مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

بولندا.. كيف تحولت المهرجانات الثقافية إلى وسيلة حضارية لإحياء التراث الإسلامي التتري

خلال مهرجان الثقافات التاسع في سوخوفولا يومي 22 أغسطس و6 سبتمبر 2026.. مؤسسات تترية وثقافية تتعاون لتنظيم فعالية مفتوحة لإحياء التراث الإسلامي

الموسيقى التقليدية والمطبخ التتري والخط العربي وفن الإبرو والمعارض والجولات التعريفية.. برنامج تفاعلي يحول التراث إلى تجربة حية أمام الجمهور

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

اعتاد الناس أن يلتقوا بالتاريخ داخل المتاحف وقاعات المخطوطات، حيث تقف المقتنيات صامتة خلف واجهات العرض، تروي حكايات الماضي دون أن تتيح للزائر أن يعيشها أو يشارك تفاصيلها. وبينما تحفظ تلك الأماكن الذاكرة الإنسانية من الضياع، يبقى التاريخ فيها أقرب إلى المشاهدة منه إلى المعايشة.

أما التتار المسلمون في بولندا، فقد اختاروا طريقًا مختلفًا لإحياء تراثهم الإسلامي؛ فنقلوه من القاعات المغلقة إلى الساحات والحدائق والفضاءات المفتوحة، وحولوا المهرجانات الثقافية إلى جسور تصل الماضي بالحاضر، وتجعل التراث جزءًا من حياة الناس، لا مجرد صفحات تُقرأ أو مقتنيات تُعرض.

وفي هذه المهرجانات، لا يكتفي الزائر بالنظر إلى التراث، بل يعيش تفاصيله طوال يوم كامل؛ يستمع إلى الموسيقى التقليدية، ويشاهد الفنون والحرف التراثية، ويتذوق أطباق المطبخ التتري التي تُعد أمامه، ويتجول بين المعارض، ويتعرف إلى الأزياء والعادات والتقاليد، ويشارك في الأنشطة والألعاب التراثية، في تجربة تجمع المعرفة بالمتعة، والتاريخ بالتفاعل، والثقافة بالمشاركة.

وعند نهاية اليوم، لا يغادر الزائر وهو يحمل معلومات جديدة فحسب، بل يحمل تجربة كاملة عاشها بمشاعره وحواسه. وكأن التراث الإسلامي التتري خرج من صفحات التاريخ ليعود حيًا بين الناس، يروي قصته على ألسنة أبنائه، ويؤكد أن أفضل وسائل الحفاظ على الهوية ليست حفظها في الذاكرة فقط، بل تحويلها إلى حياة تتجدد في كل مهرجان، وتنتقل من جيل إلى جيل في صورة إنسانية نابضة بالإبداع والجمال.

مهرجان ثقافي يجسد التراث الإسلامي في الحياة اليومية

وفي هذا السياق، أعلنت مؤسسات تترية وثقافية في مدينة سوخوفولا شمال شرقي بولندا تنظيم الدورة التاسعة من «مهرجان الثقافات»، الذي يقام على مرحلتين؛ الأولى يوم السبت 22 أغسطس 2026 في مركز الثقافة الإسلامية للتتار بمدينة سوخوفولا، والثانية يوم الأحد 6 سبتمبر 2026 في سينما «كوميتا» بالمدينة، بمشاركة مؤسسات دينية وثقافية ومحلية تعمل على التعريف بالتراث التتري والحفاظ عليه.

ويتولى تنظيم المهرجان كل من مركز الثقافات الثلاث في سوخوفولا، والمركز البلدي للثقافة والرياضة والسياحة، والاتحاد الديني الإسلامي في جمهورية بولندا، ومعهد يونس أمره في وارسو، والجماعة الإسلامية في بوهونيكي، ومركز الثقافة الإسلامية للتتار في سوخوفولا، في نموذج يعكس تكامل الجهود بين المؤسسات الدينية والثقافية والمدنية لإحياء التراث الإسلامي التتري وتقديمه للجمهور في صورة معاصرة.

برنامج متكامل يحول التراث إلى تجربة معاشة

ويتضمن برنامج اليوم الأول حفلًا للموسيقى التركية التقليدية بعنوان «رحلة خالدة في عالم المقامات» يقدمه الموسيقيان روي عزيز ونواف حامد، إلى جانب عروض لفن الإبرو، وركنًا للمطبخ التتري يشهد إعداد طبق «البلاو الأوزبكي» أمام الجمهور مع إتاحة تذوقه، فضلًا عن معرض للصور الأرشيفية للمجتمع التتري، ومعرض للصور الفوتوغرافية يوثق مساجد تركيا في مختلف فصول السنة.

كما يشمل البرنامج جولات تعريفية داخل مركز الثقافة الإسلامية للتتار، وعروضًا للخط العربي، وفعاليات للتعريف بثقافة إعداد القهوة التقليدية، بما يمنح الزائر فرصة للتعرف على جوانب متعددة من التراث الإسلامي من خلال التفاعل المباشر، وليس عبر المشاهدة فقط.

أما اليوم الثاني، فيركز على توثيق الذاكرة المحلية، من خلال لقاء مع الباحث ميخاو دومبروفسكي، صاحب قناة «التواريخ المحلية»، وعرض صور تاريخية لمدينة سوخوفولا أُعيد إحياؤها باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي، إلى جانب عرض الفيلم القصير «كومبوت الفراولة»، واختتام مشروع «اللقاءات العائلية المفتوحة مع الفن» ومعرض أعمال المشاركين فيه.

المهرجانات منصة متجددة لحفظ الهوية

ولا تمثل هذه الفعاليات مناسبة احتفالية عابرة، بل تعكس رؤية تتبناها المؤسسات التترية في بولندا تقوم على توظيف المهرجانات الثقافية بوصفها وسيلة حضارية لإحياء التراث الإسلامي، من خلال نقل عناصره إلى الفضاء العام، وإتاحتها أمام مختلف فئات المجتمع في أجواء تفاعلية تجمع بين المعرفة والمتعة.

وتبرز هذه التجربة أن المجتمعات المسلمة، مهما كان حجمها، قادرة على الحفاظ على هويتها التاريخية بوسائل إبداعية تتجاوز الأساليب التقليدية، عبر تحويل التراث إلى تجربة حية يعيشها الزوار بمختلف أعمارهم وخلفياتهم، بما يعزز ارتباط الأجيال الجديدة بإرثها الثقافي، ويقدم نموذجًا رائدًا في صون التراث الإسلامي ونقله إلى المجتمع بروح من الانفتاح والإبداع.

المصدر: اللجنة المنظمة لمهرجان الثقافات التاسع في سوخوفولا.

التخطي إلى شريط الأدوات