مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

كوسوفا.. عندما فتحت مدرسة علاء الدين أبوابها لطلاب جامعة بريشتينا

24 مارس 1990.. ذكرى تستعيد قرارًا تاريخيًا بإخلاء السكن المدرسي لصالح الطلاب

صادق مهمتي يستعيد تفاصيل الأيام التي تحولت فيها المدرسة إلى ملاذ للطلاب ومساحة للحياة التعليمية والعامة

مسلمون حول العالم ـ متابعات

تُعد مدرسة «علاء الدين» الإسلامية الثانوية في بريشتينا، التي تأسست عام 1951، نواة التعليم الإسلامي في كوسوفا، إذ جمعت بين العلوم الإسلامية والأكاديمية وحافظت على رسالتها التعليمية في ظروف تاريخية صعبة. وتخرج فيها الآلاف من الطلاب والطالبات، ويُقدَّر أن نحو 95% من أئمة مساجد كوسوفا من خريجيها، فيما امتد تأثيرها إلى بلدان البلقان والجاليات الألبانية والبوسنية في أوروبا وأمريكا.

ويستعيد صادق مهمتي، في هذا المقال، ذكرى عاشها طالبًا في مدرسة «علاء الدين» عام 1990، عندما أخلت المدرسة سكنها الداخلي بصورة عاجلة لإتاحة غرفه لطلاب جامعة بريشتينا الذين فقدوا مساكنهم الجامعية، في واحدة من المحطات التي عكست ارتباط المدرسة بالمجتمع وقضايا الناس.

عندما فتحت المدرسة الإسلامية أبوابها أمام الطلاب

24 مارس 1990 وذكرى لا تنطفئ

خلال العامين الأخيرين من دراستي في مدرسة «علاء الدين» الإسلامية في بريشتينا، بين عامي 1988 و1990، كانت الظروف التي تمر بها كوسوفا تجعل وصول الإعلانات والقرارات غير المعتادة إلى الفصول أمرًا شبه يومي.

وكان أحد أفراد إدارة المدرسة يأتي أحيانًا أثناء الحصة حاملًا دفترًا أخضر سميكًا بحجم A4، ليبلغنا بقرار أو إعلان جديد. وكانت بعض تلك الإعلانات تتعلق بتشديد الحذر بسبب الوضع في كوسوفا وتنظيم الدخول إلى مبنى المدرسة والخروج منه، فيما حملت إعلانات أخرى أخبارًا أكثر قسوة، من بينها خبر مقتل زميلنا مصطفى فيسيلي، على بعد شارعين أو ثلاثة من المدرسة، خلال مظاهرات مارس 1989.

لذلك، كنا نشعر بالقلق كلما ظهر ذلك الدفتر الأخضر عند باب الفصل، لأننا كنا نعلم أن وراءه ربما خبرًا ثقيلًا.

وهكذا حدث في 24 مارس 1990، عندما أُعلن لنا أننا سنعود إلى بيوتنا لقضاء عطلة شهر رمضان.

كنت حينها في الصف الرابع، السنة النهائية، ولم يكن يفصلنا عن نهاية الدراسة سوى نحو ثلاثة أشهر. لكن الأوضاع التي كانت تعيشها كوسوفا جعلت فرحة التخرج بعيدة عن أجوائنا.

فقد نشأ جيلنا وسط المظاهرات والعنف والملاحقات والاعتقالات والضرب وسوء المعاملة، وكان السير في شوارع المدينة يتطلب الحذر. وحتى الإعلان عن كون الشخص طالبًا في المدرسة الإسلامية لم يكن دائمًا أمرًا بلا عواقب.

كنا أيضًا جيل الطلاب الذين تعرضوا للتسميم في المدارس، في مرحلة كان الضغط على الألبان في كوسوفا يتزايد، فيما كانت حقوقهم ومساحة الحكم الذاتي تتعرض للتضييق تدريجيًا.

وعندما أُعلن القرار في 24 مارس، لم تكن المفاجأة في عودتنا إلى بيوتنا قبل رمضان، فهذا كان يحدث في السنوات السابقة أيضًا، وكان كثير من طلاب المدرسة يعملون أئمة خلال الشهر في مناطقهم الأصلية أو في أماكن أخرى.

لكن ما أثار انتباهنا هذه المرة كان الاستعجال غير المعتاد في إخلائنا للسكن.

لم نكن نعرف حينها السبب الحقيقي، لكننا اكتشفنا لاحقًا أن طلاب جامعة بريشتينا الألبان كانوا قد فقدوا مساكنهم الجامعية، وأصبحوا بحاجة إلى مكان يقيمون فيه ويواصلون دراستهم.

ولهذا قررت إدارة المدرسة، بالتعاون مع رئاسة المشيخة الإسلامية التي كانت المدرسة تتبع لها، وضع مرافق السكن الداخلي تحت تصرف طلاب جامعة بريشتينا الذين فقدوا مساكنهم.

في ذلك العمر لم نكن ندرك الصورة كاملة. كنا نرى الأمر باعتباره مغادرة مبكرة للمدرسة والعودة إلى بيوتنا، بينما كان ما يحدث في الحقيقة إخلاءً لغرفنا حتى يتمكن طلاب آخرون من الإقامة فيها.

كنت أقيم في الغرفة رقم 118 مع زملائي مرسيم ورجب ونفزات، الذين كانوا في السنة الثالثة. أخذت معي معظم أغراضي، وتركت كتبي في إحدى زوايا الغرفة، وتركت المفاتيح في الخزانة.

وقبل أن أخرج، ألقيت نظرة أخيرة على الغرفة التي أمضيت فيها ما يقرب من أربع سنوات، ثم أغلقت الباب خلفي، من دون أن أعرف من سيدخل إليها بعدي وما الذكريات التي ستنشأ فيها.

بدأ الطلاب في الانتقال إلى سكن مدرسة «علاء الدين» يومي 26 و27 مارس 1990.

وكان العدد الرسمي للمقيمين 214 طالبًا، لكنه كان في الواقع أكبر من ذلك، إذ كان بعض الطلاب يستضيفون أصدقاء لهم من خارج المدينة داخل الغرف من دون تسجيل رسمي.

وكان ذلك يظهر بصورة خاصة أثناء توزيع الوجبات، التي كانت تقدم ثلاث مرات يوميًا. ووفق ما لاحظه العاملون في المطبخ، كانت كميات الطعام المعدة تكفي أحيانًا لنحو 400 شخص.

ويذكر صاحب المقال أن مدير المدرسة آنذاك، رسول رشبي، أكد له هذه المعلومة بعد سنوات، موضحًا أن الإدارة كانت تتعامل مع الأمر بتسامح، مراعاة للظروف الصعبة التي كان يعيشها الطلاب والبلاد.

وبعد سنوات طويلة، التقى صادق مهمتي عددًا من الطلاب الذين أقاموا في سكن المدرسة، وأصبح بعضهم لاحقًا شخصيات معروفة في الحياة العامة والثقافية.

ويشير إلى أنهم كانوا يتحدثون باحترام وامتنان عن المدرسة ومعلميها والعاملين فيها، وعن المطعم والطعام والنظافة والخدمات التي وجدوها هناك.

كما يستعيد ذكريات بعض الطلاب من أتباع الديانة الكاثوليكية الذين أقاموا في بيئة المدرسة الإسلامية، مؤكدًا أن تلك الفترة بقيت في ذاكرتهم تجربة خاصة ارتبطت بالصداقات والتفاهم والذكريات الجميلة.

أما الغرفة رقم 118، فيقول إنه لم يلتق حتى اليوم بالشخص الذي نام في السرير العلوي على الجانب الأيسر منها، لكنه يدرك الآن أن خروجه منها في 24 مارس 1990 جعله جزءًا من حدث لم يدرك أهميته إلا بعد سنوات.

ويرى أن ذلك اليوم يؤكد أن المدرسة كانت وما زالت مؤسسة مرتبطة بالمجتمع، تعتمد على دعم الناس ومساعدات المؤمنين وأهل الخير، ولم تنظر إلى نفسها باعتبارها منفصلة عن حياة الشعب وهمومه.

فحين تعرض التعليم للضغوط، فتحت أبوابها، وحين فقد الطلاب مساكنهم، أخلت سكنها لاستقبالهم، وحين احتاج الناس إلى أماكن للاجتماع والنقاش والتنظيم، وضعت مرافقها تحت تصرفهم.

وخلال تسعينيات القرن الماضي، تحولت المدرسة إلى واحدة من المساحات التي استمرت فيها الحياة التعليمية والثقافية والعلمية والاجتماعية للألبان في كوسوفا، في وقت كانت فيه مؤسسات ألبانية عديدة قد أُخرجت من مقارها وأصبحت ممارسة النشاط العام أكثر صعوبة.

وبحسب المصادر المنشورة حول نشاط المدرسة، شهدت مرافقها خلال الفترة من 1989 إلى 1999 نحو 1230 تجمعًا سياسيًا وثقافيًا وتعليميًا.

كما يشير المقال إلى أن 87 من خريجي المدرسة التحقوا بصفوف جيش تحرير كوسوفا خلال حرب عامي 1998 و1999، وقُتل 14 منهم.

ويختتم صادق مهمتي ذكرياته بالتأكيد على أن مدرسة «علاء الدين» لم تكن بالنسبة إليه مجرد مكان للتعلم والإقامة، بل مؤسسة عاشت مع مجتمعها وظروفه، ووضعت علمها ومساحاتها وأبناءها في خدمة الناس في الأوقات الصعبة.

ويقول إن يوم 24 مارس 1990 يبدو له، بعد 36 عامًا، أكبر بكثير مما كان يبدو عليه في ذلك الوقت.

المصدر: الصفحة الشخصية للإعلامي رمضان اشكودرا، رئيس إدارة النشر والمطبوعات في رئاسة المشيخة الإسلامية في دولة كوسوفا.

كاتب المقال: صادق مهمتي.

التخطي إلى شريط الأدوات