مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

 بولندا.. يعقوب سينكيفيتش أول مفتي لمسلميها ورائد تنظيم شؤونهم الدينية

برز الدكتور يعقوب سينكيفيتش بوصفه أحد أبرز الشخصيات الإسلامية في بولندا خلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين

مسلمون حول العالم ـ متابعات

ـ بقلم الدكتور أمين القاسم ـ الباحث في تاريخ المنطقة

برز الدكتور يعقوب سينكيفيتش بوصفه أحد أبرز الشخصيات الإسلامية في بولندا خلال الفترة الفاصلة بين الحربين العالميتين، إذ تولى عام 1925 منصب مفتي المسلمين في بولندا، وترأس أول مؤسسة دينية إسلامية رسمية في البلاد، وأسهم في تنظيم شؤون المجتمع المسلم وتعزيز صلاته بالعالم الإسلامي.

وينتمي سينكيفيتش إلى تتار بولندا، وكان من الشخصيات العلمية البارزة التي جمعت بين دراسة الاستشراق والعلوم الإسلامية، كما ترك حضورًا ملحوظًا في الحياة الدينية والعلمية للمسلمين في بولندا.

يعقوب سينكيفيتش

ولد يعقوب بن سليمان سينكيفيتش عام 1884 في بيلاروسيا لعائلة من تتار المنطقة، ودرس العلوم الهندسية قبل أن يتجه إلى دراسة اللغات والعلوم الشرقية في جامعة سانت بطرسبورغ.

ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى توقفت دراسته، ثم واصل مساره العلمي بعد الحرب في برلين، حيث حصل على درجة الدكتوراه في الفلسفة. وكان يجيد عددًا من اللغات الأوروبية، إلى جانب العربية والتركية، واهتم بدراسة الأدب التتري والتركي القديم.

أول تنظيم ديني إسلامي في بولندا

في ديسمبر عام 1925 انتُخب سينكيفيتش مفتيًا لمسلمي بولندا، وأصبح رئيسًا للاتحاد الديني الإسلامي الذي كان مقره في فيلنيوس، ليتولى القيادة الدينية للمجتمع المسلم في البلاد.

وتشير السجلات الرسمية إلى أن عدد المسلمين في بولندا آنذاك كان نحو 5800 مسلم، فيما كان سينكيفيتش الشخصية الدينية الأبرز في الاتحاد، وتُرجع إليه السلطات في القضايا المتعلقة بالشؤون الإسلامية.

وخلال قيادته، عمل على تطوير المؤسسات الإسلامية وتنظيم عمل الجماعات والمساجد، وأسهم في إعداد الأطر القانونية المنظمة لعلاقة المؤسسات الإسلامية بالدولة، كما جرى عام 1936 اعتماد قانون ينظم العلاقة بين الدولة والاتحاد الديني الإسلامي ونظامه الأساسي.

صلات بالعالم الإسلامي

لم تقتصر جهود سينكيفيتش على الشأن الداخلي، بل سعى إلى توثيق صلات مسلمي بولندا بالمجتمعات الإسلامية خارج البلاد، وقام بعدد من الرحلات إلى دول ومناطق إسلامية، من بينها مصر وفلسطين وسوريا وتركيا والهند وغيرها.

وشارك عام 1926 في مؤتمر الخلافة الذي عُقد في القاهرة، كما شارك في المؤتمر الإسلامي الأوروبي عام 1935، وأسهمت رحلاته واتصالاته الدولية في تعريف العالم الإسلامي بأوضاع المسلمين في بولندا وفتح قنوات للتواصل معهم. وتشير وثائق الأرشيف البولندي إلى رحلات قام بها إلى بلغراد وبومباي وغيرها خلال فترة توليه منصب المفتي.

جهود في التعليم والترجمة

اهتم سينكيفيتش بتطوير المستوى الديني للمسلمين في بولندا، وسعى إلى تأهيل الأئمة والعاملين في المؤسسات والجمعيات الإسلامية، كما ارتبط اسمه بجهود تعليمية وعلمية هدفت إلى تعزيز معرفة المسلمين بدينهم وتراثهم.

وفي عام 1935 أصدر كتاب **«آيات من القرآن»**، وضم مجموعة من الآيات القرآنية المترجمة إلى اللغة البولندية من العربية، وجُمعت موضوعاته حول قضايا الإيمان وواجبات المسلم وعلاقته بالآخرين وبنفسه. ولذلك فإن الأدق وصف عمله بأنه ترجمة لأجزاء وآيات مختارة من القرآن الكريم، وليس ترجمة كاملة للقرآن.

كما نشر عددًا من الدراسات والأعمال التي تناولت تاريخ وثقافة تتار بولندا وتراثهم الإسلامي، وأسهم بذلك في إبراز الحضور التاريخي للمسلمين في البلاد.

مشروع مسجد وارسو

كان إنشاء مسجد كبير في العاصمة وارسو أحد أبرز مشروعات سينكيفيتش، إذ أُنشئت لجنة خاصة لجمع التبرعات والعمل على بناء المسجد عام 1928، وسعى المفتي من خلال رحلاته واتصالاته في العالم الإسلامي إلى حشد الدعم لهذا المشروع.

لكن المشروع لم يكتمل، إذ أدت اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939 وما تبعها من احتلال بولندا إلى توقف خطط بناء المسجد.

إرث ديني وعلمي

ترك يعقوب سينكيفيتش أثرًا واضحًا في المجتمع المسلم البولندي خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، وأسهم في ترسيخ مؤسسات دينية إسلامية أكثر تنظيمًا، وتعزيز التواصل مع العالم الإسلامي، ودعم التعليم والترجمة والبحث العلمي.

وحظي بتقدير رسمي في بولندا، ومنح عام 1936 وسامًا تقديرًا لخدماته، فيما انتهت مرحلته في قيادة مسلمي البلاد مع اضطرابات الحرب العالمية الثانية وما أعقبها من تغيرات سياسية كبرى.

وبعد الحرب غادر بولندا، وأقام فترة في مصر قبل انتقاله إلى الولايات المتحدة، حيث توفي عام 1966، تاركًا وراءه تجربة بارزة في تاريخ المؤسسات الإسلامية في بولندا وأوروبا خلال القرن العشرين.

التخطي إلى شريط الأدوات