من إعداد الكوادر العلمية إلى تطوير المناهج والبحث والنشر وحفظ التراث.. مسيرة أكاديمية جعلت الكلية أحد أعمدة النهضة الإسلامية العلمية في دولة كوسوفا

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
منذ تأسيس كلية الدراسات الإسلامية في العاصمة بريشتينا عام 1992، التابعة للمشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا، ارتبط دورها بحاجة المجتمع إلى بناء كوادر علمية متخصصة قادرة على حمل رسالة التعليم والدعوة وخدمة الحياة الدينية والثقافية.
ومع تراكم الخبرة وتطور المؤسسة، اتسع هذا الدور من إعداد الكفاءات إلى الإسهام في إنتاج المعرفة الإسلامية وحفظها ونشرها.
صناعة الكفاءات.. نقطة البداية
جاء تأسيس الكلية لتلبية الحاجة إلى معلمين ودعاة وأئمة ومتخصصين في العلوم الإسلامية، وتوفير مسار أكاديمي محلي لإعداد الكوادر التي تحتاج إليها المشيخة الإسلامية ومؤسساتها.
وعلى مدار مسيرتها، تخرج فيها مئات الطلاب والطالبات، وأسهم خريجوها في مجالات التعليم والدعوة والعمل الديني والثقافي داخل كوسوفا، كما امتد أثرهم إلى الجاليات الألبانية المسلمة في الخارج وبعض دول البلقان.
تعليم إسلامي يواكب العصر
لم يتوقف التطور عند إعداد الخريجين، بل شمل المناهج وطرق التدريس والبحث العلمي، مع الاستفادة من الخبرات المتراكمة والتجارب الأكاديمية في المنطقة والعالم الإسلامي.
وتعمل الكلية على تنمية مهارات البحث والتحليل والتفكير النقدي لدى طلابها، بما يجعل التعليم الإسلامي أكثر قدرة على التعامل مع احتياجات المجتمع ومستجدات العصر، ويحول الطالب من متلقٍ للمعرفة إلى مشارك في إنتاجها.
من المكتبة إلى حفظ الذاكرة العلمية
ويمتد الدور العلمي للكلية إلى ما تمتلكه من مصادر ومراجع في العلوم الإسلامية والإنسانية والاجتماعية، إلى جانب المخطوطات والمصادر التراثية، والعمل على تطوير الوصول إلى المصادر الإلكترونية.
وتمنح هذه البيئة الطلاب والباحثين وأعضاء هيئة التدريس أدوات تساعد على مواصلة البحث، كما تؤدي وظيفة مهمة في حفظ جانب من الذاكرة العلمية الإسلامية وإتاحتها للأجيال الجديدة.
إنتاج المعرفة ونشرها
تتجلى المرحلة الأوسع من مسيرة الكلية في انتقالها من التعليم إلى البحث والنشر العلمي؛ من خلال مجلتها البحثية الدينية العلمية «بوليتيني»، واستضافة المؤتمرات والندوات واللقاءات الأكاديمية، واحتضان رسائل الماجستير والبحوث التي تتناول قضايا الدين والتاريخ والثقافة والأدب الإسلامي في السياق الألباني والبلقاني.
وبذلك أصبحت الكلية مساحة لإنتاج المعرفة وتداولها، لا مجرد مؤسسة لاستهلاك المعرفة الموجودة.
انفتاح أكاديمي يتجاوز الحدود
واكب هذا التطور انفتاح متزايد على المؤسسات التعليمية والبحثية في أوروبا والعالم الإسلامي، من خلال اتفاقيات التعاون والبرامج التدريبية والمشروعات العلمية وتبادل الخبرات.
كما أسهم هذا الانفتاح في تطوير قدرات الكلية الأكاديمية والإدارية، وتعزيز حضورها في البيئة التعليمية والبحثية الأوسع.
من التعليم إلى المعرفة
تكشف هذه المسيرة عن تحول جوهري في وظيفة كلية الدراسات الإسلامية في بريشتينا: بدأت بصناعة الكفاءات التي يحتاج إليها المجتمع، ثم تطورت إلى مؤسسة تعمل على تطوير المناهج والبحث العلمي وحفظ المصادر وإنتاج المعرفة ونشرها.
ومن هنا تتجاوز قيمة الكلية حدود كونها مؤسسة للتعليم العالي الديني؛ فهي تمثل إحدى الأدوات المؤسسية التي أسهمت في بناء الحياة العلمية الإسلامية في كوسوفا، وربط التعليم بالبحث، والبحث بالمعرفة، والمعرفة بخدمة المجتمع، مع امتداد هذا الأثر إلى خارج البلاد.
وبهذا المسار، تبرز كلية الدراسات الإسلامية في بريشتينا بوصفها أحد أعمدة النهضة الإسلامية العلمية في دولة كوسوفا: من صناعة الكفاءات إلى إنتاج المعرفة.

