شهادات تاريخية ووثيقة بريطانية من عام 1945 تكشف مأساة آلاف العائلات الألبانية التي فقدت أبناءها ومنازلها وممتلكاتها وتعيد طرح قضية الذاكرة التاريخية وحقوق المهجرين
مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
لم تكن خسارة الوطن بالنسبة إلى العائلات التي أُجبرت على الرحيل مجرد مغادرة للمنازل والأراضي، بل كانت اقتلاعًا من الجذور، وانقطاعًا مؤلمًا عن ذاكرة المكان وحياة الأجداد. وبين القرى التي تُركت خلفها والحكايات التي حملها الناجون، بقيت مأساة إنسانية تتوارثها الأجيال، وتنتظر الإنصاف والاعتراف بما عاناه الضحايا.
مجازر دموية وتهجير قسري عنيف
فقد أعاد الإعلامي الألباني رمضان شكودرا، مدير إدارة الثقافة والنشر في رئاسة المشيخة الإسلامية في كوسوفا، نشر مقال للكاتب باكي شالا، تناول فيه المجازر وعمليات التهجير التي تعرض لها الألبان المسلمون في إقليم تشاميريا، شمال غرب اليونان، خلال عامي 1944 و1945، مسلطًا الضوء على دور القائد العسكري والسياسي اليوناني نابليون زيرفا، الذي ارتبط اسمه بهذه الأحداث المأساوية.
وأوضح المقال أن زيرفا، المولود في 17 مايو 1891 بمدينة آرتا، والمتوفى في 10 ديسمبر 1957، كان قائدًا لتنظيم المقاومة اليوناني المسلح المعروف باسم «إيديس» (EDES) خلال الحرب العالمية الثانية.
وبحسب المقال، نفذت قوات التنظيم، تحت قيادة زيرفا، عمليات عسكرية في المناطق التي كان يسكنها الألبان في تشاميريا، وارتكبت أعمال قتل وعنف ضد المدنيين، ترافقت مع نهب المنازل والممتلكات وإجبار السكان على مغادرة قراهم.
وأشار الكاتب إلى أن يوم 27 يونيو 1944 شهد وقوع أعمال قتل وعنف خطيرة في مدينة باراميثيا، طالت السكان الألبان، وامتدت تداعياتها إلى مناطق أخرى من الإقليم، حيث اضطرت عائلات بأكملها إلى ترك منازلها وأراضيها خوفًا على حياتها.
وأكد المقال أن هذه الأحداث لا يمكن اختزالها في النتائج المعتادة للحروب، نظرًا لما تضمنته من قتل للمدنيين وتهجير للسكان من مناطق إقامتهم التاريخية.
وثيقة بريطانية تاريخية
وتناول الكاتب موجة النزوح الواسعة التي شهدتها تشاميريا خلال عامي 1944 و1945، حين اضطر معظم الألبان المسلمين في الإقليم إلى مغادرة موطنهم واللجوء إلى ألبانيا، في ظروف إنسانية قاسية.
ولفت إلى أن العائلات المهجرة فقدت منازلها وأراضيها ومواشيها ومصادر معيشتها، ووصل كثير منها إلى ألبانيا دون إمكانات اقتصادية أو ضمانات للعودة إلى قراها الأصلية.
واستند المقال إلى تقرير منسوب إلى الضابط البريطاني كريستوفر مونتاغيو وودهاوس (C. M. Woodhouse)، مؤرخ في 16 أكتوبر 1945، أشار فيه إلى أن زيرفا، الذي حظي بدعم بعثة الحلفاء الخاضعة لإشراف وودهاوس، طرد الألبان التشام من منازلهم خلال عام 1944، في عملية رافقتها إراقة دماء واسعة.
واعتبر الكاتب أن أهمية هذه الشهادة تكمن في أن تهجير الألبان من تشاميريا لم يبقَ محصورًا في الذاكرة الوطنية الألبانية، بل ورد أيضًا في وثائق وشهادات تعود إلى الفترة التاريخية نفسها.
حقوق المهجرين
وتوقف المقال عند الآثار الإنسانية والاجتماعية طويلة المدى للتهجير، موضحًا أن أجيالًا من العائلات الألبانية نشأت بعيدًا عن موطنها التاريخي، حاملة ذكريات المنازل والأراضي المفقودة، وقصص الأقارب الذين قُتلوا أو لم يتمكنوا من العودة.
وشدد الكاتب على أن قضية تشاميريا لا تتعلق بالماضي وحده، بل ترتبط أيضًا بحقوق الإنسان والملكية والذاكرة التاريخية، وبمطالب الاعتراف بمعاناة السكان الذين تعرضوا للقتل والتهجير.
كما دعا إلى توثيق هذه الأحداث بعيدًا عن ازدواجية المعايير، مؤكدًا أن معاناة المدنيين الألبان تستحق الاهتمام والإنصاف التاريخي أسوة بمعاناة سائر الشعوب التي تعرضت لمآسي الحروب والنزاعات.
واختتم الكاتب مقاله بالتأكيد على أن استذكار مأساة تشاميريا لا يعني إثارة الكراهية تجاه الشعب اليوناني، وإنما الحفاظ على ذاكرة الضحايا، ورفض طمس معاناتهم، والدعوة إلى توثيق الحقيقة التاريخية والاعتراف بحقوق المتضررين.
وتظل قضية الألبان المسلمين المهجرين من تشاميريا إحدى القضايا التاريخية المرتبطة بتداعيات الحرب العالمية الثانية في منطقة البلقان، حيث تتداخل الذاكرة الجماعية مع مطالب العدالة التاريخية وحقوق العائلات التي فقدت ممتلكاتها وموطنها الأصلي.
المصدر: صفحة الإعلامي رمضان شكودرا ـ نقلًا عن الكاتب باكي شالا