من كتاتيب المساجد تبدأ رحلة التعليم الديني، ومن بين مئات الطلاب في المدن والمناطق يتأهل الأبرز إلى التصفيات النهائية، في تجربة تربط المسجد بالتعليم والتنافس وتُظهر اتساع منظومة التعليم الإسلامي في كوسوفا

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في كوسوفا، لا يتوقف التعليم الديني للأطفال عند حلقات التعلم في كتاتيب المساجد، بل يمتد إلى منظومة متكاملة تجمع التعليم والتربية والأنشطة والمسابقات، وتمنح الطلاب فرصة لإظهار ما اكتسبوه من معرفة دينية في بيئة تجمع بين التعلم والتنافس.
وتظهر المسابقة السنوية للمعارف الدينية العامة إحدى صور هذه المنظومة؛ إذ تبدأ المنافسة على مستوى المساجد والمدن، ثم يتأهل الطلاب الأكثر تميزًا إلى التصفيات النهائية، في لقاء يجمع ممثلي مناطق مختلفة من كوسوفا حول القرآن الكريم والعقيدة والفقه والتاريخ الإسلامي.
18 مدينة في التصفيات النهائية
شهدت العاصمة الكوسوفية بريشتينا التصفيات النهائية للنسخة الرابعة عشرة من مسابقة المعارف الدينية العامة، بمشاركة أفضل الطلاب المتأهلين من 18 مدينة في كوسوفا، بعد خوض مراحل سابقة على مستوى المدن والمناطق.
وتنظم المسابقة رئاسة المشيخة الإسلامية في كوسوفا، من خلال إدارة الشؤون الدينية والتعليمية وقسم الشباب، وتتناول مجالات القرآن الكريم والعقيدة والفقه والتاريخ الإسلامي، إلى جانب فقرات فنية أعدها الطلاب المشاركون.
وتكشف آلية الوصول إلى التصفيات النهائية عن مسار تنافسي يبدأ من التعليم الديني في المساجد، ثم ينتقل بأفضل الطلاب إلى مراحل أعلى، وصولًا إلى المنافسة النهائية على مستوى كوسوفا.
التعليم الديني.. منظومة تبدأ من المسجد
تضع المشيخة الإسلامية في كوسوفا ملف التعليم الديني في كتاتيب المساجد ضمن أولوياتها، ولا تتعامل معه بوصفه درسًا محدودًا، وإنما باعتباره مسارًا تربويًا يرتبط بالمساجد والأئمة والمعلمات والأنشطة التعليمية المصاحبة.
ويشارك في تعليم الأطفال مئات من معلمات قسم المرأة التابع للمشيخة، إلى جانب الأئمة، فيما يتلقى القائمون على التعليم تأهيلًا في الدراسات الإسلامية داخل كوسوفا، أو في جامعات شرعية بعدد من الدول الإسلامية والعربية، ومنها مصر والسعودية والأردن وتركيا.
وتوفر هذه المنظومة للأطفال مساحة للتعرف إلى القرآن الكريم والعقيدة والفقه والتاريخ الإسلامي، إلى جانب الأنشطة التي تجعل التعليم الديني أكثر ارتباطًا بحياة الطلاب واهتماماتهم.
من المساجد إلى المنافسة الوطنية
وتمنح المسابقة هذا المسار التعليمي بعدًا عمليًا؛ فالطالب الذي يتلقى دروسه في المسجد لا يبقى داخل نطاق الحلقة التعليمية، وإنما يجد فرصة للقاء أقرانه من مدن أخرى، واختبار معارفه، والانتقال من مرحلة إلى أخرى حتى يصل المتفوقون إلى التصفيات النهائية.
وتتجاوز أهمية هذه التجربة حدود المنافسة على المراكز؛ لأنها تخلق حافزًا لدى الأطفال للاستمرار في التعليم الديني، وتربط المعرفة التي يتلقونها في المساجد بالتشجيع والتكريم والحضور المجتمعي.
كما تعكس مشاركة الطلاب في فقرات فنية مصاحبة للمسابقة، إلى جانب الجانب المعرفي، حرص منظومة التعليم الديني على الجمع بين التعلم والأنشطة التي تمنح الأطفال تجربة تربوية متكاملة.
بريشتينا.. لقاء أوائل كتاتيب المساجد
واحتضنت بريشتينا المرحلة النهائية التي جمعت الطلاب الأكثر تميزًا من المدن المشاركة، في أجواء تعليمية تنافسية، بحضور القائمين على التعليم الديني وأولياء الأمور والطلاب والمعلمات والأئمة.
وأظهرت المنافسة حضورًا واضحًا للطلاب والطالبات، إلى جانب مشاركة المعلمات في العملية التعليمية، بما يعكس اتساع دائرة القائمين على تعليم الأطفال داخل منظومة المشيخة الإسلامية في كوسوفا.
واختُتمت المنافسة بإعلان النتائج، حيث حصل طلاب مجلس المشيخة الإسلامية في فوشتري على المركز الأول، وجاء طلاب مجلس المشيخة الإسلامية في اسكندراي في المركز الثاني، فيما حل طلاب مجلس المشيخة الإسلامية في فوش كوسوفا في المركز الثالث.
علاء الدين.. محطة في مسار التعليم الإسلامي
وأقيمت التصفيات النهائية في المدرسة الثانوية الإسلامية «علاء الدين» في بريشتينا، وهي إحدى أبرز المؤسسات التعليمية الإسلامية في كوسوفا، التي أسهمت على مدى سنوات في تخريج أئمة وطلاب في مجال العلوم الإسلامية، ولخريجيها حضور في العمل الدعوي والتعليم الديني، بما في ذلك خدمة الجاليات المسلمة خارج كوسوفا.
ويمنح اجتماع أوائل طلاب كتاتيب المساجد داخل مؤسسة تعليمية إسلامية بهذا المستوى دلالة إضافية على ترابط مراحل التعليم الإسلامي في كوسوفا؛ من المسجد والكتّاب، إلى المدرسة الإسلامية، ثم إلى مسارات التأهيل العلمي والدعوي.
تجربة تعليمية تتجاوز المسابقة
وتقدم النسخة الرابعة عشرة من المسابقة نموذجًا لافتًا في تنظيم التعليم الديني؛ إذ تتحول كتاتيب المساجد من أماكن لتلقّي المبادئ الأولى للإسلام إلى قاعدة لمنظومة تعليمية تشارك فيها المساجد والأئمة والمعلمات وإدارة الشؤون الدينية والتعليمية وقسم الشباب، وتتصل بها الأنشطة والمسابقات والتكريم.
ومن خلال هذا المسار، تحافظ المشيخة الإسلامية في كوسوفا على حضور التعليم الديني في حياة الأطفال، وتمنح الطلاب المتفوقين مساحة للظهور والتنافس، فيما تتحول المسابقة السنوية إلى محطة تجمع أفضل ما أنتجته حلقات التعليم الديني في مدن كوسوفا.
وتكشف التجربة في مجملها عن رؤية تتعامل مع التعليم الديني باعتباره عملًا مؤسسيًا يبدأ من المسجد، ويحتاج إلى معلمين مؤهلين، وبرامج تعليمية وأنشطة مرافقة، ثم ينتقل بالطلاب تدريجيًا من التعلم إلى التميز والمنافسة، في مسار يحافظ على استمرارية التعليم الإسلامي داخل المجتمع المسلم في كوسوفا.




