من الجدات إلى الحفيدات..
البرنامج يجسد تمسك المسلمات في كوسوفا بالهوية الإسلامية وحب القرآن الكريم ويؤكد أن الإرادة تتجاوز حدود العمر

مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
في مدينة بريزرن، المعروفة بمدينة المآذن وأحد أبرز المراكز التاريخية والثقافية للمسلمين الألبان في البلقان، اجتمعت الأمهات والجدات حول كتاب الله في مشهد يعكس عمق الارتباط بالقرآن الكريم واستمرار حضوره في حياة المرأة المسلمة عبر الأجيال. وبين أجواء إيمانية غلبت عليها مشاعر الفرح والامتنان، تحولت لحظات التكريم إلى رسالة حضارية تؤكد أن الهوية الإسلامية ما تزال متجذرة في المجتمع الكوسوفي، وأن حب القرآن والتعلق به لا يرتبط بعمر أو مرحلة زمنية، بل يبقى رفيقًا للمسلم طوال حياته.
فقد احتضن مسجد أتماجا التاريخي في مدينة بريزرن حفلًا تكريميًا بمناسبة إتمام 14 امرأة دورة تلاوة القرآن الكريم كاملًا، بعد رحلة تعليمية هدفت إلى تعلم القراءة الصحيحة لكتاب الله وإتقان أحكام التلاوة. ونظم البرنامج قسم المرأة التابع للمجلس الإسلامي في بريزرن، وشهد تكريم المشاركات اللاتي أتممن قراءة القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس، في مناسبة عكست نجاح الجهود التعليمية والدعوية الموجهة للمرأة المسلمة في المدينة.
رحلة قرآنية من الفاتحة إلى الناس
لم تكن الدورة مجرد برنامج تعليمي عابر، بل مثلت مسارًا قرآنيًا متكاملًا التزمت به المشاركات لفترة طويلة، حيث تعلمن أحكام التلاوة الصحيحة وواصلن القراءة والمراجعة حتى أتممن تلاوة القرآن الكريم كاملًا.
ويكتسب هذا الإنجاز أهمية خاصة لأن غالبية المشاركات من الأمهات والجدات، ما يعكس حرص المرأة المسلمة في كوسوفا على مواصلة التعلم الشرعي مهما تقدمت بها السن، ويؤكد أن الارتباط بكتاب الله لا يقتصر على جيل دون آخر.
المرأة المسلمة وحفظ الهوية الإسلامية
تكشف هذه المبادرات القرآنية عن الدور المحوري الذي تؤديه المرأة في الحفاظ على الهوية الإسلامية داخل المجتمع الكوسوفي. فالأسرة تبدأ من الأم، وحين تكون الأم مرتبطة بالقرآن الكريم وقيمه وتعاليمه، فإن أثر ذلك يمتد إلى الأبناء والأحفاد والمجتمع بأسره.
ولذلك تمثل الدورات القرآنية النسائية استثمارًا طويل الأمد في بناء الأجيال، لأنها تجمع بين التعليم الشرعي والتربية الإيمانية وتعزيز الانتماء الديني والثقافي في مجتمع حافظ على هويته الإسلامية رغم التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها المنطقة عبر العقود الماضية.
تكريم المعلمة وجهود العمل القرآني
شهد الحفل كلمة لمنسقة قسم المرأة في بريزرن ميرغيمة كالينديري، التي هنأت المشاركات على هذا الإنجاز القرآني، كما أشادت بجهود المعلمة ميريمة ميماي التي أشرفت على الدورة وتابعت الدارسات حتى إتمام البرنامج بنجاح.
ويعكس هذا التكريم أهمية الدور الذي تؤديه المعلمات والمربيات في المؤسسات الإسلامية، حيث لا يقتصر دورهن على التعليم فقط، بل يمتد إلى المتابعة والتحفيز وبناء البيئة الإيمانية التي تساعد الدارسات على الاستمرار وتحقيق أهدافهن التعليمية.
سيدة في الرابعة والسبعين تلخص رسالة الاحتفالية
رغم الأجواء الإيمانية التي رافقت الحفل، بقيت الأنظار متجهة نحو إحدى المشاركات البالغة من العمر 74 عامًا، والتي تحولت إلى الشخصية الأبرز في المناسبة بعد إتمامها الدورة القرآنية بنجاح.
وقد حمل هذا المشهد رسالة عميقة مفادها أن الإرادة الصادقة أقوى من اعتبارات العمر، وأن طلب العلم الشرعي وتعلم القرآن الكريم يظل متاحًا في جميع مراحل الحياة. كما قدمت هذه السيدة نموذجًا ملهمًا للنساء والفتيات في كوسوفا، مؤكدة أن النجاح يبدأ بالرغبة الصادقة والاستمرار في التعلم.
بريزرن.. مدينة المآذن والحضور الإسلامي العريق
اكتسبت الاحتفالية دلالة إضافية لكونها أقيمت في مدينة بريزرن، التي تعد من أعرق المدن التاريخية في غرب البلقان وأحد أهم المراكز الإسلامية للألبان عبر القرون.
وتشتهر المدينة بمساجدها التاريخية ومآذنها المنتشرة في أحيائها القديمة، كما تمثل رمزًا مهمًا للهوية الوطنية والثقافية والدينية لدى الشعب الألباني في كوسوفا. ولا تزال مؤسساتها الإسلامية تؤدي دورًا بارزًا في نشر التعليم الديني ورعاية الأنشطة القرآنية والثقافية التي تحافظ على هذا الإرث الحضاري المتواصل.
الخاتمة
تكشف هذه الاحتفالية أن قوة المجتمعات المسلمة لا تقاس فقط بعدد مؤسساتها، بل بقدرتها على إبقاء القرآن الكريم حاضرًا في حياة الناس جيلاً بعد جيل. وعندما تجلس الجدات والأمهات في حلقات التعلم إلى جانب الأجيال الجديدة، فإن ذلك يعكس حيوية الهوية الإسلامية واستمرار انتقالها بصورة طبيعية داخل المجتمع. كما تؤكد قصة السيدة البالغة من العمر 74 عامًا أن الطريق إلى القرآن لا تحده السنون، وأن المحبة الصادقة لكتاب الله قادرة على تحويل أي مرحلة عمرية إلى بداية جديدة.
وتقع جمهورية كوسوفا في منطقة البلقان بجنوب شرق أوروبا، وتعد من أحدث الدول الأوروبية استقلالًا، فيما تمثل مدينة بريزرن أحد أهم مراكزها التاريخية والثقافية والدينية، وتعرف على نطاق واسع باسم “مدينة المآذن” لكثرة مساجدها ومعالمها الإسلامية.
ويشكل المسلمون أكثر من 95% من سكان كوسوفا، وينتمي معظمهم إلى الشعب الألباني، فيما تضطلع المشيخة الإسلامية في كوسوفا ومؤسساتها التعليمية والدعوية بدور محوري في رعاية الحياة الدينية ونشر التعليم الشرعي وتحفيظ القرآن الكريم في مختلف أنحاء البلاد.

