مسلمون حول العالم ـ خاص ـ هاني صلاح
بعد التقرير التمهيدي الذي قدّم مسار الرحلة عبر ثلاثة محاور، والتقرير الأول الذي تناول الجذور العلمية والتاريخية في مالي، ننتقل اليوم إلى المحور الثاني من هذه السلسلة، وهو المحور المفصلي الذي شهد التحول الأكبر في حياة الشيخ محمد منتا؛ مرحلة المدينة المنورة، حيث امتدت الرحلة العلمية اثني عشر عامًا كاملة، صنعت العالم والداعية، ورسخت ملامح الرسالة التي حملها لاحقًا إلى فرنسا وأوروبا.
الوصول إلى المدينة.. بداية التحول الكبير
وصل الشيخ محمد منتا إلى المدينة المنورة عام 1980 بعد رحلة سفر شاقة بدأت من مالي ومرّت بنيجيريا، حيث اضطر إلى البقاء أسبوعًا كاملًا في المطار بعد فوات الرحلة، قبل أن يواصل طريقه إلى المدينة.
وقد وصف لحظة الوصول بأنها من أكثر اللحظات تأثيرًا في حياته، إذ شعر أنه يدخل أرضًا طالما ارتبطت في وجدانه بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم والصحابة الكرام. وفي السنوات الثلاث الأولى، سكن في منطقة أصبحت اليوم جزءًا من الساحات المحيطة بالمسجد النبوي، ما أضفى على هذه المرحلة بعدًا إيمانيًا وتربويًا عميقًا.
اللغة ثم الشريعة.. بناء المسار العلمي
بدأت هذه المرحلة بدراسة اللغة العربية لمدة سنتين، نظرًا لكونه قادمًا من بيئة علمية تقليدية تعتمد الحفظ أكثر من الدراسة الأكاديمية المنهجية.
ثم واصل دراسته في المراحل الإعدادية والثانوية فالجامعية، حتى استقر اختياره على كلية الشريعة بعد استخارة وتفكير عميق.
وقد أشار الشيخ إلى أنه كان يفكر أولًا في دراسة اللغة العربية تمهيدًا للعمل في المجال الدبلوماسي، إلا أن رغبته في خدمة الدعوة والعودة إلى مالي بعلم شرعي راسخ دفعته إلى اختيار الشريعة.
تصحيح الحفظ.. أصعب مراحل الطلب
من أبرز ما ذكره الشيخ في هذا المحور الصعوبة الكبيرة التي واجهها في تصحيح قراءة القرآن الكريم. فعلى الرغم من أنه حفظ القرآن كاملًا في كتاتيب مالي، إلا أن الدراسة المنهجية في المدينة كشفت له الحاجة إلى ضبط التجويد ومخارج الحروف بصورة أدق.
وقد وصف هذه المرحلة بأنها من أصعب مراحل حياته العلمية، لأنها تطلبت إعادة بناء القراءة من جديد، حتى بلغ في السنوات الأخيرة مستوى التفوق الكامل في مادة القراءة المجودة، وحصل على أعلى الدرجات من أساتذته.
المسجد النبوي.. مدرسة موازية
لم تكن الجامعة وحدها هي التي صنعت هذه المرحلة. فقد أوضح الشيخ أن برنامجه اليومي كان يمتد بعد الدراسة النظامية إلى المسجد النبوي، حيث كان يراجع دروسه في الروضة الشريفة من بعد العصر إلى المغرب، ثم يخصص ما بين المغرب والعشاء لمراجعة القرآن الكريم.
وهكذا تحولت المدينة إلى مدرسة مزدوجة: دراسة أكاديمية في الجامعة، وتزكية علمية وإيمانية في المسجد النبوي.
لقاء العلماء.. صناعة الرؤية والمنهج
شكّل العلماء الذين التقاهم الشيخ أحد أهم عناصر هذا المحور. فقد تتلمذ على عدد من كبار العلماء، من أبرزهم الشيخ عبد المحسن العباد في العقيدة، والشيخ محمد الأمين الشنقيطي في الفقه، والشيخ موسى القرني في أصول الفقه، والشيخ عطية محمد سالم في الموطأ والسيرة وأصول الفقه. وقد أكد أن دروس هؤلاء العلماء لم تكن مجرد مادة علمية، بل كانت صناعة للمنهج والرؤية والاتزان الدعوي.
ومن أكثر المواقف تأثيرًا ما نقله عن الشيخ عطية محمد سالم في درس السيرة حول فتح مكة، حين قال للطلاب إن لكل تغيير وقته، وإن الاستعجال ليس منهجًا في الإصلاح، وهي كلمة قال الشيخ إنها بقيت حاضرة في مسيرته حتى اليوم.
العطل الصيفية.. توسيع أدوات الرسالة
حتى الإجازات الصيفية لم تكن فترة توقف. فقد استثمرها الشيخ في السفر بين مالي ومصر وغانا والمغرب وفرنسا، لتطوير أدواته العلمية واللغوية، خاصة في اللغتين الإنجليزية والفرنسية، إلى جانب الحفاظ على صلته بأهله وبيئته الأصلية. وهذا ما يفسر كيف خرج من المدينة ليس فقط عالِمًا في الشريعة، بل داعيةً يمتلك أدوات التواصل مع مجتمعات متعددة.
خاتمة المحور الثاني
هذا المحور يمثل القلب الحقيقي في رحلة الشيخ محمد منتا؛ ففي المدينة المنورة تَشَكَّل العلم، وتبلورت الرؤية، ونضجت الرسالة. ومن هذه المرحلة خرج الشيخ محمّلًا بالعلم والمنهج واللغة، ليبدأ في التقرير القادم الفصل الثالث من الرحلة: فرنسا، حيث تحولت دراسة اللغة إلى ملحمة دعوية ومؤسسية امتدت لأكثر من ثلاثة عقود.
ـ المصدر: بودكاست باثوث مسار ـ إذاعة إنسان / لقاء الشيخ محمد منتا