتها.

اللقاء الذهبي.. عودة بعد نصف قرن
وفي أحد أبرز نماذج هذه التجربة، عادت الدفعة الثامنة من خريجي مدرسة علاء الدين، الذين تخرجوا عام 1975، إلى مدرستهم الأم بعد مرور 50 عامًا على التخرج، في لقاء حمل طابعًا استثنائيًا جمع 18 خريجًا قدموا من مدن كوسوفا ومن المهجر.
واستقبلهم مفتي كوسوفا ومدير المدرسة، قبل أن يستعيد الخريجون تفاصيل من سنواتهم الأولى، ويتجولوا في الأماكن التي ارتبطت بمرحلة الدراسة، ومنها السكن الداخلي الذي عاشوا فيه خلال سنوات الدراسة، في زيارة نهارية أعادت إلى ذاكرتهم تفاصيل الحياة المدرسية التي عاشوها قبل نصف قرن.
كما استعاد اللقاء أسماء زملاء الدفعة الذين رحلوا عن الدنيا، في مشهد جمع بين فرحة عودة الخريجين وذاكرة من غابوا، ليصبح «اللقاء الذهبي» نموذجًا واضحًا لقدرة مدرسة علاء الدين على جمع أبنائها حتى بعد مرور خمسة عقود على تخرجهم.

بعد 30 عامًا..
المعلم يعود إلى تلامذته بحصة دراسية رمزية
وفي نموذج آخر من لقاءات الأجيال، احتضنت مدرسة علاء الدين الثانوية الإسلامية في العاصمة بريشتينا لقاء إحدى فصول الجيل الثلاثين، بمناسبة مرور 30 عامًا على إتمام أفرادها دراستهم، في عودة جمعت الخريجين بمدرستهم ومعلمهم بعد ثلاثة عقود من التخرج.
واستقبل الأستاذ شمس الدين رحيمي، مشرف الصف، خريجيه مجددًا، وقدم لهم حصة دراسية رمزية أعادتهم إلى أجواء سنوات الدراسة، واستحضرت معهم الأيام والذكريات والتجارب التي عاشوها خلال فترة تعليمهم في المدرسة، فيما استقبلهم مدير المدرسة مؤكدًا أن أبواب مدرسة علاء الدين تظل مفتوحة دائمًا أمام خريجيها.
ولم يتوقف اللقاء عند استعادة ذكريات مرحلة الشباب، بل أتاح للخريجين تبادل قصصهم وتجاربهم والتعرف إلى النجاحات والإنجازات التي حققوها خلال العقود الثلاثة الماضية، وما تركته التربية والتعليم في مدرسة علاء الدين من أثر في تكوينهم وحياتهم، لتتحول عودتهم بعد 30 عامًا إلى مناسبة تلتقي فيها ذكريات الدراسة مع مسارات الحياة التي بدأت من مقاعد المدرسة.

بعد 20 عامًا..
جيل يعود بالحنين والإنجازات إلى مدرسته
وفي نموذج ثالث من لقاءات الأجيال، اجتمع الجيل الثامن والعشرون من خريجي مدرسة علاء الدين الثانوية الإسلامية في العاصمة بريشتينا، الذين أنهوا دراستهم في العام الأكاديمي 1994/1995، بعد مرور 20 عامًا على تخرجهم، في لقاء جمعهم داخل أروقة المدرسة التي احتضنت سنوات شبابهم، وجدد بينهم مشاعر المحبة والحنين إلى المكان الذي كان بالنسبة إليهم بيتًا للعلم والوفاء.
وعاد الخريجون إلى مدرستهم وقد نضجت تجاربهم وحققوا نجاحات في حياتهم، وأصبحوا عناصر فاعلة في أسرهم ومجتمعاتهم ومناطقهم التي يعيشون ويعملون فيها، كما استعادوا ذكريات سنوات الدراسة وتبادلوا ما حققوه من إنجازات خلال مسيرتهم، في صورة تكشف ما آل إليه جيل كامل بعد عقدين من مغادرة مقاعد المدرسة.
ولم يقتصر اللقاء على استعادة الذكريات، بل ناقش الخريجون أفكارًا ومقترحات حول مستقبل المدرسة، وأكدوا من خلال حضورهم ودعمهم العملي والفكري استمرار صلتهم بها ورغبتهم في الإسهام في رفعتها وتقدمها، لتظهر تجربة الجيل الثامن والعشرين أن لقاء الأجيال يمكن أن يتحول من مناسبة للحنين إلى مساحة لتبادل الخبرات وتجديد المسؤولية تجاه المدرسة التي أسهمت في تكوينهم.

الجيل الذهبي.. خريجات بريشتينا
يعدن بعد 20 عامًا
وفي نموذج نسائي مميز من لقاءات الأجيال، اجتمع الجيل الخامس من خريجات مدرسة علاء الدين في العاصمة بريشتينا، ممن درسن خلال الفترة 2001–2005، بعد مرور 20 عامًا على التخرج، في لقاء أعادهن إلى أروقة المدرسة التي شهدت بدايات مسيرتهن التعليمية، واستحضر معهن ذكريات مرحلة التكوين والصداقات التي جمعت بينهن.
ويُعرف هذا الجيل داخل المدرسة بـ«الجيل الذهبي»، بعدما واصلت معظم خريجاته تعليمهن الجامعي، وحصلن على درجات الماجستير والتخصصات العليا في مجالات متنوعة، إلى جانب حضورهن في مجالات العمل التربوي والمهني والمجتمعي داخل كوسوفا وخارجها. وشهد اللقاء حضور الدكتورة أزمينة كوكاي-كاجوشي، التي ألقت كلمة استحضرت فيها ذكريات تلك المرحلة، مؤكدة استمرار المدرسة في الجمع بين المعرفة والقيم والأخلاق.
وشملت العودة جولة في الصفوف والمختبرات والمكتبة والمرافق التي شهدت انطلاقة المسيرة التعليمية للخريجات، واستعادت خلالها المشاركات جهود الأساتذة وتضحياتهم وروح التضامن والصداقة التي ميزت سنوات الدراسة، ليقدم لقاء الجيل الخامس صورة عن تجربة خريجات لم تنته علاقتهن بالمدرسة عند التخرج، بل امتدت إلى مسيرات تعليمية ومهنية ومجتمعية ناجحة، ثم عادت بهن بعد عقدين إلى المكان الذي بدأت منه الرحلة.

بعد 10 أعوام..
خريجات بريزرن يعدن إلى مقاعد الدراسة
وفي نموذج نسائي آخر، احتضن فرع مدرسة علاء الدين الثانوية الإسلامية في مدينة بريزرن لقاء خريجات دفعة 2013–2016، بمناسبة مرور 10 أعوام على تخرجهن، فعادت الخريجات إلى المكان الذي شهد سنوات دراستهن وتكوينهن، واستعدن ذكريات تلك المرحلة، فيما تناول اللقاء مسيرة كل واحدة منهن خلال العقد الماضي وما شهدته حياتها من دراسة وعمل وتكوين أسرة وإنجازات مختلفة.
وافتتحت اللقاء رئيسة الصف، حافظة القرآن الكريم أنيسة بكتشي باحتيري، فيما شارك منسق المدرسة الأستاذ ألمدين إييوبي، وأمين المدرسة السابق فاتح بكولي، والأستاذة مريم أوكا، مدرسة مادة الأخلاق، بكلمات ترحيبية وذكريات ونصائح للخريجات. وشكّل اللقاء فرصة لاستعراض تطورات المدرسة وإنجازاتها، وتجديد الصلة بين الخريجات ومعلميهن، بينما تواصل بعض المشاركات مسيرة العلم والتعليم، ويقوم عدد منهن بتعليم الأطفال في كتاتيب المساجد.
وكان من أبرز تفاصيل اللقاء أن قدمت كل خريجة نبذة عن مسيرتها خلال السنوات العشر الماضية، لتظهر أمام زميلاتها مسارات جيل كامل بعد التخرج، بين الدراسة والعمل والأسرة والتعليم وخدمة المجتمع. وحملت المناسبة أيضًا تفاصيل رمزية من ذاكرة المدرسة، بينها دفتر المدرسة الذي ظل شاهدًا على سنوات الدراسة، والتورتة التي حملت عبارة الاحتفال بمرور 10 أعوام على التخرج، إلى جانب اجتماع الخريجات داخل الفصول وبين مرافق المدرسة، في عودة جمعت بين استحضار الماضي والتعريف بما صنعته كل واحدة منهن خلال عقد كامل.

وتكشف هذه النماذج المتتابعة أن لقاءات الأجيال في مدرسة علاء الدين ليست مناسبات منفصلة، وإنما تقليد راسخ يتجدد مع أجيال مختلفة، ويجمع بين العودة إلى المكان واستعادة تفاصيل الدراسة والتعرف إلى مسارات الخريجين والخريجات بعد التخرج.
ومن الدفعة الثامنة التي عادت بعد 50 عامًا، إلى أجيال عادت بعد 45 و30 و20 و10 أعوام، تتشكل صورة لمدرسة ظلت حاضرة في ذاكرة أبنائها، فيما يكشف حضور الخريجين من داخل كوسوفا ومن المهجر، واستمرار اللقاءات في بريشتينا وبريزرن، عن قدرة المؤسسة التعليمية على الحفاظ على روابطها بأجيالها عبر الزمن.
وهكذا تتحول مدرسة علاء الدين، بعد 75 عامًا من تأسيسها، من مجرد مكان للتعليم إلى ذاكرة مشتركة تجمع أجيالًا متعاقبة، وتستعيد معهم العلم والتربية والصحبة والوفاء، فيما يحمل كل جيل أثر تجربته إلى أسرته ومجتمعه وحياته العملية، لتبقى المدرسة نقطة التقاء يعود إليها أبناؤها مهما امتدت السنوات وتباعدت المسافات.
المصادر: مدرسة علاء الدين الثانوية الإسلامية في كوسوفا، وأرشيف «مسلمون حول العالم».







