مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

فرنسا.. مسجد باريس الكبير يحتفل بمئوية من الحضور الوطني ورسالة التعايش

قرن على تأسيس أحد أبرز المعالم الإسلامية في أوروبا بحضور رسمي وديني ودبلوماسي واسع

مئة عام من الوفاء للتاريخ وتجديد الالتزام بالحوار وبناء المستقبل

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح

في قلب العاصمة الفرنسية، حيث تتجاور الرموز التاريخية والدينية والثقافية، وقف مسجد باريس الكبير بعد مرور مئة عام على تأسيسه شاهدًا على مسيرة امتدت قرنًا كاملًا، تجاوز خلالها دوره كدار للعبادة ليصبح أحد أبرز رموز الحضور الإسلامي في فرنسا وجسرًا للحوار والتواصل بين المسلمين ومؤسسات الدولة والمجتمع. وجاءت احتفالية المئوية لتستحضر ذاكرة الماضي وتؤكد استمرار رسالة المسجد في ترسيخ قيم التعايش والاحترام المتبادل والانتماء الوطني.

وفي هذا السياق، احتفل مسجد باريس الكبير، يوم الأربعاء 15 يوليو/تموز 2026، بالذكرى المئوية لتدشينه، وسط حضور رسمي ودبلوماسي وديني واسع ضم وزير الداخلية الفرنسي لوران نونييز، والوزيرة أورور بيرجيه، ومحافظ شرطة باريس، ورئيس بلدية باريس، ورئيسة إقليم إيل دو فرانس، ورؤساء بلديات، وعددًا من السفراء والمنتخبين وممثلي الديانات المختلفة والمؤسسات الإسلامية ومنظمات المجتمع المدني، في مناسبة ربطت بين تاريخ المسجد ومستقبله، وبين ذاكرة فرنسا ورسالة مواطنيها المسلمين.

تأسيس ارتبط بالوفاء لتضحيات المسلمين

استعادت الاحتفالية الظروف التاريخية التي أُنشئ فيها المسجد، إذ جاء مشروع بنائه عقب الحرب العالمية الأولى تكريمًا لعشرات الآلاف من المسلمين الذين قاتلوا في صفوف الجيش الفرنسي، وتخليدًا لذكرى ما يقارب مئة ألف مسلم ضحوا بحياتهم دفاعًا عن فرنسا.

وأكد عميد مسجد باريس الكبير، شمس الدين حفيظ، أن المسجد لم ينشأ استجابة لمطلب هوياتي، بل كان ثمرة اعتراف الجمهورية الفرنسية بتضحيات المسلمين، وتجسيدًا لعلاقة أخوية بين فرنسا ومواطنيها المسلمين، وهو ما منح هذه المؤسسة مكانة تاريخية استثنائية في الذاكرة الوطنية.

المسجد الوحيد الذي قررت جمهورية علمانية تشييده

يتميز مسجد باريس الكبير بخصوصية تاريخية فريدة، إذ يُعد المسجد الوحيد في أوروبا الذي اتخذت جمهورية علمانية قرار تشييده. ومنذ افتتاحه في 15 يوليو/تموز 1926، أصبح أحد أبرز المعالم الإسلامية في القارة الأوروبية، ورمزًا للحضور الإسلامي في فرنسا، ومؤسسة تجمع بين الرسالة الدينية والدور الثقافي والحضاري.

وأظهرت الصور الرسمية للاحتفال مشاركة كبار المسؤولين في جولات داخل أروقة المسجد التاريخية، إلى جانب تنظيم مراسم رسمية استحضرت مختلف محطات تأسيسه وتطوره على مدى قرن كامل.

احتفال يعكس مكانة المسجد في المجتمع الفرنسي

اتسمت احتفالية المئوية بحضور لافت لممثلين عن مؤسسات الدولة والهيئات الدينية والبعثات الدبلوماسية، في مشهد عكس المكانة التي يحظى بها المسجد داخل المجتمع الفرنسي بعد مئة عام من تأسيسه.

وفي كلمته خلال الاحتفال، قال عميد المسجد: «هنا، تحت هذه المئذنة التي ترتفع ثلاثة وثلاثين مترًا وتحرس باريس منذ مئة عام، لا تزال الحجارة تتذكر وعدًا جمع بين فرنسا الممتنة وإسلام قائم على الأخوة، حين مد كل منهما يده إلى الآخر»، مؤكدًا أن رسالة المسجد ستظل قائمة على الحوار والتفاهم وخدمة المجتمع.

تكريم للمؤسس ورسائل سلام للأجيال القادمة

شهدت المناسبة منح وسام «بناة مساجد فرنسا» بعد الوفاة إلى سي قدور بن غبريط، مؤسس مسجد باريس الكبير وأول عمدائه، تقديرًا لإسهاماته التاريخية في تأسيس هذه المؤسسة العريقة.

كما كرّم المسجد ذكرى الأب جاك هامل الذي اغتيل قبل عشرة أعوام، في رسالة تؤكد رفض العنف وترسيخ قيم الأخوة الإنسانية، بحضور شقيقته روزلين، قبل أن تُختتم المراسم بغرس شجرة زيتون داخل المسجد، رمزًا للسلام ورسالة أمل للأجيال القادمة.

قرن جديد ورسالة مستمرة

لا تمثل الذكرى المئوية نهاية مرحلة تاريخية، بل بداية قرن جديد من المسؤولية أمام واحدة من أعرق المؤسسات الإسلامية في أوروبا. فالتحديات التي تواجه المجتمعات المعاصرة تجعل من الحوار والتفاهم والاحترام المتبادل ضرورة لبناء مستقبل أكثر استقرارًا، وهي الرسالة التي سعى مسجد باريس الكبير إلى ترسيخها طوال مئة عام، ويجدد التزامه بمواصلتها خلال القرن القادم.

المصدر: مسجد باريس الكبير – مقابلة عميد المسجد مع صحيفة Ouest-France – المواد الرسمية والصور الصادرة عن احتفالية المئوية.

التخطي إلى شريط الأدوات