مسلمون حول العالم
نافذتك إلى أخبار الأقليات المسلمة

كوريا الجنوبية.. مجتمع مسلم يبني جسور التعايش من المسجد المركزي إلى الجامعات والمجتمع

الإسلام في كوريا الجنوبية يمتد بجذوره إلى القرن التاسع ويتطور اليوم عبر المؤسسات والتعليم والحوار المجتمعي

المسلمون في كوريا الجنوبية يقدمون نموذجًا متوازنًا

يجمع بين الحفاظ على الهوية والانفتاح على المجتمع

إعداد: هاني صلاح ـ مؤسس موقع مسلمون حول العالم

في قلب العاصمة سيول، يرتفع المسجد المركزي فوق أحد التلال ليبدو أكثر من مجرد مكان للعبادة؛ فهو عنوان لحضور إسلامي هادئ، وملتقى لمجتمع متنوع الجنسيات، ومنصة للحوار مع المجتمع الكوري.

وعلى امتداد العقود الماضية، نما هذا الحضور تدريجيًا، حتى أصبح المسلمون جزءًا من المشهد الثقافي والاجتماعي في كوريا الجنوبية، في تجربة تقوم على التعايش والاندماج واحترام الخصوصية الدينية.

وفي هذا السياق، يواصل المجتمع المسلم في كوريا الجنوبية ترسيخ حضوره من خلال المؤسسات الدينية والتعليمية والأنشطة المجتمعية، مستفيدًا من انفتاح المجتمع الكوري، رغم ما يواجهه أحيانًا من تحديات تتعلق بالصور النمطية وقلة المعرفة بالإسلام.

جذور تاريخية تمتد إلى القرن التاسع

لا يعد وجود الإسلام في شبه الجزيرة الكورية ظاهرة حديثة، إذ تشير دراسات أكاديمية كورية إلى أن أولى صلات المسلمين بكوريا تعود إلى القرن التاسع الميلادي، عندما وصل التجار العرب والمسلمون إلى مملكة شيلا عبر طرق التجارة البحرية، قبل أن تتوسع العلاقات التجارية خلال عهد مملكة غوريو.

كما توثق المصادر التاريخية استمرار التواصل الحضاري بين المسلمين والكوريين عبر القرون، فيما عاد الإسلام للظهور بصورة أكثر تنظيمًا خلال القرن العشرين، ثم بدأ المجتمع المسلم الحديث بالتشكل بعد الحرب الكورية، عندما قدم الجنود الأتراك المشاركون ضمن قوات الأمم المتحدة مساعدات إنسانية واسعة، تركت أثرًا إيجابيًا لدى السكان وأسهمت في تعريف الكوريين بالإسلام.

من نواة صغيرة إلى مجتمع متنامٍ

شهدت العقود الأخيرة نموًا متواصلًا للمجتمع المسلم في كوريا الجنوبية، إذ يقدر عدد المسلمين اليوم بنحو 250 ألف نسمة بين مواطنين كوريين ومقيمين أجانب، فيما يبلغ عدد المسلمين الكوريين نحو 60 ألفًا، مع استمرار ارتفاع أعداد المعتنقين للإسلام.

ويضم المجتمع المسلم اليوم عشرات الجنسيات، إلى جانب الكوريين الذين اعتنقوا الإسلام عبر الدراسة أو العمل أو الزواج أو الاحتكاك المباشر بالمسلمين، الأمر الذي منح المجتمع الإسلامي طابعًا دوليًا متنوعًا.

المسجد المركزي… قلب الحياة الإسلامية

يمثل المسجد المركزي في سيول، الذي افتتح عام 1976، القلب النابض للحياة الإسلامية في البلاد، فهو أول مسجد كبير في كوريا الجنوبية، ويؤدي دورًا يتجاوز إقامة الصلوات، ليشمل التعليم والدعوة واستقبال الوفود والزوار وتنظيم الأنشطة الثقافية والاجتماعية.

وتحيط بالمسجد منطقة تضم مطاعم الحلال والمتاجر الإسلامية، ما جعلها مركزًا للحياة اليومية للمسلمين، كما أصبح المسجد محطة رئيسية للباحثين والسياح والوفود الراغبة في التعرف على الإسلام والثقافة الإسلامية.

الاتحاد الإسلامي يقود مسيرة التنظيم

يقود الاتحاد الإسلامي الكوري، الذي تأسس بصورته الحالية عام 1967، جهود تنظيم شؤون المسلمين في البلاد، حيث يشرف على إدارة المساجد والمصليات، وإعداد الأئمة، وإصدار شهادات الحلال، وتنظيم البرامج التعليمية، وترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الكورية، إضافة إلى بناء علاقات التعاون مع المؤسسات الإسلامية حول العالم.

كما توسعت خلال السنوات الأخيرة برامجه الموجهة للشباب والطلاب، إلى جانب الدورات التعريفية بالإسلام لغير المسلمين.

من الصمود أمام التحديات إلى بناء جسور التفاهم

ومع تزايد أعداد المسلمين والمقيمين الأجانب، ظهرت تحديات جديدة تتعلق بتعزيز التفاهم المجتمعي وتصحيح الصور النمطية عن الإسلام.

وبرز ذلك في قضية مسجد مدينة دايغو، عندما توقفت أعمال بناء مسجد جديد إثر اعتراض بعض السكان، قبل أن تتدخل لجنة حقوق الإنسان الوطنية، مؤكدة أن حرية العبادة حق دستوري، وأن بعض الاعتراضات استندت إلى تصورات نمطية تجاه الإسلام، وهو ما أعاد النقاش إلى أهمية احترام التعددية الدينية وسيادة القانون.

وفي المقابل، اتجهت المؤسسات الإسلامية إلى توسيع برامج الحوار المجتمعي، وتعزيز التواصل مع السكان والجهات المحلية، باعتبار الحوار الطريق الأمثل لترسيخ الثقة المتبادلة.

الجامعات بوابة للتعريف بالإسلام

لم يقتصر انتشار الإسلام على المساجد، بل امتد إلى الجامعات الكورية، حيث تأسست روابط للطلاب المسلمين في عدد من الجامعات الكبرى، وتنظم لقاءات ثقافية ودروسًا تعريفية بالإسلام، مع فتح المجال أمام الطلاب غير المسلمين للمشاركة فيها.

كما بادرت عدة جامعات إلى توفير الوجبات الحلال داخل مطاعمها، في خطوة تعكس تزايد الاهتمام بتلبية احتياجات الطلاب المسلمين، بالتوازي مع توسع صناعة الحلال في البلاد.

وتؤدي الجامعات كذلك دورًا أكاديميًا مهمًا في دراسة الإسلام، إذ أصدرت الجمعية الكورية لدراسة الإسلام، بمشاركة 45 باحثًا، كتابًا باللغة الكورية بعنوان “الإسلام في العالم”، بهدف تقديم صورة علمية متوازنة عن الإسلام وتصحيح المفاهيم الخاطئة المنتشرة عنه.

جيل جديد يصنع صورة مختلفة

برز خلال السنوات الأخيرة جيل من المسلمين الكوريين على منصات التواصل الاجتماعي، يسعى إلى تقديم صورة واقعية عن الإسلام، والتعريف بثقافته بعيدًا عن الصور النمطية.

كما ظهرت مبادرات شبابية ومحتوى رقمي باللغة الكورية، إلى جانب فعاليات ثقافية ومجتمعية تسهم في تعزيز الحوار مع المجتمع، وتقديم الإسلام باعتباره جزءًا من التنوع الثقافي في كوريا الجنوبية.

نمو هادئ وآفاق واعدة

ورغم أن المسلمين ما زالوا يشكلون أقلية صغيرة في كوريا الجنوبية، فإن حضورهم يشهد تطورًا مستمرًا مدعومًا بالنمو السكاني، وتوسع قطاع الحلال، وازدياد الاهتمام الأكاديمي بالإسلام، وارتفاع أعداد الزوار والطلاب القادمين من الدول الإسلامية.

وبين جذور تاريخية تعود إلى أكثر من ألف عام، ومؤسسات حديثة تعمل على ترسيخ الحوار والانفتاح، يواصل المسلمون في كوريا الجنوبية بناء تجربة تقوم على التعايش الإيجابي واحترام التنوع، مؤكدين أن المسجد يمكن أن يكون بيتًا للعبادة، ومنبرًا للتعليم، وجسرًا للتواصل بين الثقافات، وشريكًا في بناء مجتمع أكثر معرفة وتفاهمًا.

المصادر:

* الاتحاد الإسلامي الكوري (Korea Muslim Federation).
* وكالة يونهاب الكورية.
* NHK WORLD-JAPAN.
* الجمعية الكورية لدراسة الإسلام.
* The Korea Times.

التخطي إلى شريط الأدوات