مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

ألبانيا.. مفتي كورتشا يكشف أسرار الهندسة الصوتية في جامع ميراهور العثماني

محاضرة علمية تستعرض عبقرية العمارة العثمانية في خدمة رسالة المسجد عبر القرون

القبة والجرار الفخارية و«المكبّرة» منظومة هندسية حافظت على نقاء الصوت ورسخت مكانة المسجد مركزًا للعبادة والعلم

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

تكشف المساجد التاريخية عن جوانب حضارية تتجاوز جمال البناء والزخرفة، إذ تعكس ما بلغه المعماريون المسلمون من إبداع في توظيف الهندسة لخدمة العبادة والعلم.

ويُعد جامع ميراهور بمدينة كورتشا في جنوب شرق ألبانيا نموذجًا بارزًا لهذا الإرث، حيث جسدت عمارته العثمانية حلولًا هندسية متقدمة ضمنت وصول صوت الإمام والخطيب بوضوح إلى جميع المصلين قبل ظهور وسائل التضخيم الحديثة.

ولم يكن هذا التميز الهندسي مجرد إنجاز معماري، بل كان انعكاسًا لرؤية حضارية جعلت المسجد مؤسسة متكاملة للعبادة والتعليم والتوجيه، فاجتمع في بنائه الجمال والإبداع والوظيفة، ليبقى بعد قرون شاهدًا حيًا على ما بلغته العمارة الإسلامية من دقة علمية ووعي برسالة المسجد في خدمة الإنسان والمجتمع.

عبقرية العمارة العثمانية في خدمة رسالة المسجد

وفي هذا السياق، نشر فضيلة الشيخ ليديان تشيكاليشي، مفتي محافظة كورتشا، مقالًا بعنوان «الصوتيات في جامع ميراهور»، تناول فيه أسرار النظام الصوتي الذي اعتمده المعماريون العثمانيون داخل المساجد، موضحًا كيف أسهمت عناصر البناء في تحقيق نقاء الصوت وسهولة وصوله إلى جميع أرجاء المسجد.

وتقع مدينة كورتشا في جنوب شرق ألبانيا بالقرب من الحدود مع اليونان، وتُعد من أهم المدن التاريخية في البلاد. وقد نشأت خلال بدايات الحقبة العثمانية حول خان واستراحة للقوافل التجارية، ثم تأسست مع بناء جامع ميراهور التاريخي والسوق والحمام، قبل أن تتوسع تدريجيًا لتصبح المركز الإداري والمالي والتجاري والثقافي لجنوب شرق ألبانيا.

القبة… سر توزيع الصوت داخل المسجد

وأوضح مفتي كورتشا أن القبة كانت أول عناصر المنظومة الصوتية، إذ أتقن المعماريون العثمانيون تصميمها، ولا سيما في أعمال المعمار الشهير سنان، حتى أصبحت القبة الواحدة تغطي فضاء المسجد بأكمله، بما يسمح بوصول صوت الخطيب من المنبر إلى جميع المصلين بصورة واضحة ومتوازنة.

وأشار إلى أن هذا التطور المعماري لم يكن مجرد عنصر جمالي، بل جاء لخدمة الوظيفة الأساسية للمسجد، وضمان سماع الخطبة والدروس والقرآن في مختلف أرجائه.

الجرار الفخارية… تقنية ذكية لتنقية الصوت

كما تناول فضيلة الشيخ ليديان تشيكاليشي تقنية الجرار الفخارية التي كانت تُخفى داخل جدران المسجد، ولا يظهر منها سوى فتحات صغيرة، موضحًا أنها كانت تعمل على امتصاص الصدى وتنقية الصوت، بما يمنح المصلين وضوحًا أكبر أثناء الاستماع إلى الإمام والخطيب.

وأكد أن هذه المعالجة الصوتية تعكس مستوى متقدمًا من المعرفة الهندسية التي امتازت بها العمارة العثمانية، وجعلت المساجد بيئة مثالية للعبادة والتعليم.

«المكبّرة»… حل عملي للمصلين خارج المسجد

وأشار مفتي كورتشا إلى عنصر ثالث في المنظومة الصوتية هو «المكبّرة»، وهي شرفة صغيرة عند مدخل المسجد، كان يقف عليها أحد المصلين لترديد التكبيرات خلف الإمام عندما يمتلئ المسجد بالمصلين في صلاة الجمعة أو العيدين، بينما يتولى شخص آخر خارج المسجد نقل التكبيرات إلى الصفوف الممتدة خارجه، بما يضمن متابعة الصلاة بصورة منتظمة.

ولفت إلى أن هذه المنظومة المتكاملة تؤكد أن عمارة المساجد الإسلامية لم تُبنَ على الجمال وحده، بل قامت على رؤية علمية وهندسية جعلت المسجد قادرًا على أداء رسالته الدينية والتعليمية والاجتماعية بأفضل صورة.

المصدر: فضيلة الشيخ ليديان تشيكاليشي، مفتي محافظة كورتشا.

التخطي إلى شريط الأدوات