مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

بلغاريا.. حين تبدأ قوة المؤسسة من طريقة اختيار قياداتها

انتخابات إقليمية ووطنية تجدد القيادة الإسلامية وتدفع بالمؤسسة إلى العمل الميداني

خطط استراتيجية لخمس سنوات وتقييم للأداء.. قيادة جديدة تضع تطوير المساجد والتعليم في صدارة العمل

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في بلغاريا، يكشف الاجتماع الأول للمفتين الإقليميين المنتخبين حديثًا عن قيمة تتجاوز الاجتماع نفسه؛ فهو يقدم صورة عن مؤسسة إسلامية تقوم على تجديد القيادات وربط اختيارها بالمسؤولية والعمل والتخطيط، بما ينعكس على واقع المجتمع المسلم وحيوية مساجده ومؤسساته.

اختيار القيادات من القاعدة إلى القمة

فقد شارك المفتون الإقليميون الذين جرى انتخابهم عقب المؤتمرات الإسلامية الإقليمية واعتمادهم من المجلس الإسلامي الأعلى، في أول اجتماع لمجلس المفتين بعد توليهم مهامهم رسميًا.

وتأتي هذه الخطوة ضمن دورة انتخابية شملت المستويات القيادية في المؤسسة، من اختيار المفتين في المناطق ذات الوجود الإسلامي إلى انتخاب المفتي العام ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، بما يعكس بنية مؤسسية تقوم على التجديد وتوزيع المسؤولية.

الانتخابات.. بوابة لتجديد الكوادر

تمنح آلية الاختيار المؤسسة فرصة متجددة لاكتشاف الكفاءات والطاقات المحلية وإدخالها إلى دائرة المسؤولية، بدل بقاء المناصب القيادية ثابتة لفترات طويلة.

وهنا تصبح الانتخابات أكثر من وسيلة لاختيار الأشخاص؛ فهي آلية لتجديد الدماء والأفكار، وربط القيادة بالمسؤولية أمام المجتمع والمؤسسة.

من القيادة الجديدة إلى العمل مباشرة

لم يكن الاجتماع الأول للمفتين الجدد لقاءً تعريفيًا، وإنما انتقل مباشرة إلى قضايا العمل والتطوير.

فقد ناقش المشاركون مع قيادة رئاسة المشيخة الإسلامية الإعداد لاستراتيجية لتطوير دور الإفتاء الإقليمية خلال السنوات الخمس المقبلة، إلى جانب تقييم نتائج دورات القرآن الصيفية وأداء الطلاب في المسابقة الوطنية للمعارف الأساسية في الإسلام، ومراجعة موازنة النصف الأول من عام 2026.

وهنا تظهر القيمة الحقيقية للخبر: القيادة الجديدة تبدأ مسؤوليتها بالتخطيط والتقييم، لا بمجرد تولي المنصب.

خمس سنوات من التخطيط.. لا إدارة يومية فقط

إعداد استراتيجية تمتد لخمس سنوات يعني أن المؤسسة تنظر إلى العمل الإسلامي باعتباره مشروعًا يحتاج إلى رؤية وأهداف وأولويات، وليس مجموعة أنشطة منفصلة.

فالخطة تمنح كل دار إفتاء إقليمية إطارًا للعمل والتطوير، وتتيح لاحقًا مقارنة ما تحقق بما كان مستهدفًا، وإعادة ترتيب الأولويات وفق احتياجات المجتمع.

الأداء يخضع للمراجعة والتقييم

مناقشة نتائج دورات القرآن وأداء الطلاب في المسابقة الوطنية، إلى جانب مراجعة الموازنة، تكشف عن ثقافة تربط العمل بالنتائج.

وهذه نقطة أساسية في قوة أي مؤسسة؛ فتنفيذ النشاط ليس نهاية المهمة، وإنما تبدأ بعده مرحلة السؤال: ماذا تحقق؟ وما الذي يحتاج إلى تطوير؟ وكيف يمكن تحويل التجربة إلى أداء أفضل؟

من القيادة المركزية إلى المسجد

لا تعمل المؤسسة في مستوى مركزي منفصل عن المجتمع؛ فالمفتي الإقليمي يمثل حلقة وصل بين القيادة العليا والمناطق والمساجد والناس.

ومن خلال هذا الترابط تنتقل الرؤية من المؤسسة إلى الميدان، وتعود احتياجات المجتمع وتجارب المساجد إلى دوائر التخطيط وصناعة القرار.

المسجد.. مركز حياة المجتمع

تظهر آثار هذا البناء المؤسسي في طبيعة النشاط داخل المساجد، التي لا تقتصر أدوارها على الصلاة والخطابة، وإنما تحتضن حلقات القرآن، وبرامج الأطفال والشباب، والتعليم الإسلامي، والأنشطة الاجتماعية والإنسانية والثقافية.

وبذلك يصبح المسجد نقطة الالتقاء اليومية بين المؤسسة والمجتمع، ومكانًا تتحول فيه الخطط والبرامج إلى حضور ملموس في حياة الناس.

التعليم..

استثمار في الجيل القادم

يحظى التعليم القرآني والإسلامي بموقع واضح في عمل المؤسسة، كما يظهر من متابعة دورات القرآن الصيفية والمسابقات الوطنية للطلاب.

وهذا الاهتمام لا يرتبط بالتعليم وحده، بل بتكوين جيل جديد يمتلك المعرفة والارتباط بالمؤسسات والمساجد، ويمكن أن يمثل مستقبلًا رصيدًا بشريًا للمجتمع المسلم وقياداته.

من الأفكار إلى المشاريع

القوة المؤسسية لا تقاس بكثرة الاجتماعات أو حجم الهيكل الإداري، وإنما بقدرة المؤسسة على تحويل الأفكار إلى برامج، والخطط إلى مشاريع، والمشاريع إلى نتائج يلمسها المجتمع.

ومن هنا تتصل حلقات العمل ببعضها: قيادة تُنتخب، ومسؤولية تُسلَّم، واستراتيجية تُعد، وبرامج تُنفذ، ونتائج تُراجع، ثم يبدأ التطوير من جديد.

سر القوة..

مؤسسة تتجدد ولا تتجمد 

تكمن الرسالة الأعمق التي يكشفها هذا الخبر في أن حيوية المجتمع المسلم لا تأتي من عدد المساجد وحده، وإنما من وجود مؤسسة قادرة على تجديد قياداتها، وإعداد كوادرها، ووضع خططها، ومراجعة أدائها، وربط قراراتها بحاجات الناس.

وفي سياق تاريخ مسلمي بلغاريا، الذين مروا خلال القرن العشرين بسنوات صعبة مست هويتهم ومؤسساتهم الدينية، تبدو هذه الحيوية المؤسسية ذات دلالة خاصة؛ فالمجتمع الذي عانى من التضييق على هويته الدينية يمتلك اليوم بنية تعمل على تجديد قياداتها، وتطوير التعليم، وتنظيم العمل الديني والاجتماعي، والتخطيط للمستقبل.

ومن هنا، فإن اجتماع المفتين الإقليميين المنتخبين حديثًا ليس مجرد خبر إداري، بل نافذة تكشف نموذجًا في بناء المؤسسة: انتخابات تجدد القيادة، وخطط ترسم المستقبل، وتقييم يقيس الأداء، ومساجد تتحول هذه الرؤية فيها إلى عمل يومي.

إن قوة التجربة لا تبدأ من القاعة التي اجتمع فيها المفتون، وإنما تصل آثارها إلى المسجد والطفل والشاب والأسرة والمجتمع.

وفي هذه المعادلة تكمن الرسالة الأهم:

حين تتجدد المؤسسة، تتجدد كوادرها.

وحين تتجدد الكوادر، تتجدد الأفكار.

وحين تتحول الأفكار إلى خطط ومشروعات، يصبح المسجد مركزًا حيًا للعبادة والتعليم والعمل الاجتماعي والثقافي والإنساني.

وهكذا تقدم بلغاريا درسًا مهمًا في أن بناء المجتمع المسلم لا يحتاج إلى الحفاظ على المؤسسات فقط، بل إلى إبقائها حية، متجددة، قريبة من الناس، وقادرة على صناعة المستقبل.

المصادر:

رئاسة المشيخة الإسلامية في جمهورية بلغاريا ـ الخبر الخاص بمشاركة المفتين الإقليميين المنتخبين في أول اجتماع لمجلس المفتين بعد المؤتمرات الإقليمية.

رئاسة المشيخة الإسلامية في جمهورية بلغاريا ـ انتخاب المفتي العام ورئيس المجلس الإسلامي الأعلى، يونيو 2026.

رئاسة المشيخة الإسلامية في جمهورية بلغاريا ـ التقرير الختامي لأعمال الفترة 2021–2026.

التخطي إلى شريط الأدوات