من الطقوس والتقاليد المألوفة إلى الرعاية الدينية.. اهتمام باحتياجات كبار السن وما يمنحهم الدعم والطمأنينة خصوصًا في المراحل الأخيرة من الحياة

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
حين يرتبط حوار الأديان باحتياجات الإنسان اليومية، يكتسب معنى أكثر قربًا من الحياة. وفي دور المسنين، يمكن لطقس ديني مألوف أو تقليد حافظ عليه الإنسان سنوات طويلة أو رعاية تحترم معتقده أن تصبح جزءًا مهمًا من شعوره بالطمأنينة والكرامة.
التماسك في أوقات التوتر
فقد اجتمع مجلس الأديان في فيينا، بدعوة من عمدة المدينة ميشائيل لودفيغ، في مبنى بلدية فيينا، لبحث التماسك المجتمعي والتماسك بين الأديان في ظل التوترات الدولية، إلى جانب التنوع الديني واحتياجات المقيمين في دور المسنين ومرافق الرعاية بالعاصمة النمساوية.
وشارك في اللقاء ممثلون عن أديان ومجتمعات دينية مختلفة، في إطار الحوار حول كيفية تعزيز التماسك والعيش المشترك القائم على الاحترام داخل مدينة تتعدد فيها الانتماءات الدينية.
احتياجات كبار السن في قلب الحوار
وخصص الاجتماع اهتمامًا للاحتياجات الدينية للمقيمين في دور المسنين ومرافق الرعاية، لينتقل حوار الأديان بذلك من القضايا العامة إلى جانب يرتبط مباشرة بحياة الإنسان وظروفه الشخصية.
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة عندما ينتقل المسن إلى مؤسسة للرعاية؛ إذ تظل معتقداته وطقوسه وتقاليده جزءًا من حياته وهويته، بما يطرح الحاجة إلى مراعاتها داخل البيئة الجديدة التي يعيش فيها.
وتناول اللقاء أهمية الطقوس الدينية المألوفة والتقاليد والرعاية الدينية بالنسبة للمقيمين، ولا سيما في المراحل الأخيرة من الحياة، وما يمكن أن توفره لهم من دعم وطمأنينة.
ومن هذه الزاوية، يصبح احترام التنوع الديني أحد الجوانب المرتبطة باحتياجات المقيمين أنفسهم، إلى جانب أبعاد الرعاية الأخرى التي تقدمها المؤسسات لكبار السن.
حضور إسلامي في الرعاية
وشاركت الهيئة الإسلامية الرسمية في النمسا «IGGÖ» في هذا المسار، وهي تعمل بالتعاون مع مجتمعاتها والمؤسسات المعنية بالرعاية الدينية على تلبية الاحتياجات الدينية للمسلمين.
ويكشف هذا الحضور جانبًا عمليًا من مسؤولية المؤسسات الإسلامية تجاه أفراد مجتمعاتها في مراحل العمر المختلفة، ومن بينهم كبار السن الموجودون في مؤسسات الرعاية.
كما يضع قضية رعاية المسن المسلم ضمن مساحة أوسع من التعاون مع المؤسسات التي يعيش داخلها، بما يساعد على الحفاظ على صلته بدينه وممارساته المألوفة في مرحلة قد يصبح فيها أكثر اعتمادًا على الخدمات التي توفرها المؤسسة المحيطة به.
من حوار الأديان إلى احتياجات الإنسان
وتبرز قيمة اجتماع فيينا في توجيه جانب من حوار الأديان نحو قضية عملية: كيف يمكن احترام الاحتياجات الدينية للإنسان عندما يصبح مقيمًا في دار للمسنين أو مرفق للرعاية؟
فالتنوع الديني داخل المدينة ينعكس بطبيعته على المؤسسات التي تستقبل سكانها، ومن بينها مرافق رعاية كبار السن، وهو ما يجعل معرفة احتياجات المقيمين الدينية والتعامل معها جزءًا من فهم التنوع الموجود داخل المجتمع نفسه.
وفي الوقت ذاته، جمع الاجتماع بين هذا البعد الفردي وقضية أوسع تتعلق بالتماسك المجتمعي وبين الأديان في ظل التوترات الدولية، ليضع الحوار أمام مستويين متكاملين: الحفاظ على العلاقة بين مكونات المجتمع، ومراعاة احتياجات الإنسان داخل حياته اليومية.
تجربة تستحق الدراسة
ولا يقدم اجتماع واحد بمفرده نموذجًا مكتملًا يمكن نقله إلى مجتمعات أخرى، لكنه يلفت الانتباه إلى قضية تستحق الدراسة من المؤسسات الدينية والحكومية ومرافق رعاية كبار السن: حضور الاحتياجات الدينية ضمن منظومة الرعاية.
وبالنسبة للمجتمعات المسلمة، تطرح التجربة سؤالًا يتجاوز توفير الخدمات الدينية المعتادة: كيف تصل الرعاية الدينية إلى المسلم عندما يتقدم به العمر وينتقل إلى مؤسسة للرعاية، وكيف تحافظ المؤسسة الإسلامية على صلتها به وتتعاون مع الجهات المسؤولة عن حياته اليومية؟
كما تحمل التجربة رسالة لمؤسسات الرعاية نفسها؛ فالمقيم لا يدخل إليها منفصلًا عن تاريخه ومعتقداته وعاداته، وإنما يحمل معه عناصر شكلت حياته على مدى سنوات، ويمكن لمراعاتها أن تساعد في توفير بيئة تحترم شخصيته واحتياجاته.
وهنا تكتسب تجربة فيينا دلالتها الأوسع؛ إذ يصبح حوار الأديان أقرب إلى الإنسان عندما ينتقل من طاولة اللقاء إلى السؤال عن احتياجاته الفعلية، ويصبح الاهتمام بكبار السن مساحة يلتقي فيها احترام التنوع مع الكرامة والرعاية والطمأنينة.
ـ المصدر: الهيئة الإسلامية الرسمية في النمسا «IGGÖ» .