المنسق الأوروبي يربط الجاليات المسلمة البلغارية بدار الإفتاء وينسق أنشطتها الدينية والتعليمية والثقافية ويبني شراكاتها مع المؤسسات الإسلامية الأوروبية

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مدن أوروبا الغربية، حيث انتقلت أعداد متزايدة من المسلمين البلغار بحثًا عن العمل والاستقرار، بدأت تتشكل خلال السنوات الأخيرة ملامح تجربة مؤسسية جديدة تسعى إلى إبقاء الصلة قائمة بين الجاليات وبلدها الأم، مع توفير بيئة دينية وتعليمية وثقافية تحفظ هويتها وتساعد أجيالها الجديدة على بناء حضور متوازن داخل المجتمعات الأوروبية.
ويقود هذا المسار فضيلة الشيخ مصطفى إزبيشتالي، المنسق الأوروبي لدار الإفتاء العامة في بلغاريا، الذي تولى منذ بداية عام 2022 مهمة التواصل مع الجاليات المسلمة البلغارية في أوروبا وتنسيق الأنشطة الدينية والتعليمية والثقافية، وبناء جسور التعاون بينها وبين المؤسسات الإسلامية في القارة.
وتكشف التحركات التي شهدتها فرنسا وإسبانيا وألمانيا والمملكة المتحدة وبلجيكا وهولندا وغيرها عن انتقال هذا العمل من مجرد التواصل مع أبناء الجالية إلى تأسيس جمعيات ومراكز ومساجد، وصولًا إلى العمل على إنشاء رابطة أوروبية جامعة تمثل المسلمين البلغار في مختلف دول القارة.
من التنسيق إلى بناء المؤسسات
أُنشئ منصب المنسق الأوروبي في سياق التحولات التي أعقبت انضمام بلغاريا إلى الاتحاد الأوروبي عام 2007، وما رافق ذلك من حركة هجرة واسعة للبلغاريين، بينهم أعداد كبيرة من المسلمين، إلى دول أوروبا الغربية.
ويتمثل الدور الأساسي للمنسق في ربط هذه الجاليات بدار الإفتاء العامة في بلغاريا، ومتابعة احتياجاتها الدينية والاجتماعية، وتنسيق الأنشطة الدينية والتعليمية والثقافية، إلى جانب بناء شراكات مع المؤسسات الإسلامية الأوروبية.
ومنذ عام 2022، قام المنسق الأوروبي بـ14 زيارة إلى 19 منطقة في أربع دول أوروبية هي ألمانيا والمملكة المتحدة وإسبانيا وفرنسا، وأسفرت هذه الجهود عن تأسيس جمعيات للمسلمين البلغار في نافارا بإسبانيا وألمانيا، ثم توسع العمل في عام 2023 ليشمل بلجيكا وهولندا، وفي عام 2024 تأسست جمعية جديدة في المملكة المتحدة.
400 ألف مسلم بلغاري في أوروبا
وتشير التقديرات التي عرضها الشيخ مصطفى إزبيشتالي إلى أن عدد المسلمين البلغار المقيمين في أوروبا يتراوح بين 380 ألفًا و400 ألف شخص، ينتشرون في ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا وبلجيكا وهولندا والسويد، وهو انتشار جعل الحاجة إلى إطار مؤسسي جامع أكثر إلحاحًا.
ولا تقتصر الاستجابة على تأسيس الجمعيات، بل تشمل أيضًا فتح الدورات القرآنية للأطفال والكبار، وتنظيم المحاضرات والفعاليات الدينية، وإرسال الكتب الدينية باللغة البلغارية إلى المساجد والمراكز الإسلامية، بما يساعد الأجيال الجديدة على التعرف إلى دينها وثقافتها وتراث مجتمعها المسلم.
بامبلونا.. أول لقاء يضع أساس الرابطة الأوروبية
ومع اتساع شبكة الجمعيات وتزايد التواصل بين الجاليات، انعقد أول لقاء أوروبي لممثلي جمعيات المسلمين من بلغاريا في مدينة بامبلونا الإسبانية، الواقعة شمالي إسبانيا، خلال الفترة من 18 إلى 21 أبريل 2025.
وشارك في اللقاء ممثلون عن الجاليات البلغارية في ألمانيا والمملكة المتحدة وبلجيكا وفرنسا وإسبانيا، تحت شعار «الوحدة بلا حدود – متجذرون في الأصل، متحدون نحو المستقبل»، ليشكل اللقاء خطوة تأسيسية نحو إنشاء رابطة جامعة تمثل مصالح المسلمين البلغار في أوروبا.
ويستند المشروع المقترح إلى صيغة اتحادية تضم ممثلين عن الدول الأوروبية ومجموعات عمل متخصصة في مجالات التعليم والإعلام والمرأة، في محاولة للانتقال من المبادرات المحلية المتفرقة إلى عمل أوروبي أكثر تنظيمًا واستدامة.
فرنسا.. جمعية تبدأ من رمضان في سانت إتيان
وفي مدينة سانت إتيان، الواقعة جنوب شرقي فرنسا في إقليم اللوار، أخذ هذا المسار المؤسسي شكلًا عمليًا مع الانطلاقة الرسمية للجمعية المسلمة البلغارية المسجلة حديثًا، خلال شهر رمضان، في لقاء تأسيسي جمع أبناء الجالية حول إفطار جماعي.
ووضعت الجمعية ضمن أهدافها تعزيز التعليم الديني، وتنظيم الفعاليات الثقافية والدينية، ودعم الأسر والشباب، وإطلاق دورات لتعليم اللغة، إلى جانب تعزيز التواصل المؤسسي مع الجهات المعنية في بلغاريا، بما يحافظ على صلة الجالية بوطنها الأم وهويتها الإسلامية والثقافية.
وشارك الشيخ مصطفى إزبيشتالي في اللقاء، مؤكدًا أهمية وحدة الصف والعمل المشترك، واعتبار البناء المؤسسي أساسًا لاستمرارية العمل وتطوره وتعزيز الحضور الإيجابي للجالية في المجتمع الفرنسي.
أول مسجد ومركز تعليمي للجالية البلغارية في سانت إتيان
وبالتوازي مع تأسيس الجمعية، برز مشروع إنشاء أول مسجد يخدم الجالية البلغارية المسلمة في سانت إتيان، بإشراف دار الإفتاء العامة في بلغاريا وبالتعاون مع الجمعية البلغارية المسلمة في فرنسا.
ولا يستهدف المشروع توفير مكان للعبادة فحسب، وإنما إنشاء مركز تعليمي وتربوي يؤدي دورًا في تعليم الأطفال وترسيخ القيم الإسلامية والحفاظ على الهوية الدينية والثقافية للجالية.
وتقوم حملة تمويل المشروع على نموذج «1000 متبرع × 100 يورو»، وقد بلغت المساهمات نحو 28 ألف يورو من أصل 140 ألف يورو كانت مطلوبة عند نشر التقرير، في نموذج يعكس محاولة تحويل المشاركة الفردية إلى مشروع مجتمعي واسع.
لقاء لبحث التعاون مع المؤسسات الإسلامية الأوروبية في ليون
وفي مدينة ليون الفرنسية، الواقعة جنوب شرقي البلاد، بحث الشيخ مصطفى إزبيشتالي مع الدكتور إسماعيل إرشاهين، رئيس اتحاد الشؤون الدينية التركية في المدينة، آفاق التعاون بين المؤسستين في مجالات التعليم الديني ورعاية الشباب وخدمة الجاليات البلغارية المسلمة المهاجرة في دول غرب أوروبا.
وتناول اللقاء سبل توسيع التعاون المؤسسي، وتنفيذ مبادرات مشتركة تعزز التواصل بين المؤسسات الإسلامية، بما يساعد الجاليات على الحفاظ على هويتها الإسلامية والثقافية، ويعزز ارتباط الأجيال الجديدة بدينها ولغتها وتراثها.
بريطانيا.. المسجد والمجتمع في قلب العمل في ليفربول
وفي مدينة ليفربول البريطانية، الواقعة شمال غربي إنجلترا، ظهر جانب آخر من هذا النهج من خلال زيارة المنسق الأوروبي لأبناء الجالية البلغارية المسلمة، والاطلاع على أوضاعهم الدينية والاجتماعية والمشاركة في الفعاليات الرمضانية وإلقاء المحاضرات.
وشهدت الزيارة تأكيد أهمية الجمعية المحلية ودعم المسجد أو المصلى بوصفه مركزًا للأنشطة الدينية والتعليمية والاجتماعية، بما يجعل المؤسسة الدينية نقطة اتصال مستمرة بين أبناء الجالية ويحافظ على ارتباطهم بهويتهم.
الجيل الثاني.. التحدي الأهم للحفاظ على الهوية

وتضع دار الإفتاء العامة في بلغاريا مسألة الجيل الثاني في مقدمة التحديات، إذ تشير رؤية المنسق الأوروبي إلى أن الجيل الأول يحتفظ بارتباط وثيق ببلغاريا، بينما يبدأ الجيل الثاني في تكوين هويته الخاصة ويشعر بانتماء أكبر إلى المجتمعات الأوروبية التي يعيش فيها.
ولهذا تبرز أهمية المدارس الخاصة والدورات التعليمية والمخيمات الشبابية والبرامج الثقافية والدينية، بهدف بناء انتماء متوازن يحافظ على الهوية الإسلامية والبلغارية، وفي الوقت نفسه يشجع أبناء الجالية على أن يكونوا جزءًا فاعلًا من المجتمعات الأوروبية التي يعيشون فيها.
كما تحظى المرأة بمكانة خاصة في الرؤية المطروحة، من خلال دعم مشاركتها في البرامج الدينية والاجتماعية، مع التوجه إلى تخصيص قسم للنساء ضمن الجمعية الأوروبية المستقبلية.
مخيم صيفي يعيد أبناء المهجر إلى الوطن
وامتد هذا التوجه إلى تنظيم برامج داخل بلغاريا نفسها، حيث شهد العام الماضي تنظيم أول مخيم صيفي لأبناء الجاليات المسلمة البلغارية المهاجرة في أوروبا، في خطوة استهدفت جمع أبناء الجالية القادمين من دول المهجر وتعريفهم ببلدهم الأم وتعزيز صلتهم بهويتهم الإسلامية والثقافية.
ويأتي تنظيم المخيم في إطار رؤية تتجاوز الحفاظ على الهوية داخل المجتمعات الأوروبية إلى إعادة وصل الأجيال الجديدة بوطنها الأم، من خلال إتاحة فرصة لهم للتعرف إلى بلغاريا عن قرب، والالتقاء بأقرانهم من أبناء الجاليات في الدول الأوروبية المختلفة، بما يعزز شعورهم بالانتماء إلى مجتمعهم المسلم البلغاري ويحافظ على الروابط التي تجمعهم ببلدهم وتراثهم.
من الجالية المتفرقة إلى شبكة أوروبية
تكشف هذه المسيرة عن تحول تدريجي في طبيعة العمل مع المسلمين البلغار في أوروبا؛ فمن الزيارات والتواصل المباشر إلى تأسيس الجمعيات، ومن الجمعيات إلى المساجد والمراكز التعليمية، ثم إلى بناء شبكة أوروبية تسعى إلى توحيد الجهود وتمثيل الجاليات على مستوى القارة.
ولا تبدو هذه الخطوات منفصلة عن بعضها، بل تشكل حلقات متتابعة في مشروع يقوم على ثلاث ركائز أساسية: الحفاظ على الهوية الإسلامية والثقافية، وبناء مؤسسات دينية وتعليمية مستقرة، وتعزيز حضور المسلمين البلغار بصورة إيجابية في المجتمعات الأوروبية.
وتبقى الخطوة الأكثر طموحًا هي تأسيس الرابطة الأوروبية الجامعة، التي يُراد لها أن تمنح هذه الجاليات إطارًا مؤسسيًا مستدامًا للتنسيق والعمل المشترك، وأن تربط بين الجمعيات المحلية المنتشرة في أنحاء القارة.
خلاصة المشهد
تقدم تجربة دار الإفتاء العامة في بلغاريا نموذجًا لمسار مؤسسي يتعامل مع الهجرة باعتبارها واقعًا جديدًا يحتاج إلى أدوات جديدة للحفاظ على الصلة بالدين والثقافة والوطن، دون أن يعني ذلك الانغلاق عن المجتمعات الأوروبية.
وبين جمعية تنطلق من سانت إتيان، ومسجد ومركز تعليمي يجري العمل على إنشائه، ولقاءات للتعاون في ليون وليفربول، وأول لقاء أوروبي في بامبلونا، تتشكل تدريجيًا شبكة من المؤسسات والمبادرات التي تستهدف خدمة المسلمين البلغار في أوروبا وحماية هوية الأجيال القادمة.
ـ المصادر: دار الإفتاء العامة في بلغاريا، وحوار خاص مع فضيلة الشيخ مصطفى إزبيشتالي ـ تغطيات على موقع مسلمون حول العالم.



