مسلمون حول العالم ـ متابعات
يواصل الدكتور مجدي سعيد تقديم سلسلته المعرفية المتميزة نقاط مضيئة» التي تسلط الضوء على الشخصيات الرائدة والتجارب الحياتية الملهمة، حيث يمضي في استكشاف نماذج إنسانية جمعت بين الفكر والعمل، وقدّمت إسهامات حقيقية في مجالاتها، مستخرجًا من مسيرتها الدروس والعبر التي تعزز الوعي وتلهم القارئ نحو البناء والإيجابية، ضمن طرح عميق يربط بين الفكرة والتطبيق، ويعيد توجيه الاهتمام نحو مساحات التأثير المجتمعي الفعّال.
شخصية العدد.. محمد حاشر فاروقي
يتناول هذا العدد سيرة الدكتور محمد حاشر فاروقي، أحد الفاعلين من بناة المشاريع والمؤسسات في الوجود الإسلامي في بريطانيا، والذي امتد عطاؤه من الصحافة الإسلامية إلى العمل المؤسسي، وظف خلاله مهاراته كصحفي وقدرته على توحيد المجتمعات لدعم قضايا المجتمع. وترصد قصة حاشر فاروقي مسيرة امتدت لعقود، كان خلالها رئيسًا لتحرير مجلة «إمباكت إنترناشونال»، التي عنيت بأخبار الأمة الإسلامية شرقًا وغربًا، وشاركت في تأسيس عدد من الكيانات الإسلامية في بريطانيا، مع حفاظه على استقلالية المجلة ورفضه محاولات استقطابها عبر التمويل.
الوجود الإسلامي في بريطانيا
بقلم الدكتور مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المقيم في لندن
خلال العقود التي تلت الحرب العالمية الثانية فتحت البلاد الأوروبية التي شاركت فيها أبوابها أمام القادمين من خارج القارة للمعاونة في إعادة إعمار البلاد التي دمرتها الحرب، وكانت بريطانيا إحدى تلك البلاد التي انفتحت. وكان أبناء “درة التاج البريطاني”، من شبه القارة الهندية هم الغالبية العظمى لهؤلاء الذي توافدوا على بريطانيا.
وقد كان للمسلمين من أبناء شبه القارة السهم الأكبر في تطوير الوجود الإسلامي هناك، وهو التطور الذي تجلى في قيام المئات من المؤسسات في شتى المجالات، إن على مستوى المجتمعات المحلية، أو على المستوى القومي البريطاني. وقد كان الدكتور محمد حاشر فاروقي Muhammad Hashir Faruqi (1930 – 2022) هو واحد من هؤلاء الفاعلين من بناة المشاريع والمؤسسات على مدار عمره الممتد.
ولد حاشر فاروقي في مدينة غازي بور بولاية أوتر براديش الهندية عام 1930، ودرس العلوم الزراعية في كلية كانبور الزراعية حتى حصل على بالكالوريوس في علم الحشرات، وخلال فترة دراسته كان عضوا ناشطا في حركة تأسيس باكستان، كما كان سكرتيرا لاتحاد الطلاب الإسلامي بالكلية وللجمعية الأدبية الأردية للطلاب. وعندما انفصلت باكستان عن الهند عام 1947، وهجرة أسرته إليها، عمل حاشر بعدة وظائف في وزارة الزراعة في الدولة الوليدة، كما أعير عاما للعمل في وزارة الزراعة السعودية. وفي عام 1960 سافر إلى بريطانيا سعيا لدراسة الدكتوراه في علم الحشرات بجامعة “إمبريال كوليدج لندن”، وبعد الحصول على الدكتوراه استقر في بريطانيا وعمل لفترة في تخصصه.
ولأن الرجل قد من نسيج قوامه النشاط والفاعلية من جانب، والانتماء لمصالح الأمة الإسلامية فيما يشارك فيه من أنشطة من جانب آخر، فقد انخرط في أغلب المناشط المؤدية إلى بلورة الوجود الإسلامي في بريطانيا في كيانات مؤسسية. ويبدو أن بداية هذا الانخراط كانت عبر ما عرف بدائرة لندن الإسلامية London Islamic Circle، والتي يبدو أنها كانت أشبه بمنتدى للتداول في الشأن الإسلامي كان يعقد في المكان الذي تأسس فيه لاحقا المركز الإسلامي الرئيسي في ريجنت بارك في لندن، وخلال الفترات الأولى من حياته في بريطانيا اعتاد حاشر أن يكتب عمودا في مجلة “المسلم The Muslim”، وهي المجلة الشهرية لـ “اتحاد الجمعيات الإسلامية الطلابية” (FOSIS)، تحت الاسم المستعار “الكاتب”.
ويبدو أن دوره كناشط وكاتب عمود، قاده للتفكير في تأسيس مجلة إسلامية، وهي الفكرة التي نبتت في عقله منذ ستينيات القرن العشرين، لكنها لم تأخذ حيز التنفيذ إلا في عام 1971، وهو العام الذي ولدت فيه مجلة “إمباكت إنترناشونال Impact International” وهي مجلة إخبارية، كانت تعنى بأخبار الأمة الإسلامية شرقا وغربا.
مجلة «إمباكت إنترناشونال» وأخبار الأمة
عمل حاشر فاروقي كرئيس تحرير للمجلة، بينما تولى عبد الواحد حامد منصب نائب رئيس التحرير، وسليم صديقي منصب مدير المجلة. وقد اعتمدت المجلة في مادتها على عدد من المراسلين الإخباريين المتطوعين من شتى بقاع العالم، حتى من دول الاتحاد السوفيتي السابق، وأوروبا الشرقية. كما اعتمدت على استكتاب عدد من الكتاب والمفكرين والناشطين من داخل وخارج بريطانيا، وأجرت طوال عمرها عددا من اللقاءات الصحفية المهمة مع شخصيات مرموقة من العالم الإسلامي شملت الملك فيصل وآية الله الخميني، والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، والباكستاني ضياء الحق، ورئيس الوزراء الماليزي مهاتير محمد وآخرين.
صدرت المجلة في البداية كل أسبوعين، وكانت بسيطة في شكلها، أقرب إلى النشرات الإخبارية ثم صارت شهرية، وأخذت شكلا أكثر تطورا أقرب للمجلات المعتادة. واتخذت المجلة لها مقرا بسيطا عبارة عن غرفتين بمنطقة فينزبري بارك شمال لندن، وبلغ عدد قرائها في أوج انتشارها 100 ألف قارئ، وعدد اشتراكاتها 20 ألف اشتراك، ووصلت في توزيعها إلى 85 دولة حول العالم، وقد ظلت المجلة تصدر على مدار 35 عاما حتى توقفت عام 2007، وهي بذلك أطول المجلات الإسلامية البريطانية عمرا.
وخلال عمرها الطويل هذا رفض حاشر فاروقي كل محاولة لاستقطابه أو استقطاب المجلة عبر تمويلها، مصرا على استقلاليتها عن أي جهة كانت، الأمر الذي جعل المجلة تعاني ماليا طوال حياتها، كما جعل الرجل يعيش طوال حياته في شقة بالإيجار بمنطقة كيلبورن شمال غرب لندن، وهو أمر لو تعلمون عظيم في ظل الإغراءات التي تعرضت لها مطبوعات ومؤسسات إسلامية كثيرة.
من الصحافة إلى العمل المؤسسي
لم يتوقف عطاء الدكتور حاشر فاروقي عند حدود دوره الإعلامي، فقد مارس دورا قياديا في تأسيس عدد من أكبر الكيانات الإسلامية في بريطانيا مثل مؤسسة “البعثة الإسلامية بالمملكة المتحدة UK Islamic Mission”، وهي واحدة من أقدم وأكبر المنظمات والمؤسسات الخيرية في المملكة المتحدة، والتي تأسست عام 1962 لتلبية احتياجات الجالية المسلمة المتنامية، مع التركيز على العمل الخيري، والتعليم والخدمات الاجتماعية.
كما كان عضو مجلس أمناء مؤسس ثم رئيسا لـ “المؤسسة الإسلامية Islamic Foundation”، وهي مؤسسة ثقافية إسلامية تأسست في مدينة ليستر عام 1973، لتهتم بالبحث والتعليم والنشر وحوار الأديان.
وفي عام 1985، واستجابة لموجة الجفاف التي ضربت منطقة القرن الإفريقي، شارك حاشر فاروقي ضمن عدد من قيادات المنظمات الإسلامية في بريطانيا لتأسيس منظمة “العون الإسلامي Muslim Aid” وأصبح عضوا في مجلس أمنائها.
كما أصبح مستشارا للجنة العمل البريطانية للشؤون الإسلامية UK Action Committee on Islamic Affairs، التي تأسست عام 1988 من أجل حشد المجتمع المسلم ممثلا في 20 منظمة إسلامية لتنسيق حملاتها العامة وردود أفعال المجتمع المسلم، وذلك في أعقاب صدور رواية سلمان رشدي “آيات شيطانية”. كما انضم إلى مجموعة متنوعة من القادة والمفكرين التي ارتأت أن تتحول اللجنة عام 1997 إلى كيان دائم باسم “المجلس الإسلامي البريطاني Muslim Council of Britain“. وكانت رؤية حاشر فاروقي للمجلس عند تأسيسه أنه يجب أن يتجنب إصدار الفتاوى، وأن يظل هيئة جامعة تعمل من أجل الصالح العام، وهي النصيحة التي أخذها المجلس بعين الاعتبار.
خدمة المجتمع ورفض التكريم
وإجمالا، فقد كان حاشر فاروقي خادما متفانيا ومتواضعا لمجتمعه المسلم في بريطانيا. وظف مهاراته كصحفي وقدرته على توحيد المجتمعات لدعم قضايا المجتمع. ففضلا عما تم ذكره، كان عضوا مؤسسا في مجلس أمناء مؤسسات أخرى مثل “الصندوق الإسلامي التعليمي Muslim Educational Trust” الذي تأسس عام 1966، وصندوق المدينة Al Madinah Trust وغيرها من المؤسسات، كما ساهم في العديد من الأنشطة الخيرية الأخرى التي يصعب حصرها.
وقد ظل حاشر فاروقي طول حياته يرفض أي تكريمات له في حياته، إلى أن نجحت صحيفة “ذا مسلم نيوز The Muslim News” التي أسسها أحمد فيرسي Ahmed J Versi عام 1989 في إقناعه بأهمية أن يتعرف الشباب على قصته وأن يستلهموا منها الدروس، وقد قبل أن يأتي ذلك في إطار تكريمه في الحفل السنوي للصحيفة عام 2013 بجائزة الإنجاز مدى الحياة عن عمله كرئيس تحرير لمجلة “إمباكت إنترناشونال”. وقد بقي هذا هو التكريم الوحيدة لمسيرة هذا الرجل الذي آثر أن يبقى يؤدي عمله في الظل، إلى أن توفي في يناير من عام 2022 عن عمر ناهز اثنين وتسعين عاما.
ـ المصدر:
ـ الصفحة الرسمية للدكتور مجدي سعيد، الكاتب الصحفي المصري المقيم في لندن.
ـ لمصدر المعلومات والمزيد منها طالعوا عددا من مقالات الرثاء التي نشرت في عدد من المواقع:

