مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

بريطانيا.. أحمد بول كيلر من التمرد على الإمبراطورية إلى البحث عن «الميزان» في الإسلام

بقلم الدكتور مجدي سعيد ضمن سلسلة «نقاط مضيئة»

رحلة فكرية وروحية تكشف كيف قادت الموسيقى والفنون إلى اكتشاف الإسلام وإعادة قراءة الحضارة الغربية

مسلمون حول العالم – متابعات

ليست كل الرحلات إلى الإسلام تبدأ من كتاب أو مسجد، فبعضها يبدأ من أسئلة الإنسان الكبرى، ومن رحلة طويلة في البحث عن الحقيقة، تتنقل بين الفن والفلسفة والثقافة والروح، حتى تصل إلى السكينة.

ومن هذا النوع تأتي قصة المفكر البريطاني المسلم أحمد بول كيلر، التي تقدم نموذجًا نادرًا لإنسان لم يتوقف عند اعتناق الإسلام، بل واصل رحلته ليعيد قراءة الحضارة الغربية من منظور إسلامي، ويقترح رؤية جديدة تقوم على «الميزان» بوصفه معيارًا لنجاح الإنسان والحضارات.

وتأتي هذه المادة ضمن سلسلة «نقاط مضيئة» التي يقدمها الكاتب الصحفي المصري المقيم في لندن الدكتور مجدي سعيد، وهي سلسلة تسلط الضوء على الشخصيات والمبادرات والأفكار الملهمة التي صنعت أثرًا إيجابيًا في المجتمعات، وأسهمت في بناء الإنسان وإحياء قيم الخير والأمل، من خلال قراءة عميقة تتجاوز الحدث إلى معانيه الإنسانية والحضارية.

رحلة من الإمبراطورية إلى الميزان

بقلم: الدكتور مجدي سعيد الكاتب الصحفي المصري المقيم في لندن

يستعرض الدكتور مجدي سعيد في هذه الحلقة المسيرة الفكرية والروحية للمفكر والناشط البريطاني المسلم أحمد بول كيلر، الزميل الزائر في مركز الدراسات الإسلامية بجامعة كمبريدج، الذي عاش أكثر من أربعة وثمانين عامًا، انتقل خلالها من بيئة بريطانية محافظة صاغتها قيم الإمبراطورية، إلى رحاب الإسلام، ليصبح أحد أبرز الأصوات التي تدعو إلى إعادة النظر في علاقة الإسلام بالغرب، وإلى تبني مفهوم «الميزان» باعتباره المعيار الحقيقي لنهضة الإنسان والحضارات.

ويشير الكاتب إلى أن أحمد بول كيلر ولد عام 1942 بالقرب من قلعة وندسور، أحد أبرز رموز النظام البريطاني، وحمل عند ولادته اسم «بول جودفري». ونشأ في أسرة أنجلو كاثوليكية محافظة وميسورة الحال، حيث تلقى تربية دينية تقليدية، قبل أن يرسل في الثامنة من عمره إلى مدرسة داخلية وصف سنواتها بأنها كانت من أصعب مراحل حياته، بسبب الانضباط الصارم والخوف الدائم، في وقت كان الهدف الأساسي من التعليم إعداد أجيال مخلصة للإمبراطورية البريطانية وقيمها.

ومع انتقاله إلى مدرسة أخرى عام 1956 بدأت شخصيته تتشكل بصورة مختلفة، حيث انفتح على المسرح، والفنون، والموسيقى، ووجد فيها شغفه الحقيقي، حتى قرر بعد تخرجه عام 1960 دراسة الدراما في لندن، وهناك وجد نفسه في قلب الحراك الثقافي الذي اجتاح بريطانيا خلال ستينيات القرن الماضي، حيث تصاعدت موجات التمرد على المؤسسات التقليدية، والأسرة، والكنيسة، والمنظومة السياسية والاجتماعية.

ويروي الدكتور مجدي سعيد كيف انتقل كيلر بعد ذلك من المسرح إلى عالم الفن الحديث، فأسس معرضًا فنيًا يعد من أكبر المعارض في غرب لندن، ونظم معارض للفنانين وأصدر صحيفة فنية، إلا أن المشروع انتهى بالإفلاس، ودخل بسببه في أزمة نفسية عميقة دفعته إلى التفكير في الانتحار، قبل أن يجد نفسه منجذبًا إلى حركة الهيبيز، التي كانت تمثل آنذاك أحد أبرز تعبيرات التمرد الثقافي في الغرب، حيث عاش فترة من حياته وسط الموسيقى الصاخبة والبحث المضطرب عن معنى جديد للحياة.

لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت عام 1968 عندما سافر إلى الهند، وهناك التقى بالموسيقي المسلم محمود ميرزا، الذي تركت موسيقاه أثرًا بالغًا في نفسه، إذ شعر للمرة الأولى بأنه يقترب من عالم مختلف يسوده السلام والجمال والسكينة. ولم يقتصر تأثير هذه التجربة على الموسيقى، بل فتحت أمامه بابًا واسعًا للتعرف على الحضارة الإسلامية وفنونها وثقافتها، وهو ما عمق اهتمامه بالإسلام عامًا بعد عام.

ويبين الكاتب أن كيلر انتقل بعد ذلك إلى دراسة العمارة الإسلامية، فاكتشف في الزخارف والهندسة الإسلامية نظامًا جماليًا متكاملًا يقوم على الانسجام والتوازن، الأمر الذي دفعه إلى تنظيم أول مهرجان بعنوان «عالم الإسلام» في بريطانيا، قبل أن يؤسس مؤسسة خاصة نجحت في تنظيم أكبر احتفال ثقافي عن الحضارة الإسلامية عام 1976، بمشاركة عشرات المؤسسات البريطانية، وأكثر من ستة آلاف قطعة أثرية ومخطوطة جاءت من اثنتين وثلاثين دولة، إلى جانب مئات المحاضرات والندوات والعروض الفنية والموسيقية، وافتتحت فعالياته الملكة إليزابيث الثانية.

ويؤكد الدكتور مجدي سعيد أن هذه السنوات لم تكن مجرد اهتمام ثقافي بالإسلام، بل كانت رحلة داخلية عميقة انتهت بإعلان كيلر إسلامه قبل افتتاح المهرجان بعدة أشهر، ليصبح اسمه أحمد بول كيلر، ثم أدى فريضة الحج بعد انتهاء المهرجان، وبدأ مرحلة جديدة من حياته بوصفه جزءًا من الأمة الإسلامية.

ويتوقف الكاتب عند أبرز مؤلفات أحمد بول كيلر، وفي مقدمتها كتابه «تأملات إنجليزي مسلم»، ثم كتابه الأهم «إعادة التفكير في الإسلام والغرب.. سردية جديدة لعصر الأزمات»، الذي يقدم فيه رؤية فلسفية ناقدة للحضارة الغربية الحديثة، ويرفض اعتبارها النموذج الأعلى للتقدم الإنساني، ويرى أن كثيرًا من أزمات العصر، مثل التلوث، وانهيار الأسرة، والإدمان، والعزلة، والأزمات النفسية والاقتصادية، جاءت نتيجة اختلال التوازن الذي حكم الحضارات التقليدية.

ويخلص كيلر، كما يعرض الدكتور مجدي سعيد، إلى أن البشرية تحتاج إلى استبدال مفهوم «التقدم» الغربي بمفهوم «الميزان» المستمد من الرؤية الإسلامية، باعتباره معيارًا يقوم على العدل والتوازن والانسجام بين الجوانب الروحية والاجتماعية والمادية للإنسان، ويجعل النجاح الحضاري مرهونًا بتحقيق هذا التوازن، لا بمجرد التقدم التقني أو الاقتصادي. ويشبه الإسلام بالماء الذي لا لون له، لكنه يمنح الحياة لكل أرض يصل إليها، فيمنح الخير الموجود فيها القدرة على النمو والازدهار.

وتقدم تجربة أحمد بول كيلر نموذجًا لرحلة إنسان تجاوز حدود الجغرافيا والثقافة، ليكتشف في الإسلام رؤية حضارية متكاملة، وليحول رحلة البحث عن الذات إلى مشروع فكري يدعو إلى بناء جسور التفاهم بين الحضارات، وإعادة الاعتبار للقيم التي تحفظ توازن الإنسان والعالم.

المصدر (بتصرف): الصفحة الرسمية للدكتور مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المصري المقيم في لندن.

التخطي إلى شريط الأدوات